العنوان أبناء المسلمين في مجتمعات الهجرة.. مخاطر الواقع وهموم المستقبل
الكاتب الازهر عيساوي
تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
مشاهدات 65
نشر في العدد 1223
نشر في الصفحة 60
الثلاثاء 29-أكتوبر-1996
- المسلمون في المهجر مطالبون بالعمل الهادئ من أجل تنشئة أجيال إسلامية متوازنة بعيدًا عن الانغلاق على النفس أو الذوبان في الآخر
إن دراستنا لواقع وآفاق المدارس وباقي المؤسسات الإسلامية بالمهجر «سواء كان ذلك في كندا أو في أمريكا أو في أوروبا» يمر ضرورة بدراسة المحيط الاجتماعي، الذي تنشأ فيه هذه المؤسسات؛ لأن الواقع ذاته هو الذي فرض علينا تسمية «مدرسة إسلامية أو مركز إسلامي، أو ناد إسلامي...»، فرضها علينا من جهة طبيعته غير الإسلامية، وإن هذه الصفة التي نضفيها على مؤسساتنا تؤكد أن لهذه المؤسسات التي نبنيها سمات خاصة بها، وشخصية تميزها عما يحيط بها، وكذلك لها طموحات وأهداف تريد تحقيقها ولا تشترك فيها مع باقي مكونات المحيط الاجتماعي، الذي تنشأ فيه.
وإن حديثنا عن المدارس الإسلامية - بصفة خاصة وعلاقتها بالمحيط هو بالضرورة حديث عن أوضاع الناشئة المسلمة في بلاد الغربة، أي الأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والخامسة عشرة.
ملامح المحيط الاجتماعي:
إن ما نقصده بالمحيط الاجتماعي هو نسيج المؤسسات وشبكة العلاقات ونظام القيم، الذي يؤطر حركة الناس داخل المجتمع، هو ما يؤطر واقعنا المعيش، ويتحكم في حركتنا وسلوكنا، ويصوغ فهمنا للعالم والإنسان: أي هو ما ينحت فعلنا، ويثقف سلوكنا حسب معاييره ونظمه الرمزية.
لقد أنتج المجتمع الغربي نظامه القيمي ضمن صيرورة تاريخية حكمها الصراع بين الديني، الذي تحكم في رقاب الناس باسم المطلق، وبين التاريخي، الذي جعل صراعه مع الديني صراعًا من أجل التحرر من الأساطير والأوهام، من أجل الانتصار للحرية والعقل والتنور، أي صراع من أجل نظام حياة أرضي يصوغه الناس بأنفسهم دون الارتهان إلى رجال الكنيسة، الذين صاغوا فهمًا للدين يحافظ على سلطانهم الأدبي والمالي في المجتمع على حساب عامة الناس.
ورغم أن الظلم كان جليًّا وحسم الصراع، وإن كان في الأخير لغير صالح الكنيسة فإن التضحيات كانت جسيمة، إن انتصار مشروع الحداثة كان له عظيم الأثر على حياة المجتمعات الغربية بقدر متفاوت؛ حيث أنزل نظام القيم من السماء إلى الأرض «كما يحلو للبعض أن يسمي هذا الانقلاب»، وهذا ما سنلخصه فيما يلي:
1 – اللائكية: بحسم صراع الهوية لصالح أنصار الحداثة، استقر رأي النخب القيادية في المجتمعات الغربية، سواء في الفكر أو في السياسة على الخيار اللائكي، الذي يفيد الفصل بين الدين والدولة أو بالأحرى بين الدين، الذي اعتبر مسألة شخصية، وتنظيم الحياة الاجتماعية، وما تتطلبه من التواضع على قواعد لسياسة المجتمع، فأصبحت بذلك المجتمعات والدول لا دينية، ولا تحمي أي دين ولا تعترف بشرعية إله على الأرض.
