; التعددية في العمل الإسلامي ظاهرة مرضية | مجلة المجتمع

العنوان التعددية في العمل الإسلامي ظاهرة مرضية

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أبريل-1981

مشاهدات 64

نشر في العدد 525

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-أبريل-1981

 

 

التعددية في العمل الإسلامي تكاد تكون ظاهرة عالمية لم ينج منها قطر من الأقطار؛ صغيرًا كان أم كبيرًا، بل لم تنج منها أي مجموعة أو جالية إسلامية على امتداد العالم..

 

ففي كل مكان عشرات التنظيمات والهيئات والجمعيات والجماعات والمشيخات والأحزاب الإسلامية.. وكل واحدة من هذه الفئات تعتقد أن ما لديها هو الحق وأن ما لدى غيرها هو الباطل.

 

والغريب أن بعض العاملين في الحقل الإسلامي يعتبرون التعددية هذه ظاهرة صحية، وأنها مدعاة إلى احتواء حجم أكبر من الناس، وتغطية مساحة أكبر من الأرض، وكأن قضية العمل الإسلامي في سعة الانتشار وكثرة الأنصار، وليس في نوعية هؤلاء وفاعليتهم في إحداث التغيير الإسلامي المنشود..

 

مبررات التعددية عند أصحابها:

 

وأصحاب القناعة بتعددية العمل الإسلامي والمسؤولون عن التعددية بسبب استحداثهم تنظيمات على الرغم من وجود تنظيمات، يعمدون إلى تقديم مبررات تكاد تكون واحدة لقناعتهم هذه ولتصرفهم ذاك.. من هذه المبررات:

 

- أن الجماعة التي سبقتهم استنفدت أغراضها، ولم يعد من أمل فيها يعول عليه في عملية التغيير الإسلامي..

 

- أن الجماعة تلك تهتم بجانب من جوانب العمل ولا تهتم بكل الجوانب، أو أنها تغلب في اهتماماتها الجانب الفكري على الجانب السياسي أو الجانب التربوي على الجانب العسكري، إلخ...

 

- أن على هذه الجماعة شبهات كثيرة وأن إقامة تنظيم جديد يريح من كل هذه الشبهات..

 

كيف تكون النتيجة؟

 

والحقيقة أن المتتبع لعملية التجديد والتعددية في العمل الإسلامي ولنتائجها الملموسة واليقينية على أرض الواقع يرى كيف تنهار هذه المبررات وتسقط دفعة واحدة بعد ولادة كل تنظيم إسلامي جديد مباشر..

 

فالتحديات والشبهات التي ظن تنظيم مّا أنه سيكون في مأمن منها ومنجاة لحقته جملة وتفصيلًا.. ولقد غاب عن باله أن الإسلام هو المستهدف والمقصود في الأساس، وأن العاملين للإسلام كائنًا ما كانت أسماؤهم ومسمياتهم أمام مصير مشترك؟

 

وأن العيب الذي كان يراه في غيره أصبح متهمًا به هو، وأن سابقة إجازته للتعدد قد فتحت الباب على مصراعيه أمام ما يسمى «بالحركات التصحيحية» وأكثرها من عمل الشيطان، لأنها لا تؤدي إلا إلى مزيد من الانشقاق والانقسام.

 

وفي النهاية لو جئنا إلى هذه التنظيمات التي توالدت، وإلى هذه الحركات التصحيحية التي قامت لوجدنا أنها لم تتعد في أعمالها مجتمعة أطر ما حققه التنظيم الأول الذي توالدت عنه هذه التنظيمات؟

 

فما هي الفائدة التي جناها الإسلام -إذن- من خلال التعددية، وما هي المكاسب التي حققها التنظيم الثاني والثالث والرابع، ولم يتمكن من تحقيقها التنظيم الأول؟

 

أثر التعددية على الإسلام والمسلمين:

 

مشكلة التعددية ليست في عدم تحقيقها فائدة ما في نطاق العمل الإسلامي فحسب، وإنما فيما خلفته من آثار سيئة على الساحة الإسلامية.. من هذه الآثار على سبيل المثال:

 

- أنها أعطت كثيرًا من المسلمين مبررات للهروب من الانتماء الحركي بسبب ذريعة التحير التي يبديها هؤلاء حيال كثرة الاتجاهات..

