; وقفة حول موضوع السودان الشقيق إلى أين؟ | مجلة المجتمع

العنوان وقفة حول موضوع السودان الشقيق إلى أين؟

الكاتب أحد القراء

تاريخ النشر الثلاثاء 04-مايو-1976

مشاهدات 52

نشر في العدد 298

نشر في الصفحة 44

الثلاثاء 04-مايو-1976

بقلم: الصادق آدم

نشرت جريدة المجتمع الغراء- في عددها رقم ٢٩٧ الصادر بتاريخ ٢٧ ابريل ١٩٧٦ م- موضوعًا تحت عنوان «السودان الشقيق إلى أين؟» وقد حاول الكاتب في هذا الموضوع أن يرسم- حسب زعمه- صورة عامة للموقف الإسلامي في السودان وفي رأيي أن الكاتب قد جانبه التوفيق في كثير من النقاط التي تعرض لها، فجاءت الصورة التي رسمها مشوهة وبعيدة عن الواقع، ويبدو أنه قد انطلق في تحليله للموقف من مفاهيم وأفكار سياسية معينة حجبت عنه تلك الصورة المشرقة للإسلام في السودان، وجعلته ينظر فلا يكاد يرى إلا جحافل الوثنية والنصرانية تحيط بالإسلام هناك من كل جانب وتحاول أن تقضي عليه.

يقول الكاتب بدون مقدمات «إن الثقافة الإسلامية في السودان ليست عميقة الجذور، ويقوم إسلام السودانيين على العاطفة والفطرة والعرف المتوارث، وذلك لأنه لم تقم في السودان مراكز علمية مثل الأزهر والزيتونة ودمشق وبغداد وفاس.. إلخ». 

ولست أدري هل تستطيع أن تقول- انطلاقًا من هذا المنطلق- أن الثقافة الإسلامية في الكويت مثلًا ضحلة وسطحية ولا جذور لها، لأن الكويت لم تشهد مراكز علمية مثل الأزهر والزيتونة إلخ، وبالتالي فهل تستطيع أن تدعي بأن المسلمين في مصر ودمشق وبغداد هم الآن أشد استمساكًا بتعاليم الدين من سائر إخوانهم المسلمين في البلاد العربية الأخرى؟ وذلك لقيام هذه المراكز العلمية فيها!! 

إن أي إنسان عاقل لا يستطيع أن ينكر دور هذه المؤسسات العلمية في نشر الدين والثقافة الإسلامية في العالمين: العربي والاسلامي، ولكننا أيضًا لا نستطيع أن نقول: أن البلاد التي لم تقم فيها هذه المراكز العلمية لا حظ لها في هذه الثقافة الإسلامية.

إن السودانيين منذ فجر إسلامهم عكفوا على دراسة هذا الدين الحنيف، وفهم أحكامه، وقد ساعدهم في ذلك رواد الإسلام الأوائل الذين أخذوا يجولون أنحاء السودان، تارة من مصر، وأخرى من بلاد المغرب، وأحيانًا من الحجاز وبلاد الرافدين وكانوا يلقون كل إجلال وإكبار من الملوك والسلاطين، مما مهد لهم الطريق لنشر الدين والثقافة الإسلامية على أوسع نطاق.

ويحدثنا التاريخ بأن ثلاثة القرون الأولى من حكم «الفرنج» شهدت هجرة واسعة النطاق من علماء المسلمين إلى جهات السودان المختلفة، وأنشئت المساجد، ومدارس العلم والقرآن وقد تخرج على أيدي هؤلاء الرواد عدد عظيم من أبناء السودان في العلوم الشرعية والصوفية، كما أن عددًا آخر شد الرحال إلى الأزهر الشريف منهل العلوم الإسلامية، والتعرف على العلماء المشهورين، ومنهم من نوى الحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة قبر المصطفى- صلى الله عليه وسلم- وبقي هناك سنوات طويلة يأخذ من علماء الحرمين. ومن هؤلاء وأولئك وصلت الثقافة الإسلامية إلى جذور عميقة وراسخة.

ولست هنا في مجال يسمح لي بأن أعطي صورة مفصلة لتاريخ الثقافة الإسلامية في السودان، ولكني أود أن أشير فقط إلى الثورة المهدية- وهي حديثة العهد نسبيًّا، وربما قرأ عنها بعض إخواننا في الوطن العربي- أقول: أن قائد هذه الثورة كان رجلًا دينيًّا مثقفًا ثقافة إسلامية واسعة، وهب نفسه لنصرة هذا الدين وتعاليمه، وكان السودانيون على اختلاف طوائفهم يرون أن الدين لم يعد في صفائه ونقائه، وكانت نفوسهم تتوق شوقًا إلى أيام الإسلام الأولى، وكان محمد أحمد المهدي يهدف أساسًا إلى جعل الدين الإسلامي هو المتمكن في الأرض، ولا يتأتى ذلك إذا كانت الحدود والشرائع معطلة، ومن هنا فقد دعا إلى إقامة حكومة إسلامية تشمل جميع أقطار المسلمين، دستورها القرآن الكريم، وقانونها الشرع، ومن أجل تحقيق ذلك طلب من المسلمين في شتى أقطارهم الإسلامية أن يبايعوه، ويقفوا معه لتحقيق هذا الهدف ولكن موقف الحكومات العربية آنذاك من الثورة المهدية كانت معروفة، بل إن بعض تلك الحكومات تعاونت مع الكفار الضرب هذه الثورة المهدية والقضاء عليها.

ثم يستطرد كاتبنا الكريم فيقول «هناك قطاعات وثنية كبيرة في الجنوب والشرق والغرب الأوسط أثرت في ثقافة المجتمع الإسلامي مثل ما تأثرت به».

وقبل أن نرد على هذا الزيف، نود أن نشير إلى أن السودان قد قسم إداريًّا إبان الحكم الاستعماري البغيض إلى إقليمين هما: الإقليم الشمالي، والإقليم الجنوبي، استنادًا إلى زعمهم أن الإقليم الأول عربي مسلم، وأن الثاني زنجي وثني، وللأسف ظل هذا التقسيم موجودًا إلى يومنا هذا، ويبلغ تعداد سكان شمال السودان- على وجه التقريب- حوالي ثلاثة عشر مليونًا، وأستطيع أن أقول بكل اعتزاز وفخر أنهم جميعًا مسلمون، ولا يوجد بينهم وثني أو أو مسيحي واحد تنتمي أصوله وجذوره إلى هذا الإقليم، وذلك إذا استثنينا من الأقباط والشوام، وبعض الجاليات الأوروبية والهندية التي وفدت إلى السودان إبان الحكم الإنجليزي بأعداد كبيرة طلبًا للعمل في المجال التجاري أو الإداري، واستوطنوا هناك زمنًا طويلًا فصار بعضهم سودانيين بالتجنس.

وإذا كان هذا الإقليم الشمالي لا يوجد في شرقه ولا في غربه، ولا في شماله ووسطه وثني واحد، فمن أين أتى كاتبنا بهذه القطاعات الوثنية الكبيرة التي أثرت في ثقافة المجتمع الإسلامي هناك!!؟ 

ومما لا شك فيه أن كاتبنا يعلم حق العلم أن الوثنية والمسيحية تنحصران في إقليم واحد فقط من أقاليم السودان، وهو الإقليم الجنوبي، وذلك لظروف تاريخية وسياسية معينة، فالإنجليز منذ احتلالهم للسودان قد قاموا بقفل هذا الإقليم في وجه مسلمي الشمال، وقد أعلن اللورد كرومر «أن الهدف من سياسته بالسودان هو منع اتصال شمال السودان المسلم، بمسلمي شرق أفريقيا السواحليين والصوماليين حتى لا تصير الحبشة جزيرة مسيحية مضطهدة» ولذا فقد كان هذا الإقليم مسرحًا للنشاط الكنسي منذ أمد بعيد تساندها وتدعمها السلطة الاستعمارية آنذاك ماديًّا وأدبيًّا، واستطاعت الكنيسة بهذه الإمكانيات، وعن طريق المخططات المدروسة أن تدخل أعدادًا كبيرة من أبناء الإقليم في حظيرة المسيحية، ورغم هذه الظروف، فلم يقف المسلمون في الشمال مكتوفي الأيدي بل عملوا على إدخال الإسلام في هذا الإقليم عن طريق الجمعيات التبشيرية الإسلامية وبعض التجار والعلماء، وأنهم- رغم إمكانياتهم المحدودة- لا يزالون يعملون على جعل السيادة للإسلام وحده في هذا الإقليم مهما كانت الظروف والعقبات.

بقي أن نقول: إننا يجب أن نتحرى الصدق والدقة في نقل الأخبار وتبادل المعلومات، لا سيما إذا كانت تلك المعلومات تتعلق بتاريخ شعب بأكمله، وتمس أقدس مقدساته- هدانا الله وإياكم إلى ما فيه خير الإسلام والمسلمين.

والسلام عليكم ورحمة الله.

تعقیب

نشكر للأستاذ الفاضل غيرته الصادقة على الإسلام والمسلمين في السودان الشقيق. وليسمح لنا ببعض الملاحظات التي نرجو أن تقرب من وجهات النظر:

• لم يقل كاتب المقال بأن السودانيين ليسوا متمسكين بالإسلام، فسطور المقال كلها تؤكد حبهم وتمسكهم لدينهم ولكنه قال بأن تمسكهم بالإسلام يعود إلى الفطرة السليمة والعاطفة الصادقة تجاه الإسلام والعرف الذي توارثته أجيالهم عن بعضها وليس في هذا أي تجريح إن لم يكن بالعكس أما قلة الوعي العلمي بالدين فقد عزاه الكاتب إلى حقيقة تاريخية اعترف بها المؤلف وهو أن السودان لم يكن مركزًا علميًّا تاريخيًّا كفاس والقيروان والقاهرة.. وغيرها. ولا يعني هذا بأي حال أن الناس في تلك البلاد أكثر تمسكًا بالإسلام من السودانيين- كما تساءل الأخ- فالعلم بأحكام الدين شيء والتمسك به شيء آخر.. وكثير من الأعاجم الذي لا يفهمون القرآن أشد تمسكًا من كثير من العرب مثلًا.

• أما عن وجود وثنيات في الشمال السوداني.. فلا يعتقد كاتب المقال بأن ذلك- نوع من الزيف- فمع اعتزازنا جميعًا بأن يكون شمال السودان مسلمًا وأملنا في أن يكون الجنوب كذلك.. لا يمكننا إنكار الحقائق التالية:

١- أن قبائل الأنقسنا في الشرق- وبالتحديد في منطقة جنوب النيل الأزرق المتاخمة للحدود الشرقية -... هي قبائل وثنية بصفة خاصة وهي تتعرض حاليًا لعملية تنصير واسعة النطاق.. كما أن التبشير الإسلامي غاب عنها تمامًا.

۲- أن منطقة جبال النوبة في الغرب الأوسط باستثناء المناطق الشرقية والشمالية هي قبائل وثنية تمامًا.. في غربها وجنوبها وعمليات التبشير النصراني موجودة في كل جبل من جبالها بل إن شمال جبال النوبة والذي نعتبره مسلمًا غزته الإرساليات النصرانية وتمكنت من تنصير أعداد كبيرة من أبناء المسلمين فيه- على رأسهم الأب فيليب غيوش زعيم اتحاد الجبال.. والذي فاز على منافسه الزعيم الإسلامي المعروف حسين خرطوم في الانتخابات النيابية..

ومنهم أيضًا فيليب رمضان النائب السابق وأحد قادة اتحاد أبناء جبال النوبة. وهؤلاء من أبناء المسلمين.. فأين الزيف في ذلك؟ هذا بغض النظر عن قبائل أخرى في أقصى الغرب لم يشر إليها كاتب المقال مثل- الفلاته أم بررو- أما الجنوب فقد اتفق معي الأستاذ الفاضل بأنه غير مسلم- وثني في الغالبية ويوجد مسلمون ومسيحيون- وللمعلومية فإن غالبية الجنوبيين موجودة الآن في الشمال وللأسف فإن معظم هذه الغالبية تم تنصيرها في الشمال المسلم..

• وكنت أتمنى لو عرفنا رأي الأستاذ الفاضل في المقالة كلها.. لأن تركيزه انحصر في الفقرة الأولى فقط والتي أوردها كاتب المقال كمقدمة وخلفية لواقع الحال في السودان- إن الغيرة على الإسلام وعلى السودان هي وحدها الدافع لكتابة تلك المقالة وقد قصد كاتبها أن يلفت النظر إلى الأخطار التي يواجهها الإسلام والمسلمون في السودان وأن يشحذ الغيرة في الآخرين حتى يدركوا مسؤولياتهم تجاه الإسلام وإخوانهم المسلمين في القطر الشقيق ولم يكن الهدف هو الافتراء على أحد، وإذا كان في ذلك عزاء للأستاذ الفاضل فإن كاتب المقال أخ من السودان أولًا، ومن الذين نذروا أنفسهم لقضية الإسلام والمسلمين في السودان.. ومن المؤمنين بارتباط السودانيين بالإسلام ارتباطًا مصيريًّا بدليل أنه يعكف على دراسة تاريخية حاليًا؛ موضوعها أن جميع المجتمعات السياسية السودانية قبل الاستعمار الإنجليزي كانت مجتمعات تحكمها حكومات إسلامية تطبق شريعة الإسلام.. أي أن تاريخ السودان قبل مجيء الاستعمار هو تاريخ إسلامي لكن هذه الحقيقة الجميلة يجب ألا تلهينا عما يدور حاليًا في السودان من حرب معلنة وخفية تهدف إلى التنصير والتجهيل والإفساد ونرجو أن تتوجه عاطفة الغيورين من أمثال الأستاذ الفاضل لمواجهة هذا الخطر.

ونحن سعداء باهتمامه وبالفرصة التي أتاحها لدراسة قضايا الإسلام والمسلمين وتعريف الناس بالسودان الشقيق- ونأمل أن يتصل هذا الحوار المفيد- وجزاه الله خيرًا -

المحرر

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 4

119

الثلاثاء 07-أبريل-1970

أحداث السودان

نشر في العدد 8

89

الثلاثاء 05-مايو-1970

صحافة - العدد 8