۲ - مركزية الإنسان في بعده الفيزيقي: إن لائكية الدولة والمجتمع تفترض التخلص من نظام للقيم لصالح نظام آخر قوامه أن الإنسان هو الغاية القصوى ونهاية أي فعل، إلا أن الإنسان فهم في بعده الفيزيقي الموضوعي فحسب، لذلك كانت الغاية المثلى هي إسعاد هذا الإنسان، أو بالأحرى الجانب المحسوس منه، كانت أولى الخطوات في هذا الاتجاه هي تعليم الطفل منذ صغره ألا سلطان لأحد عليه حتى ولو تعلق الأمر بوالديه.
3 - الإنسان هو سيد نفسه، والمتصرف في قدره: إن أول ما أصبح يلقن للطفل منذ سن الحضانة أن جسده ملك له وحده، وهو يتصرف فيه كما يشاء، هذه القيمة تتبعها إجراءات قانونية يتعلمها الطفل في أول لحظات التعلم من مثل «استعن بهذه الجهة أو تلك إذا اعتدى عليك أي كان بما في ذلك والداك».
4 - انهيار مؤسسة العائلة: إن ضرب الأساس الديني للمجتمع نسف معه كل المؤسسات التقليدية، ففي بدايات هذا القرن كانت مؤسسة العائلة مكونًا أساسيًّا من مكونات المجتمع، وقد كانت نسبة الولادات مرتفعة؛ حيث يذكر بعض الرواة المؤرخين أن عدد أفراد العائلة كان يزيد عن العشرة - مع أنهم يقرنون هذه الحالة بالفقر والمرض - وبتدمير العائلة تفككت الروابط الأسرية، وضعفت علاقات القرابة بما فيها علاقات الأبوة والبنوة والأخوة.
في نفس الإطار ضربت مؤسسة الزواج؛ حيث أصبح من مقتضيات الحداثة أن تنتقل المرأة بين العديد من الرجال في وقت قصير، وكذلك الرجل، والأبناء عليهم أن يتحملوا مسؤولية حياتهم الخاصة في سن مبكرة من أعمارهم.
5 - الفردانية Individualisme کأساس للحياة الاجتماعية: إن غياب العائلة كمؤسسة للتعاون والتكافل والتخطيط لمستقبل مشترك هو تعبير صارخ على حالة الفردانية، التي أصبحت تسود المجتمعات الغربية كأهم سمة للنظام الرأسمالي؛ إذ أصبح الفرد مؤسسة قائمة بذاتها، الأب والأم والأبناء - إن وجدوا - كل يخطط لحياته بمفرده وفق ما تقتضيه مصلحته الخاصة، وبذلك بدل أن يكون التعاون والتكافل حالة معيشة في المجتمع أصبح مهمة تقوم عليها الدولة من خلال أجهزتها الإدارية المباشرة أو الجمعيات المخصصة للغرض.
6 - الإشباع فضيلة العصر: لقد أصبح الاستهلاك قيمة أساسية من قيم النظام الاجتماعي الرأسمالي انسجامًا مع اعتبار الإنسان مجرد بُعد مادي، أي جسد له حاجات لا بد من تلبيتها، وغرائز لا بد من إشباعها، حتى أصبح الإشباع فضيلة قصوى تُسخر له كل السبل، فأصبح كل شيء يُباع في الأسواق بما في ذلك عرض الإنسان وكرامته، وهو ما نلاحظه في الإشهارات الخليعة، التي تمتهن جسد الإنسان، ونلمسه أيضًا في صناعة الدعارة والإتجار بالأطفال، التي أصبحت منتشرة على نطاق واسع في المجتمعات الغربية.
7 - الحرية المطلقة: إن النهم في الإشباع تقف وراءه قيمة في أصلها جميلة وأساسية في حياة البشر، لكنها للأسف الشديد وظفت بشكل سيئ ألا وهي قيمة الحرية، فوراء كل القيم التي ذكرناها سابقًا اعتقاد في معنى مطلق لحرية الإنسان يعبر عنها بـ: «نحن في مجتمع حر» أو «في دولة حرة» حرية رفع لواءها فلاسفة كبار «كما هو الحال مع روبار نوزيك الفيلسوف الأمريكي المعاصر»، واستهوت عموم الناس الذين اعتقدوا أنه بإمكانهم أن يتصرفوا في حياتهم الخاصة على اعتبار أنها تعنيهم وحدهم دون أي شعور بقيمة الحياة الاجتماعية، وما تفرضه من تعاون وأمن وسلامة صحية للجميع.