 

- أنها فتتت القوى الإسلامية وأضعفتها، ولم تكن بحال عاملًا في تطوير العمل الإسلامي وإغنائه، وإنما كانت عاملًا في تشرذمه وتخلفه..

 

- سهلت على أعداء الإسلام عملية تصفية الاتجاه الإسلامي باستفراد كل كيان على حدة، ولم تكن باعث صمود أمام التحدي..

 

- أفرزت حساسيات لدى أتباع كل تنظيم من التنظيمات الأخرى مما زاد في تشرذمها، وأجج العصبية الحزبية الفئوية بين أفرادها، وجعل بأسها بينها بدل أن يكون بينها وبين عدوها..

 

وهذا كله عمِل على تأخرها وتخلفها وعدم وصول واحدة منها إلى أهدافها. وبلوغها الغاية التي حددتها لنفسها.

 

أثر التعددية على المستوى الحركي:

 

ولقد كان للتعددية آثار بالغة السوء والخطورة على العمل الإسلامي، مما أدى إلى بروز كيانات إسلامية مشوهة ألحقت إساءات بالفكر الإسلامي وبالمنهج الإسلامي.. من هذه الآثار:

 

- بروز ظاهرة الشخصانية والفردية والمشيخية بديلًا عن العمل المؤسسي المنظم.

 

- بروز ظاهرة الإقليمية والمحلية في العمل الإسلامي بديلًا عن عالميته ووحدته ومركزيته.

 

- بروز ظاهرة الولاء الحزبي بديلًا عن الولاء المبدئي والعقيدي.

 

- بروز ظاهرة الجزئية في العمل الإسلامي بدل الكلية والشمولية.

 

- وأبرز هذه الآثار هي أن كل فريق كان يقع في نفس الأخطاء التي وقع فيها غيره، لأنه كان يأبى الاستفادة من التجربة التي مر بها سواه، وهذا ما يبقي الاتجاه الإسلامي في دوامة من التجارب على حساب الإسلام، والذكي من اتعظ بغيره، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.

 

ما هو حكم الشرع في التعددية؟

 

مما لا يشك فيه أن الأصل في الشريعة هو وحدة العمل الإسلامي وليس تعدديته، وذلك بأدلة قرآنية ونبوية وتطبيقية:

 

فالله تعالى يقول: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ﴾ (الشورى: 13).

 

ويقول: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (آل عمران: 105).

 

ويقول: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ (البينة: 4).

 

ويقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ﴾ (الأنعام: 159).

 

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «من فرق ليس منا، يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية».

 

ويقول: «لا تزال من أمتي طائفة قائمة على الحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله».

 

ويقول في وصية لحذيفة بن اليمان: «عليك بجماعة المسلمين وإمامهم».

 

وأخرج البخاري عن جنادة بن أبي أمية عن عبادة بن الصامت قال:

 

«دعانا النبي فبايعناه.. فقال: فيما أخذ علينا، أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وألَّا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان» (صحيح البخاري).

 

التعددية وحكم الضرورات

 

وعلى الرغم من كل ما قد سلف. فقد يقول قائل: ولكن كيف العمل إذا قامت ظروف ملحة.. ألا تكون التعددية حينئذ جائزة للضرورة؟ ونقول: إنه في حالات الضرورة القصوى التي تقدر شرعًا. يمكن للاتجاه الإسلامي أن يلجأ إلى التعددية، ولكن ضمن قواعد وشروط منها:

 

- أن تكون التعددية وسيلة من وسائل العمل الإسلامي اقتضتها ظروف خاصة.

 

- أن تصب هذه الكيانات المتعددة في مجرى واحد، وتجمع بينها خطة عمل واحدة.

 

وفي هذه الحالة تصبح التعددية، تعددية واجهات ومؤسسات وقنوات لمسيرة واحدة. فهي بذلك تعددية اختصاصات يكمل بعضها بعضًا في إطار عمل واحد. وهذا هو المطلوب.

 

وأخيرًا.. فإن مصيرًا مشتركًا واحدًا ينتظر الجميع -في دنياهم قبل أخراهم- والمطلوب من الجميع وقفة جريئة مع النفس، صادقة مع الله: مجردة من الأنانية والعصبية وحب الذات.. وساعتئذ يفرح المؤمنون بنصر الله وعسى أن يكون قريبًا.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

2057

الثلاثاء 17-مارس-1970

الافتتاحية

نشر في العدد 2

189

الثلاثاء 24-مارس-1970

لم كل هذه الحرب؟