; في ذكرى رحيل الشيخ الغزالي ليلة إسلامية في الأوبرا المصرية | مجلة المجتمع

العنوان في ذكرى رحيل الشيخ الغزالي ليلة إسلامية في الأوبرا المصرية

الكاتب مجاهد الصوابي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1338

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 16-فبراير-1999

  • وزير الأوقاف المصري: كان يؤمن بالإنسان.. حريته.. أمانته.. عقله.. وذلك هو مفتاحه الأساسي

في ذكرى رحيل العالم الإمام الجليل محمد الغزالي الذي مضى على غيابه عنا بجسده ثلاثة أعوام، وإن لم يفارقنا فكره وعلمه، ورؤيته الثاقبة لعلل أمتنا الإسلامية والعلاجات الناجعة التي وصفها لها، شهدت دار الأوبرا المصرية مؤخراً ولأوَّل مرة أمسية ثقافية إسلامية صاحبت لقاء الكاتب الإسلامي فهمي هويدي، الذي استضافته الدار ليتحدث عن الداعية الإسلامي الشيخ محمد الغزالي لمناقشة سيرته وأفكاره وقضاياه، ومن خلال قراءات أكثر ثانياً للمزيد من فكره الإسلامي. 

وذلك بحضور الدكتور محمود حمدي زقزوق - وزير الأوقاف المصري - وحشد ضخم من شباب وشيوخ ينتمون إلى الحركة الإسلامية التي عاش الغزالي فكرها منذ شبابه.

 وفي بداية حديثه ركز هويدي على علاقة الغزالي بالإخوان المسلمين منذ نعومة أظفاره، وتتلمذه على يد مؤسس الجماعة الإمام الشهيد حسن البنا - المرشد الأوَّل للإخوان.. وقد دوت في القاعة القذائف الغزالية التي استشهد بها هويدي، بما قاله الغزالي في أحد مؤلفاته، منتقداً الوضع الذي تعيشه أمتنا الإسلامية اليوم: لم تستذل شعوب كما استذلت الشعوب الإسلامية على أيدي حكامها وأعدائها ولم يستغل شيء كما استغل الدين حين أنطقوه؛ حيث يجب الصمت وأخرسوه في مواضع الصراخ، فيا. فيا ضحايا الكبت والحرمان والفاقة.. إن الشفاه التي تسكتكم يجب أن تقص، وأن تجتث، كما عرضت دار الأوبرا شريطاً للغزالي أكد فيه على المعاني نفسها؛ حيث كانت الجرأة في الحق ديدنه في أي مكان كان. 

ومضى هويدي قائلاً: إنه برحيله فقدت الأمة العربية والإسلامية شيخاً جليلاً وداعية عظيماً، وتراثاً كثيراً، وفراغاً كبيراً، فقد انشغل وال المسلمين والإسلام، وحارب من أجل باح حرية الإنسان وكرامته، وبسبب ذلك دخل في معارك فكرية كثيرة، وجاهد من أجل حقوق الفتاة والمرأة المسلمة وتعليمها، وقال قولته الشهيرة في ذلك: «امرأة ذات دين خير من ذي لحية كفور.

مشيراً إلى أنه كان دائماً يقول عن نفسه: إنني أحب المرح والبساطة والتواضع، وأحب أن اكون هاشاً باشاً، وكانت دموعه تسبق كلامه لأنه كان سريع البكاء، وطيب القلب، وهادي السريرة.

 وقال هويدي: إن العالم الجليل يُعَدُّ ركنًا مهماً في حياتنا الفكرية والثقافية الإسلامية والمنارة التي نسير عليها، وكانت له شخصيته المركبة والمختلفة المشاعر، فهو الذي كتب ديوان الشعري وهو ما زال في المعهد الديني، ولكن توقف عنه للتفرغ للرسالة الكبرى في حيات كداعية من الطراز النادر، مكنته من امتلاك العلم وتبسيطه في لغة سهلة، والوصول به إلى قلوب الناس، فكان السهل الممتنع، ولم يكن شاعراً وداعية فقط. بل كان مجتهداً ومتمرداً ومشاغباً، ومتصوفاً، وفناناً، وذواقة، وكان المتواضع البسيط العارف بحياة الناس، والعالم الذي يعيش فيه، وكان يعيش بينهم في همومهم وأحزانهم، ويعرف الفرق بين القراءة والفتوى والحكم الشرعي.

 وكان يمتلك عقلاً كبيراً، وقلباً أكبر لاحتواء الناس جميعاً، فكان المبصر لعصره، والمتطلع لآخرته ببصيرة نادرة، وبرغم كل ذلك كان رجلاً شديد الثورة في الحق ينافح عن الإسلام والمسلمين، فبعد أن اعتقل في سجن الطور عام ١٩٤٨م مع الإخوان المسلمين عاملته إدارة السجن معاملة سيئة، وإذا بالشيخ الغزالي ينفجر ويقود مظاهرة، ويهتف بسقوط إدارة السجن وتحول فجأة إلى أسد ثائر، وهذا هو شأنه دائماً، فمرة تراه سريع الغضب والانفعال، ومرة تراه صافي القلب حلو الكلام، رقيق المشاعر يبكي دائماً، متواضعاً، كيساً فطناً. 

بالإضافة إلى ذلك فإنه كان أوَّل من اهتم باقتصاد الأمة، وليس بدينها فقط، وألف عام ١٩٤٧م كتابه: الإسلام وأوضاعنا الاقتصادية وكان أوَّل كتاب يتحدث عن المشاكل الاقتصادية التي تواجهها الأمة العربية والإسلامية لرجل معمم فكان بحق عالماً فريداً، وكانت قضايا وهموم بلده هي شغله الشاغل، وكان ينحاز إلى كل ما يحسبه أنه حق فأحب الحق ورفض الباطل، وحاربه طيلة حياته، كما انعكس ذلك في أكثر كتب الإمام.

وأوضح هويدي أن الدكتور يوسف القرضاوي كان يقرأ للإمام الغزالي في مجلة الإخوان المسلمون كثيراً دون أن يراه، واعتقد أنه كاتب ومفكر سياسي مطربش، ولم يكن يعتقد أنه أزهري معمم، إلى أن كتب الغزالي عام ١٩٤٨م في نهاية خطابه الواعظ الديني» فاعتقد القرضاوي أنه لقب العائلة للإمام، ولم يصدق ذلك إلا عندما قابل الإمام وسأله بنفسه.

كانت معاركه الأولى هي الدفاع عن الإسلام ضد الاشتراكية والاستبداد السياسي، وكتاباته الأولى كانت في قضايا العدل وحقوق الناس والمجتمع، وتعميق علوم الدين والعقيدة، والأخلاق، وتجديد الحياة الإسلامية، وإيقاظ الشعور الإسلامي العميق.

وحول اختلافه مع الآخرين قال هويدي: إن الشيخ الغزالي قد اختلف مع المرشد العام للإخوان المسلمين المستشار حسن الهضيبي وهاجمه كثيراً، ولم يرد عليه الهضيبي، وحينما التقاه الشيخ الغزالي في جنازة زوجة الإمام الشهيد حسن البنا - المرشد الأوَّل للإخوان المسلمين - اعتذر له وأراد أن يقبل يده فرفض الهضيبي، وتقبل اعتذاره، وقال الغزالي بعد ذلك في مؤتمر دولي أمام الجميع أنا راجعت نفسي في موضوع أزياء النساء، وأعترف بأنني أثرت مشكلة فرعية، ولم أكتب في المشكلة الأساسية.. فكان رجلاً يصحح نفسه ويتمتع بتواضع العلماء في الرجوع إلى الحق، والاعتراف بالخطأ؛ حيث كرر السلوك نفسه مع الدكتور محمد عمارة في موقف آخر مشابه أخطأ فيه، واعتذر له بشجاعة.

ترشيد الصحوة

وأشار هويدي إلى أن آخر كتابات الغزالي كانت مخصصة المراجعة وترشيد الصحوة الإسلامية، ومحاربة الغلو في الدين والشذوذ الذي طرأ على الحياة الفكرية الإسلامية، وكان يقول في ذلك: نحن أمة خابت في فهم أمور الدين والدنيا، وأهملنا الكثير من قضايانا، كما نادى بحقوق الإنسان وكرامته، وبتطبيق الشورى في الحكم لأنها أساس الحكم الذي جاء به الإسلام، وعلى كل شعب أن يختار بالشورى من يحكمه.

وقال هويدي: إن الرجل كان يقدر الإمام الشيخ حسن البناء واعترف بأنه تأثر به تأثراً كبيراً في تكوينه الإسلامي والفكري في صباه، وهذه حقيقة، فالمؤثر الأكبر على حياة الغزالي كان الشيخ حسن البنا، ومن حب الرجل للإمام البنا قام بشرح الأصول العشرين التي وضعها الشيخ حسن البنا لجماعة الإخوان المسلمين في كتاب بعنوان: «دستور الوحدة الثقافية»، وركز فيه على أن النساء شقائق الرجال، وأن طلب العلم فريضة، وعلى الحرية والشورى، وأن الحكام أجراء لدى الشعوب، وغيرها من القضايا الحيوية في ضوء الأصول العشرين.

كما أوضح أن الشيخ الغزالي كان من أشد المهتمين بالتقريب بين السنة والشيعة، ونادى بالالتقاء على المشترك بيننا وبينهم، ووضع الملامح لإمكان التعايش والتعاون المشترك.

وقال عنه الدكتور محمود زقزوق - وزير الأوقاف -: إن الفراغ الذي تركه الإمام الغزالي كبير جِدًّا، وخسرت الأمة كثيراً بموته، وكان إمامنا الراحل يؤمن بالإنسان حريته، وأمانته وعقله وتفكيره، ويريد له أن يكون حراً، ويكره الظلم بدرجة شديدة، وهذا هو مفتاحه الأساسي، ولسوف يذكره التاريخ والأجيال القادمة، وسيعيش في وجدان الناس أكثر وأكثر، وسيظل شامخاً في عيونهم لأن الصورة العظيمة كلما بعدت زادت قيمة وعظمة وشموخاً وقوة، ومن أجل خدمة الإسلام والأمة الإسلامية، وإحياء العلوم الدينية، ودخل بسبب ذلك في معارك كثيرة، كما كانت تشغله أمور الأمة الإسلامية وما وصلت إليه من تخلف وجهل، وكيفية الخروج من هذا المأزق، وكان يتألم كثيراً لانشغال أبناء المسلمين في توافه الأمور.

وقد تحدث في الأمسية بعض من عاصروا الغزالي من جيله، مثل: الدكتور محمد فريد عبد الخالق، والشيخ الراوي، وآخرون.

الرابط المختصر :