إذا كانت هذه سمات المجتمعات التي نعيش فيها: مجتمعات لائكية لا تعطي أهمية كبرى للقيم الدينية، وتجعل من الإنسان ذا بُعد واحد، جسد له غرائز لا بد من إشباعها بحرية مطلقة بعيدًا عن كل الروابط التقليدية، التي تعيق الاستهلاك، فلا يبقى لنا مجال للاستغراب من العديد من الظواهر كخروج الأولاد من بيت والديهم في سن مبكرة، أو إقبالهم على التدخين والمخدرات أو الإتجار بالأطفال أو عصابات القتل والخطف ومختلف أنواع الانحرافات والجرائم، كل هذه الظواهر تصبح مشاهد عادية في حياة الناس ومكونًا أساسيًّا للمحيط الاجتماعي.
المسلمون والمحيط الاجتماعي:
بعد هذا التشريح البسيط لملامح المجتمعات، التي نعيش فيها، أجدر بنا نحن المسلمين أن نعي جيدًا تضاريس الأرض، التي نقف عليها حتى نحسن التعامل معها، فإذا كان الأمر هينًا بالنسبة للكبار منا، ربما لأننا اكتسبنا المناعة الذاتية ضد العديد من الأمراض، إضافة لقدرتنا على تمييز الخبيث من الطيب، فإن أطفالنا نضعهم في واد غير ذي زرع، بل قُل في واد زرعه فاسد، وهو ما يقتضي منا التحرك الإيجابي والناجع قبل فوات الأوان.
إن حديثنا عن وضع المسلمين هو إذن حديث عن الناشئة، الذين تتراوح أعمارهم بين الرابعة والخامسة عشرة، وهي مرحلة تبدأ مع الحضانة، وتمر بالابتدائي ثم الثانوي، فيها تتشكل شخصية الطفل وتُبنى منظومته القيمية اعتمادًا على ما يتلقاه سواء في البيت أو في الحضانة أو في المدرسة دون بصيرة ناقدة؛ لذلك نجد النظام التربوي في المجتمعات يخطط لهذه المرحلة تخطيطًا محكمًا، فيركز على تعليم الأطفال كل المواد التي تتطلب الحفظ، كاللغات والعديد من القيم والمبادئ التي يراها المجتمع ضرورية لاستمراره؛ لأن قدرة الطفل على الاستيعاب كبيرة في هذه المرحلة، وذاكرته بكر، ولما يصل هذا الأخير سن البلوغ يصبح أكثر حيوية، ويشعر بحاجة أكثر للفعل المستقل، ويجنح فيها للتمرد على محيطه، وكل ما حوله من قيود اجتماعية انطلاقًا مما تلقاه في طفولته.
نستطيع أن نُسلم بأننا نتحدث عن أخطر شريحة إسلامية، وخطورتها تكمن في أنهم أبناؤنا وفلذات أكبادنا، نحن كعائلات أو آباء وأمهات تنتظر منهم الكثير، وهم الذين قال فيهم الله – تعالى -: ﴿ الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ (الكهف: ٤٦).
ثم ما ورد في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم -: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث، منهم: ولد صالح يدعو له»، ثم خطورتهم تكمن أيضًا في أننا نحن كأمة ننتظر منهم الكثير، أمة تعتبر نفسها التحدي الحقيقي الوحيد للباطل، أمة لم تخضع للغرب؛ خضوعًا كاملًا حتى في أضعف مراحلها، أمة عرفت العديد من الهجرات، وحتى لا تكون هجرتنا نحن - لا سمح الله - كهجرة الذين سبقونا في الستينيات والسبعينيات سواء من العمال البسطاء ذوي الثقافة الدينية المحدودة أو من العلمانيين الذين وجدوا في الغرب ضالتهم فنهلوا من قيمه وأفكاره، وتطبعوا بعاداته وتقاليده حتى صاغ منهم نخبًا تدين له بالولاء لا لأمتها ودينها وقيمها الحضارية السامية، وهم الآن يحكمون بلداننا لا بمتقضيات دينها ومصالحها الوطنية، وإنما بما يمليه عليهم أسيادهم، فالخوف كل الخوف أن يكون أبناؤنا نحن في هجرة التسعينيات هم الذين يعدون لنفس ذلك الدور الخبيث، وهم بين أيدينا وعلى أعيننا دون أن نفعل شيئًا مما يمليه علينا واجبنا الشرعي والحضاري.
ما العمل؟
إن الخيارات أمامنا ليست كثيرة، فإما انصهار وذوبان المستسلم المنهزم، والنتيجة تخریج نخبة مشوهة تواصل مهمة إلحاق الأمة بأعدائها، وإما انزواء وعزلة العاجز عن التفاعل مع واقعه ومع غيره، وما سيترتب على ذلك من تخريج جيل على هامش حركة المجتمع غير قادر على الفعل، وهو ما يهدد أبناءنا بالغلو في أمور الدنيا والدين، وإما فعل الواعي بمسؤوليته المتوكل على الله والمستعين به في العمل الهادئ من أجل تنشئة أجيال إسلامية متوازنة ومعتدلة سليمة من الانغلاق على النفس، ومن الذوبان في الآخر في نفس الوقت، متمسكة بدينها وقيمها الحضارية من جهة، ومنخرطة في واقعها ومؤثرة في حركة المجتمع الذي تعيش فيه مضطلعة بأعباء الشهادة: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (البقرة: ١٤٣).
إن هذه المهمة الجليلة لا يمكن أن تضطلع بها العائلة ولا المدرسة الإسلامية فحسب، وإنما هي مهمة تتطلب بناء نسيج متكامل من العلاقات والمؤسسات الإسلامية، ولذلك فواجب علينا أن نبدأ بالأيسر فالأيسر حتى نصل في الأخير إلى إنتاج فضاء يحتكم إلى مبادئ الإسلام وقيمه حتى ولو كان على مستوى ضيق كالأحياء والعمارات الإسلامية، لم لا نصل في مرحلة قادمة إلى تأسيس الحي الإسلامي في مونتريال أو تورنتو، أو باريس، أو لندن، أو واشنطن، وغيرها من العواصم الكبرى؟، الحي الإسلامي الذي توجد فيه المدرسة والمتجر والطبيب والمتنزه وباقي المرافق الضرورية في مناخ إسلامي؛ لنكون قدوة لغيرنا في الأمن والنظافة واحترام الجار والتعاون، فهل الصينيون، أو الإيطاليون أو السود الأمريكيون أفضل منا؟، أم لهم من الإمكانات أكثر منا؟، سيقول قائل: إن هذا يكرس العزلة، ويثير ضدنا الأعداء فيرموننا بالتطرف وعدم القدرة على الاندماج، والجواب هو ليس بعد الذي نحن فيه من خوف، فإذا لم نحقق أهدافنا فلن نخسر شيئًا كنا نملكه.
لذلك لا بد من العمل على تأسيس مساجد ومدارس ونواد ومحاضن إسلامية عديدة تتنافس على فعل الخير مصداقًا لقول الله – تعالى -: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ (المطففين: ٢٦)
وليس تنافسًا على جمع الأنصار والحرفاء، وتكون العلاقة بينها علاقة تعاون على البر والتقوى، علاقة تعاون على خدمة الله كأربح تجارة ألا وهي تجارة الآخرة؛ إذ إن هذا النوع من المشاريع لا يمثل تجارة دنيوية رابحة، فالتجارب الموجودة إلى الآن معظمها يشكو مشاكل مالية حادة.
وفي اعتقادي إن الوقت لا يزال مناسبًا؛ لكي نختار طريقنا، ونرشد حركتنا من أجل مستقبل أفضل للوجود الإسلامي، ومن أجل أن يصبح الإسلام مكونًا أساسيًّا في المنظومة القيمية الغربية المعاصرة.