العنوان هرمز فتيل آخر في حرب الخليج المنسية
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
مشاهدات 62
نشر في العدد 641
نشر في الصفحة 4
الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
التهديدات الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز أخرجت موضوع حرب الخليج التي ما زالت تكتوي المنطقة بأوزارها منذ ثلاث سنوات إلى نقطة الضوء بعد أن اختلطت أوراق الإعلام العالمي وهي تفسر وتحلل علائق الإشكالات الاستراتيجية والاقتصادية والدولية بحرب الخليج... وكان هذا الاختلاط قد أدخل مضمون الحرب في زوايا التعتيم والتعمية وأبقى على شكلها ذي الصفة الدولية الحدودية مدرجًا ضمن قائمة الإشكالات الحدودية القائمة في بقع متعددة في العالم والتي يقاس حجمها بمقياس أثرها على مصالح الدول الكبرى. أما مضمون الحرب الذي يشمل استنزاف الطاقات البشرية والاقتصادية والعسكرية في الخليج فليس له أية أولوية في تناول أجهزة الإعلام العالمي ذات اللون المختلط.
لؤلؤة الخاتم:
على أن مضيق هرمز الذي يخشى أن يشتعل فتيله فيحرق الخليج كله... كان من أكثر الممرات الدولية مجالًا للصراع بين الدول الاستعمارية، تنافس عليه منذ بداية العصر الاستعماري كل من البرتغال والهولنديون والإنكليز والفرنسيين والألمان والروس وشهد ثلاث احتلالات عسكرية في العصر الاستعماري العسكري حيث احتله البرتغاليون أولًا ثم أعقبهم الهولنديون ثم استقر المقام فيه للإنكليز الذين لا يرى ساستهم اليوم وصفًا لقيمته الاستراتيجية غير قولهم: «إذا كان العالم خاتمًا فإن مضيق هرمز لؤلؤته» وقد ازداد هذا الممر أهمية بظهور النفط.
وإذا علمنا أن ٥٩% من حاجة أوروبة للنفط تمر اليوم عبر هذا المضيق عرفنا مبلغ الأهمية التي يتصورها الغرب لهذا المضيق الذي يصل عرضه في بعض المواقع إلى ٣٢ كم فقط.
إن لؤلؤة الخاتم وفق وصف الساسة الإنكليز تحرك اليوم شهوة قوى الاستعمار الدولي كله. ولعل الولايات المتحدة أشد تلك القوى اشتهاءً لامتلاك تلك اللؤلؤة.
فمنذ عام ۱۹۷۷ وقبل اشتعال الحرب بين العراق وإیران دأبت الولايات المتحدة على إطلاق بعض التصريحات التي تحمل معنى الإنذار منصبة نفسها لحماية الخليج وتأمين الملاحة الحرة في مياهه الإقليمية. وكانت أوضح تلك التصريحات ما أطلقه البنتاغون عام ۱۹۷۹ عندما أعلن عن تخوف الولايات المتحدة من «خطط فدائية فلسطينية تستهدف إغلاق مضيق هرمز بإغراق إحدى ناقلات النفط فيه» وهو الأمر الذي لا تستطيع شركة «هيتاس» البريطانية التي تدير الملاحة في المضيق أن تتجاوزه وقد ارتبط هذا التصريح في الإعلام الأمريكي بالحديث عن قوات أمريكية للتدخل السريع في كل من الشرق الأوسط والخليج. ومنذ ذلك اليوم بدأت المدمرات وحاملات الطائرات الأمريكية تكثف وجودها في المحيط الهندي وبحر العرب والخليج. ومن ذلك اليوم بدأ البنتاغون الأمريكي بإدخال فكرة إنشاء قوات للتدخل السريع مجال التنفيذ. إضافة إلى التسهيلات المعروفة التي حصل عليها الأمريكان في موانئ أساسية في المنطقة.
المبدأ الأمريكي:
ولم تكن التهديدات الأخيرة بإغلاق المضيق إلا الأمر الذي تنتظر الولايات المتحدة أن يحدث إن لم تكن هي الدافعة إليه من أجل تأزم الحرب وتأجيجها أولًا... حيث لم يتبين حتى الآن مصداق الرغبة السلمية في الحفاظ على أمن الخليج كما يعلن المتحدثون الأمريكان.. لذا فإن التهديدات بإغلاق مضيق هرمز لیست سوی الذريعة العاجلة التي جعلت متحدثي الإدارة الأمريكية يعربون عن قلقهم الشديد ورغبتهم القصوى في حماية مصالحهم وحماية حرية المرور الدولي عبر المضيق. ولعل الأمريكان أصبحوا اليوم أكثر استعدادًا من أي وقت مضى لتنفيذ المبادئ التي تشكل مذاهب عسكرية ما زال الرؤساء الأمريكان يضعون مبادئها منذ عام ١٩٥٧م وهي مذاهب وضعت لتبرير استخدام القوة المسلحة لتأمين المصالح الأمريكية في كل من الشرق الأوسط والخليج.
