العنوان تجربة الاتحاد الإسلامي نموذجًا كردستان تستعيد ملامحها الإسلامية
الكاتب صهيب العمادي
تاريخ النشر السبت 30-مارس-2002
مشاهدات 64
نشر في العدد 1494
نشر في الصفحة 38
السبت 30-مارس-2002
ربما يستغرب بعض القراء أن نتحدث اليوم عن جماعة ربما لم يسمع بها كثير منهم، ونتحدث عن مكان ربما لا يتصور الكثير منهم عنه شيئًا.... ولكنها الحقيقة التي أن لنا التحدث عنها وذلك انطلاقًا من قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ (الضحى:۱۱)، لقد خص الله تعالى كردستان العراق بنعم عظيمة، فبذُرت فيها بذور دعوته وحمتها عناية الله إلى أن أخرج الزرع شطاه ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَىٰ عَلَىٰ سُوقِهِ﴾ (الفتح: ٢٩)، لنتعلم دروسًا في الأمل والتفاؤل من خلال هذه التجربة الإسلامية العملية، فإذا عدنا بالذاكرة إلى عشر سنوات فقط مضت على كردستان لنطلع على نتاج أول انتخابات برلمانية أجريت فيها سنرى ما يثبط العزائم ويفقد الأمل، حيث شارك الإسلاميون بمختلف فصائلهم في تلك الانتخابات، ولم يحصلوا مجتمعين على نسبة أكثر من (5٪)، كان هذا في سنة (۱۹۹۳م)، قبل إعلان الاتحاد الإسلامي.
وإذا التقطنا اليوم صورة لواقع كردستان، فإننا نرى بفضل الله تعالى أن التيار الإسلامي أثبت حضوره وحقق إنجازات، ويكفي أن نستشهد بأن الاتحاد الإسلامي اليوم قد شارك في انتخابات مختلفة للطلبة والنقابات والبلديات، وحصل في بعضها على نسبة تصل إلى (25٪)، وفي بعض المراكز في انتخابات البلديات حصل على (60٪) وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ويكفي للقارئ الكريم أن يقارن بين النسبتين، ثم يلاحظ أن النسبة الأولى هي لجميع الحركات الإسلامية والثانية هي فقط للاتحاد الإسلامي، ثم يلاحظ الفترة الزمنية التي شهدت هذا التطور... أقول يكفي ذلك ليستعيد الأمل والتفاؤل ويستنير بقول القائل:
لا تيأسوا أن تستردوا مجدكم *** فلرب مغلوب هوى ثم ارتقى
مدت له الآمال من أفلاكها *** خيط الرجاء إلى العلا فتسلقا
الإرادة:
إن المنجزات التي حققها الاتحاد الإسلامي الكردستاني لم تأت بمجرد أمال وعواطف وخيالات وإنما تحققت بعدما استنارت قيادة الحزب بقول الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (آل عمران: ١٥٩). فعلمت أنه لابد من العزيمة والهمة والعمل... وهذه الإرادة والعزيمة أنت بعد مقارنة بين صورتين لحال الأمة الإسلامية صورة مشرفة طوتها صفحات التاريخ صاغها لنا الشاعر بقوله:
من ذا الذي رفع السيوف ليرفع *** اسمك فوق هامات النجوم منارا؟
كنا جبالًا في الجبال وربما *** سرنا على موج البحار بحارا
كنا نقدم للسيوف صدورنا *** لم نخش يومًا غاشمًا جبارًا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا *** قبل الجحافل يفتح الأمصارا
ورؤوسنا یا رب فوق أكفنا ***نرجو ثوابك مغنمًا وجوارا
هذه الصورة المشرقة والمشرفة من العزة والشهامة والإباء قورنت بصورة حديثة لواقع الأمة، وهي التي وصفها القائل:
أرى التفكير أدركه خمول ***ولم تعد العزائم في اشتعال
وأصبح وعظكم من غير سحر *** ولا نور يطل من المقال
وعند الناس فلسفة وفكر *** ولكن أين تلقين الغزالي
وجلجلة الأذان بكل صوت *** ولكن أين صوت من بلال
منابركم علت في كل حي *** ومسجدكم من العباد خالي
عند المقارنة بين هاتين الصورتين المتعاكستين لا يعدو أن يكون رد الفعل إحدى حالات ثلاث: إما أن يستسلم الإنسان للواقع ويخوض مع الخائضين، وإما أن يصاب باليأس ويتغنى بأمجاد أجداده ويبكي على الأطلال، أو يعتزم ويتوكل على الله وينوي إصلاح ما فسد وإعادة الأمجاد... والاتحاد الإسلامي أبى إلا أن يأخذ بـالـخــيــار الأخير فشمر عن ساعد الجد واتخذ شعار ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ (هود:۸۸)، وهكذا عرف الاتحاد الإسلامي الكردستاني نفسه في نظامه الداخلي بأنه: حزب سياسي إسلامي إصلاحي يناضل من أجل حل كافة القضايا السياسية والاجتماعية والثقافية من منظور إسلامي..
العمل المؤسسي:
إن نجاح الحزب وتفوقه يرجع - بعد فضل الله تعالى - إلى تبنيه للعمل المؤسسي، حيث أنشأ لكل ميدان من الميادين مكتبًا خاصًا أو مؤسسة خاصة تعنى بذلك الميدان.
إن مثل هذه المؤسسية تجعل من الحزب وكأنه خلية نحل لا تتوقف عن العمل، وتتكفل في الوقت نفسه بتشغيل واستيعاب كل أفراده فتقلل بذلك من حالات الفتور والانقطاع التي تصيب الكثيرين على طريق الدعوة.
التعايش مع الآخرين:
إشكالية التعايش والتعامل مع الآخر لا تزال تشكل هاجسًا عند كثير من الإسلاميين والحركات الإسلامية.. كيفية التعامل مع الرأيّ الآخر المخالف، والجماعات التي تحمل أفكارًا مغايرة لما تحمله أنت، سواء كان هذا المخالف إسلاميًا أم علمانيًا أم قوميًا أم... مثل هذه الأمور لا تزال تمثل إشكالية كبيرة عند الكثير من التجارب، ولكن تجربة الاتحاد الإسلامي قد تجاوزت هذا الهاجس وقدمت على أرض الواقع نموذجًا عمليًا رائعًا في هذا المجال، وما يقوم به بعض المفكرين الإسلاميين من التنظير لكيفية التعامل مع المخالف، جعله الاتحاد الإسلامي تطبيقًا عمليًا. فالساحة الكردستانية تحوي ألوان الطيف السياسي المختلفة واستطاع الاتحاد الإسلامي أن يتعامل مع كل طرف ويتحاور معه ويوجد أرضية مشتركة للعمل والتعاون، تاركًا الأمور الخلافية، مؤمنًا بأن الاختلاف سنة إلهية كونية وشرعية... وكان ذلك من خلال احترام الآخر وعدم تحقير ما لديه، والتعاون معه في المتفق عليه... هذا ما انتهجه الاتحاد الإسلامي مع جميع الأحزاب الإسلامية والعلمانية والقومية، مع الحفاظ على خصوصياته وثوابته وتبني الحوار وسيلة لحل جميع المشكلات فقدم بذلك تجربة حضارية، ولعله الحزب الوحيد الذي لم يدخل في صراعات ومواجهات مع أي فصيل كردي آخر، وهذا بحد ذاته درس عظيم يجدر بالعمل الإسلامي الانتباه إليه.
بين الإسلامية والقومية:
إن الجماعة الإسلامية التي لا تجعل ضمن أولوياتها الاهتمام بالقضايا الساخنة وبمشكلات الأمة والأزمات التي تمر بها، لا تستطيع مواكبة العصر، وتفقد حيويتها وتستنفد أغراضها، وهناك اليوم بعض القضايا التي تشكل تحديًا أمام الحركات الإسلامية وتتطلب رؤى واضحة، ومن هذه التحديات قضية القومية التي لا يزال كثير من الإسلاميين يتشنجون منها ويتحفظون من ذكرها، متخذين بذلك موقفًا سلبيًا.
إن موضوعًا كبيرًا كهذا ومشكلة عالمية مثل هذه، لا ينبغي للإسلاميين أن يتعاملوا معها بهذه البساطة وبهذا البرود، ومثل هذه القضايا لا تعالج بعبارات عاطفية... لا بد للإسلاميين أن يكونوا أصحاب مشروع متكامل لحل هذه المشاكل وأصحاب رؤى واضحة لهذه القضايا.
وهذا ما وفق فيه الاتحاد الإسلامي الكردستاني بشكل كبير، فاستطاع أن يدرس مشكلة القومية بشكل أعمق، واستطاع أن يفهم القضية من قلب الحدث - لأن الشعب الكردي يعاني مثل هذا الأمر - فقدم بذلك النموذج السليم للجماعة الإسلامية في تعاملها مع مشكلة القومية، والاتحاد الإسلامي يعد حزبًا رائدًا في هذا الميدان، وهو صاحب مواقف مشرفة إزاء مشاكل الأمة الكردية، فجل اهتمامه منصب على خدمة قومه الأكراد بدءًا بالعمل الإغاثي الخيري ومرورًا بتـعـريـف مظالم هذا الشعب الـعـالـم ووصولًا إلى قيامه بدوره المشرف في المصالحة بين الفصائل السياسية الكردية في كل الصراعات، تحقيقًا للاستقرار وأيضًا المشاركة في كل ما يسهم في تدعيم ركائز المجتمع المدني من الانتخابات والحوار والمشاركة الإيجابية... و.... كل هذا من غير أن يفقد شيئًا من إسلاميته، وذلك ليعطينا درسًا في التمازج بين القومية والإسلامية، إذا ما جُردت القومية من بعض النعرات.
تنامي الصحوة الإسلامية في أجواء الحرية والاستقرار:
بالرغم من أن الدعوة الإسلامية متأصلة في المجتمع الكردي منذ دخول دعوة الإخوان المسلمين إلى العراق على يد الشيخ محمود الصواف – يرحمه الله في أربعينيات القرن الماضي، وبالرغم من هذا العمق التاريخي الكبير للاتحاد الإسلامي، إلا أن السعة والانتشار اللذين شهدهما الحزب خلال السنوات الثماني الأخيرة يعادل أضعاف ما شهده خلال العقود التي سبقت الإعلان، وهذا يعود - في نظري - إلى هامش الحرية التي تتمتع بها كردستان خلال السنوات العشر الأخيرة... مما يبين لنا أهمية السعي لإيجاد الاستقرار والحرية، ولعل في هذا درسًا للجماعات التي تأخذ العنف طريقًا في حل الصراعات وتتخذ دومًا موقف المعارض الرافض للآخر، وليس موقف المعترف به والمشارك معه في حل الصراعات والخلافات عن طريق الحوار... ولأن تجد الجماعة لها منفذًا للعمل العلني في ظل هامش من الحرية مهما كان قليلًا خير لها من التمرد والانعزال والتقوقع.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل