; الإرهاب ومستقبل إندونيسيا | مجلة المجتمع

العنوان الإرهاب ومستقبل إندونيسيا

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر السبت 01-يونيو-2002

مشاهدات 64

نشر في العدد 1503

نشر في الصفحة 44

السبت 01-يونيو-2002

بقلم الجنرال ز.آ. مولاني (*)

إرهاب الدولة واضح في فلسطين.. كشمير.. أفغانستان وغيرها.

أمريكا تمارس سياسة مزدوجة مع المسلمين بعد أن أصبحت قوة وحيدة في العالم!

رغم مرور 56 عامًا على الاستقلال ما زالت إندونيسيا الغنية بثرواتها عاجزة عن تحقيق أسمى أماني شعبها.. لماذا؟

بعد أسبوعين فقط من حادثة ۱۱ سبتمبر، عقدت الأمم المتحدة مباحثات حول مكافحة الإرهاب، وكانت أول خطوة لها محاولة التوصل إلى إطفاق لتعريف الإرهاب، انتهت المناقشات دون التوصل إلى نتيجة، فمن يعتبرهم الغرب مجرمين يعتبرهم آخرون مقاومين من أجل الدفاع عن حقوقهم الإنسانية، اقترح العالم الثالث على وجه الخصوص على الأمم المتحدة بدء مباحثات حول الإرهاب بعد التحقيق والبحث الدقيق مع رغبة الجميع في القضاء على العوامل التي أدت إلى بروز الإرهاب، لكن الغرب بشكل عام وأمريكا بشكل خاص رفض النظر في أسباب الإرهاب، إذ يرى أن العوامل التي أفرزت الإرهاب ستحل بعد التمكن من القضاء عليه بشكل تلقائي وهذا ما تراه أمريكا صحيحًا، وقد أصبح مبررًا ومبدأ ارتكز عليه الهجوم الشرس على أفغانستان، ولا ترى واشنطن ضرورة للتحقيق حول تورط أسامة بن لادن وحكومة طالبان المباشر أو غير المباشر في عملية التفجيرات في 11 سبتمبر الماضي.

التعريف: رغم وجود تعريفات عدة لمعنى الإرهاب فإنني أرى تعريف البروفيسور إدوارد هیرمان من مدرسة وارتون للتجارة أكثر وضوحًا وتحديدًا، فالإرهاب هو «كل عملية عنف أو تهديد بالعنف لاستهداف المدنيين من أجل أغراض سياسية» والعنف يعني كل فعل يسبب مأساة جسدية أو نفسية.

هناك أربعة أنواع للإرهاب:

أولًا: الإرهاب ضد الحكومة لإسقاطها أو الانقلاب عليها.

ثانيًا: الإرهاب الذي تمارسه الدولة أو الحكومة ضد شعبها من أجل القضاء على خصومها السياسيين.

ثالثًا: الإرهاب الذي تمارسه الحركات الثورية والوطنية وغير السياسية.

رابعًا: الإرهاب في بعض عمليات المقاومة من أجل تحرير الوطن من الاحتلال.

 إرهاب الدولة

إن الإرهاب لا ينحصر فيما يفعله المجرمون والعصابات فحسب إذ قد تقوم به حكومة كذلك ضد شعبها أو ضد دولة أخرى، فإرهاب الدولة يكون على شكل سياسة العنف الخارجة عن إطار الشرعية ضد الجماعة التي لا تتماشى معها، إرهاب الدولة أيضًا يشمل الإجراءات السرية لدعم الجماعات المسلحة لممارسة الإرهاب من أجل إسقاط حكومة ذات سيادة، ومن ذلك ما تقوم به أمريكا لدعم الإرهابيين ضد الحكومة الكولومبية ومجاهدي خلق لإسقاط حكومة إيران، وإضافة إلى ذلك إرهاب حكومة الاحتلال في جنوب إفريقيا السابقة وسياسة إسرائيل الإرهابية ضد شعب فلسطين والحكومة الهندية ضد شعب كشمير المسلم والحكومة الصينية ضد الأقلية المسلمة في سنكيانج، كما أن الهجوم الشرس الذي مارسته أمريكا ضد شعب أفغانستان هو نمط واضح لإرهاب الدولة.

أسباب الإرهاب

إن الهدف من كل عملية عنف هو محاولة دفع الخصم والعدو للتخلي عن رغباته وقهره لقبول رغبات خاصة، والحرب هي عملية عنف من قبل الدولة أو التحالف بعد خيبة المساعي للتوصل إلى حل المشكلات بطريقة سياسية دبلوماسية، بما يضطر الدولة أو التحالف إلى اللجوء إلى استخدام الأسلحة المشروعة دوليًا، الحرب لها نطاق واسع بداية من مجرد استعراض القوة من خلال استراتيجية الردع التي تدفع العدو إلى الحذر والتحفظ عن خوض المعركة والإكراه بالتهديد بالحرب أو ما يسمى بدبلوماسية الحافة والحروب بالوكالة Proxy «wars» التي قامت بها الدول المتحالفة مع الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق مثل الحرب بين الكوريتين الشمالية والجنوبية والمعارك بين فيتنام الجنوبية والشمالية وهي تداعيات تلك الحروب أن تلك الدول اعتادت استخدام هذا النمط من أعمال الإرهاب لخلق وضع مضطرب وعدم استقرار في دول العدو فأصبح العداء بين الدول الكبرى يخلق الحرب الباردة رغم بروز أعمال العنف لكن تبقى في حدود السيطرة، أما الحرب الحقيقية التي تستخدم فيها كل المعدات الحربية فلم تعد تحدث نتيجة توازن القوة بين القطبين الأمريكي والسوفييتي فهي يمكن أن تسبب الدمار الشامل لكليهما، ولا نتيجة لهذه الحرب لا المنتصر سيكون رمادًا والمهزوم سيكون فحمًا.

 ونتيجة لذلك ظهرت جماعات مثل بادر ماينهوف في ألمانيا والألوية الحمراء الإيطالية والجيش الأحمر الياباني، وكلها حملت أيديولوجية خاصة كوكالة عن الاتحاد السوفييتي من أجل إحداث زعزعة سياسة واقتصادية وأمنية في العالم كعمل من أعماق الحرب الباردة.

في كل الصراعات ذات الصبغة غير المتماثلة، بين القوي والضعيف، أو الكبير والصغير مثل حركة تحرير وطني وتقرير مصيري في مواجهة قوة ضخمة وجبارة، تتمثل المقاومة بمستوى منخفض عن طريق رفض التعاون مع الاحتلال وحتى التمرد على نطاق واسع فالمقاومة الشعبية من هذا الطرف تأخذ أشكال من العنف كخيار استراتيجي لتعزيز النضال.

 وبعد انتهاء حروب التحرير في آسيا وإفريقيا ثم الحرب الباردة ثم انهيار الاتحاد السوفييتي، شهد العالم ظهور الولايات المتحدة كقوة عالمية وحيدة، وأعطى انهيار الشيوعية الغرب يقينًا بالتفوق والشعور بالاستعانة لحضارته ونظامه السياسي، ويرى الغرب حضارتي الإسلام والصين تهددان مكانه في المستقبل بعد تلاشي الشيوعية، هذا ما يراه صمويل هنتنجتون في مقاله عن صراع الحضارات، هذا الصراع تبلور نتيجة التعارف بين قيم تلك الحضارات ومعاييرها، وإذ أصبح العالم قرية صغيرة أصبح من المستبعد تفادي الصراع والخلافات بين الحضارات.

ومن أجل الحرص على مكانتها كقوة وحيدة في العالم، تمارس أمريكا سياسة مزدوجة خاصة عند تعاملها مع المسلمين، فواشنطن تبادر مرارًا لمعاقبة دول مسلمة كأمثال إيران والعراق وليبيا والسودان وأفغانستان وغيره ولكنها في الوقت نفسه تغمض عينيها عن ظلم وبربرية الدول التي لها علاقة وطيدة ومتحالفة معها، هذا الإجحاف وسياسة ازدواجية المعايير هو الذي أفرز مقاومة الطوائف التي تسميه أمريكا والغرب بالإرهاب وهي المستهدفة فعلاً بحملتها الأخيرة، ففي فلسطين تستهدف أمريكا وإسرائيل حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية، وفي الفلبين جماعة أبي سياف، ولم تذكر أمريكا طوائف أمثال الجيش الجمهوري الايرلندي وإيتا الإسبانية ونمور التأميل في سريلانكا كحركات إرهابية.

 هنا يصعب علينا ألا نصدق ما قاله الرئيس الأمريكي عن حربه ضد الإرهاب الدولي بأنها حرب على الإسلام والمسلمين، فالعالم الإسلامي والمسلمون يرون أن الحروب الصليبية التي شنت ضد العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الميلادي واستمرت بالاستعمار والاحتلال -محاولة إخضاع هذا العالم مدة لا تقل عن ٥٠٠ عام- لم تنته بعد، ولا سيما بعد الإصغاء إلى مقولة وزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيليد إن الهجوم على أفغانستان هو الهدف الأول من الأهداف الواسعة النطاق والمستمرة، ويتساءل الناس: أي دولة مسلمة أخرى ستكون الهدف الثاني بعد أفغانستان في سلسلة حملة الولايات المتحدة ضد «الإرهاب الدولي» المزعوم؟

رأي الإسلام في الإرهاب

أذن للمؤمنين بقتال المعتدين كما يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ (سورة البقرة، آية: ١٩٠)، وبالرغم من أن الإسلام سمح  للمسلمين بالقتال فإن الحروب التي شنها المسلمون لم تكن إلا دفاعًا عن الأعراض، فالإسلام حرم قتل الذين لم يشاركوا في الحرب كعمال الإسعاف وذلك قبل ١٤ قرنًا من إقرار ميثاق جنيف، وقد غضب الرسول  عندما رأى جثة امرأة مقتولة لأنها لم تأت الحرب، كما أنه حرم قتل الأطفال والشيوخ، والرهبان والتجار والفلاحين، وكل ذلك ضمان للحرص على الحياة ومصادر حياة الأمة.

والحرب في الإسلام لا بد أن تبنى على الشريعة وليست شكلًا من أعمال العنف التي تفسح المجال لتمرير الوحشية الحيوانية التي تبرر كل أعمال العنف.

فالإرهاب قد يكون جزءً من أعمال العنف ضمن الصراع منخفض الحدة، والإسلام يحرم الإرهاب الذي يسفر عن سقوط ضحايا أبرياء، لأن الإسلام يكرم حياة البشر كما قال الله عز رجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ﴾ (سورة الإسراء، آية: ۳۳) فتحريم قتل الناس ملزم لكل البشر دون تمييز العرق أو شعب أو دين، هذا التحريم غير معمول به أثناء الحرب إذ يرتكب الإثم الذي يستوجب حكم القصاص، كما قال الله تعالى:﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ (سورة المائدة، آية: ۳۲).

 في حوار حي في قناة الجزيرة مع فضيلة الشيخ يوسف القرضاوي سال أحد المشاهدين: عرفنا أن بعض الفقهاء أجاز الانتقام من الأعداء بمثل ما يتصرفون معنا ألم يقتلون أبناءنا الصغار والنساء والمدنيين؟ وتفتون بإجازة قتل المدنيين الإسرائيليين، فهل قضية أمريكا تكون بنفس الصورة؟ فرد القرضاوي: لا، غير صحيح أننا يجب أن نتصرف كما تصرف هؤلاء، هذا المبدأ غير ملزم في القضايا عامة، فإن اغتصبوا نساءنا هل نقوم بهذا العمل الفاضح؟ نحن ملزمون بقيم أخلاقية سامية، كما أن الصحابي الجليل أبا بكر -رضي الله عنه- عندما زار البصرة تفاجأ حينما جاء أحد المسلمين برأس العدو، فمنعهم هذا النوع من الأعمال رغم أن الفرس فعلوا ذلك بالمسلمين، لكنه لا ينبغي أن نقلدهم لأن الإسلام يخوض المعركة بضوابطه الإنسانية، لأن الإسلام خير دين على وجه الأرض حيث جاء رحمة للعالمين يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

حادثة فردية

حينما اعتقل فتح الرحمن الغازي (۳۱سنة) في الفلبين في الخامس عشر من يناير الماضي، اتهم رجال الأمن الغازي بأن له علاقة وطيدة مع القاعدة، وهذا الاشتباه مبني على أن رجال الأمن اكتشفوا أن له جوازي سفر إندونيسيين وثلاثة جوازات فلبينية، هذا الحادث جعل الناس يزعمون أن القاعدة موجودة بالفعل في إندونيسيا، رغم نفي رئيس الشرطة الإندونيسية وجودها، وقد اتهمت الولايات المتحدة بعض الجمعيات والمنظمات الإسلامية مثل جبهة الدفاع عن الإسلام والمجلس الإندونيسي للمجاهدين وجند الله وحركة الشباب الإسلامية، وباعتقال فتح الرحمن في الفلبين وأجوس بوديمان في الولايات المتحدة عقب حادثة ١١ سبتمبر الماضي، أفسح المجال لتوجيه التهم لإندونيسيا وإدراجها في لائحة الدول المستهدفة بعد أفغانستان.

وفي هذا الصدد صرح الوزير المنسق للشؤون السياسية والأمنية بامبانج يودويونو بأنه: «لا توجد أي جهة قادرة على فرض الضغوط على إندونيسيا في حربها ضد الإرهاب، لأننا قمنا بذلك الواجب من أجل المصالح المحلية والدولية» وأن إندونيسيا جادة في كفاحها ضد الإرهاب إن كان موجودًا في المنطقة بالفعل.

الوضع الراهن

إندونيسيا أرض غنية بثرواتها الخام من شتى أنواع المعادن ومنتجات الغابات والأرض الخصبة وبحارها الواسعة «أكثر من 6 ملايين كم2»  بثرواتها الفائقة وسكانها «حوالي ۲۲۰ مليون نسمة» وهذه تعتبر مقومات عظيمة ليصبح هذا الأرخبيل دولة متقدمة وغنية وعصرية وقوية، ولكن الواقع المرير يقول إنه بعد مضي ٥٦ سنة من الاستقلال لم تزل إندونيسيا عاجزة عن تحقيق أسمى أماني شعبها: بناء إندونيسيا العادلة والمرفهة، بل أصبح من المستبعد أن تتبلور تلك الأماني على أرض الواقع في وقت قريب.

ودخل أبناء هذا الشعب القرن الحادي والعشرين حاملين أثقل عبء من الديون التي لا تقل عن نحو ۱50۰ تريليون روبية إضافة إلى السرقات التي مارسها كبار التجار عبر مشروع «السيولة المساعدة» التي قدمها البنك المركزي لإنقاذ بعض البنوك منذ بداية الأزمة الاقتصادية في ۱۹۹۷م وهذه تقدر بحوالي ٤٧٧ تريليون روبية، وللأسف فإن معظم هؤلاء التجار هاربون إلى سنغافورة وأستراليا وترفض الدولتان تسليم اللصوص، وقد اقترضت إندونيسيا حوالي ۷۰۰ تريليون روبية من صندوق النقد الدولي، مما أدى إلى فقدان سيادة البلاد أمام هذه المؤسسة وتحويلها إلى «مستعمرة» يهودية، وفرضت المؤسسة شروطًا شاقة لا بد أن تؤديها الدولة رغم تعارضها ومصالح الشعب وتسببت في فقدان السيادة السياسية والاقتصادية، كأفضل وسيلة يهودية صهيونية فعالة للسيطرة على الدول الإسلامية كما نصت على ذلك بروتوكولات صهيون لهدم دولة واستعمارها اقتصاديًا وسياسيًا واجتماعيًا.

الواقع أن المعالجة التي يقدمها صندوق النقد الدولي منذ بداية الأزمة إلى الآن أوقعت البلاد في حلقة مفرغة بحيث تصعب نجدتها في وقت قريب، وأصبح ٦٠% من كافة السكان يعيشون تحت خط الفقر، بالإضافة إلى استمرار تدهور شرعية الحكم وخاصة في كفاحه ضد الفساد المالي والإداري رغم المبادرات الأخيرة باعتقال بعض المشتبه بهم، ولكن حسب ما يقول الخبير الماليزي البروفيسور حسين العطاس فإن أعمال الفساد في إندونيسيا وصلت إلى درجة «سكرة الموت» أي إلى درجة يستبعد معها التعافي في المدى القريب أو البعيد إلا في حالة خارقة.

إندونيسيا تعيش في منعطف تاريخي فهي تعيش حالة فقدان السيادة وفي نفس الوقت تعيش مؤامرة غربية صهيونية لإيقاع البلاد في شركهم عبر الضغوط السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتفكيك الشعب إلى دويلات.

(*) رئيس المخابرات الإندونيسية الأسبق في عهد الرئيس حبيبي- ترجمة أحمد دمياطي بصاري

الرابط المختصر :