- ففي عام ١٩٥٧م ظهر مبدأ إيزنهاور الذي يعطي الولايات المتحدة الحق الكامل بالتدخل في منطقة الشرق الأوسط.
- وبعد حرب ١٩٦٧م ظهر مبدأ نيكسون وفورد اللذين يبرران استخدام القوات الأمريكية المسلحة خارج الحدود الأمريكية تأمينًا للمصالح الأمريكية في العالم.
•وفي عام ١٩٧٧ م أطلق كارتر مبدأه الذي قرر نهائيًا استخدام القوات المسلحة الأمريكية في حال نشوء تهديد للمصالح الأمريكية في منطقة الخليج والمحيط الهندي بالتعيين.
•وفي عام ۱۹۸۱م طورت إدارة ريغان مذاهب الرؤساء السابقين بصياغة إعلامية جديدة ربطت بين المذهب العسكري في التدخل والتطبيق العملي له، فشكلت قوات التدخل السريع التي يبلغ عددها ٣٢٥ ألف جندي تم اختيارها من مختلف القوى العسكرية الأمريكية.
وإلى جانب هذا فإن الولايات المتحدة التي حسبت كل حساباتها لحماية مصالحها في المنطقة تستطيع أن تستغل كافة التسهيلات الممنوحة لها في بعض القواعد إذا أرادت أن تصب الزيت على نار الحرب بسبب التهديد الإيراني بإغلاق هرمز.
- ففي يونيو «حزيران» ۱۹۸۰م وقعت عمان اتفاقية مع الولايات المتحدة حصلت فيها الأخيرة على كافة التسهيلات في القواعد العمانية دون مشاورة الطرف الآخر وهذه القواعد هي:
•قاعدة مصيرة الجوية والبحرية- قاعدة خصب البحرية التي تسيطر على مدخل الخليج- قاعدة جزيرة أم الغنم البحرية- قاعدة صلالة الجوية- قاعدة ثمريت الجوية البرية- قاعدة بيت الفلج البرية.
المغامرة الجديدة:
وليس غريبًا أن يعطي هذا الوضع العسكري إدارة ريغان دفعات من روح المغامرة تدفع من خلالها بعض الأطراف لإغلاق المضيق لتفعل بعد ذلك ما تريد مبررة إشعال الخليج بالفتيل الجديد بمبدأ حماية المصلحة الأمريكية والممر الدولي الضيق في هرمز وإدارة ريغان إذ تفعل ذلك فإنها تستهدف أمورًا عدة منها:
ا - تحقيق الرغبة الكيسنجرية القديمة بإيجاد قوات أمريكية علنية رسمية ترابط في أكثر من ساحل من سواحل النفط في دول
الخليج.
٢- إسقاط شعار الأمن الذاتي للخليج وتحطيم البرنامج الذي تسعى لتطبيقه قوات درع الجزيرة، ولعل كثيرًا من المراقبين يؤكدون أن هذا يندرج ضمن اتفاق ضمني بين كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي لتبقى حاجة الخليج مستمرة للاستناد إلى القوى الخارجية الكبرى.
٣- إهدار القيمة الاقتصادية الدولية لنفط الخليج ودفع المخزون النفطي الأمريكي الضخم إلى مقدمة المائدة الاقتصادية في العالم.
وبذلك يأخذ الدولار مكانًا مرموقًا لم تعرفه أية عملة من قبل.
٤ - تيئيس شعوب المنطقة الإسلامية من أي أمل بالخلاص من الأزمات التي أدمنت عليها المنطقة.
وهكذا يحاول الأمريكان.. يؤيدهم بذلك حلفاؤهم اللعب بالنار..لطرح أنفسهم على المنطقة بأبشع الصور وأقذرها...ولو كلف ذلك شعوب المنطقة وأهلها هدر كل الطاقات المتوفرة لهم على المستوى العسكري والاقتصادي والبشري.
•وإزاء اللعبة القذرة التي تلعبها الولايات المتحدة لن يكون هناك من حل في أيدي حكام العالم الإسلامي سوى الإسراع بإيقاف نزيف الحرب في الخليج... ولعل شعوب المنطقة التي تحمل الاستعمار مسؤولية استمرار هذه الحرب لن تعفي حكامها من المسؤولية إذا استمر السكوت. فالمطلوب إيقاف الحرب وسد الطريق أمام القوى الاستعمارية الشرسة.. وعندها تنتهي كل الذرائع التي تدخل في ميدان الاستثمار الأمريكي..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل