; المسلمون في جحيم بلغاريا.. فمن ينقذهم؟ «3» | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في جحيم بلغاريا.. فمن ينقذهم؟ «3»

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

مشاهدات 96

نشر في العدد 837

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-أكتوبر-1987

عندما خطط الحزب الشيوعي لعملية بلغرة المسلمين وإبادتهم سرًّا في بداية منتصف السبعينيات بدأ بالمسلمين البوماك؛ لأنهم أقرب المسلمين للبلغار، وتابعهم بالمقدون والغجر، وكان يطمئن الأتراك الأصل بأن مثل هذا الأمر لن يحدث لهم لأنهم أتراك، وعندما تم للحزب الشيوعي ما يريد ولم يحتج أحد ولم يشع الخبر في العالم، بل زاد التعاون والتبادل التجاري مع الدول الإسلامية تفرغ للأتراك، وبدأ إبادتهم بعد أن اطمأن من خلو الساحة ممن يتأثر أو يدافع أو حتى ينشر خبر إبادته للمسلمين.. وعندما أثيرت الآن قضية المسلمين في بلغاريا أصبح الحديث عن مصيبة المسلمين الأتراك، وقد تم نسيان البوماك والمقدون والغجر، مما يدل على نجاح خطة الحزب الشيوعي البلغاري وتضليله حتى لبعض الأقلام التي انبرت لتوضيح حجم مأساة المسلمين في بلغاريا.

في منتصف عام ۱٩٨٥ صرح جورج ديمتروف سكرتير الحزب الشيوعي البلغاري بأنه لا يوجد أتراك في بلغاريا، وقد ردد التصريح بعض المسئولين الآخرين في الحزب. وهم يريدون أن يقولوا: إنه لا يوجد مسلمون في بلغاريا ولكنهم يستبدلون كلمة مسلمين بكلمة أتراك للتقليل من شأن الأمر كله وحصره في فئة معينة، وبذلك يتفادون المشاكل المتوقع حدوثها مع الدول الإسلامية والعربية الأخرى، ويتفادون أيضًا إثارة سخط الشعوب الإسلامية والتي يعرفون أن عاطفتها على الأقل مع الإسلام والمسلمين، كما حدث في ليبيا عام ۱۹۷۳ في مؤتمر الشباب الإسلامي العالمي الأول بعد أن قمنا بعرض القضية وطلبنا من الشيخ محمود صبحي أن يفتي بحرمة اللحوم المستوردة من بلغاريا، وقد فعل ذلك؛ فأدت تلك الفتوى إلى إفلاس الشركات التي تتعامل في مجال استيراد اللحوم من بلغاريا وخسرت تلك التجارة لولا تدخل الحكومة الليبية في الأمر.

والغريب في الأمر أن جورج ديمتروف لا يتورع في الكذب بهذه العلنية مع علمه التام بأن هناك مستندات كتبها هو بخط يده وبخط يد رفاقه الذين ما زالوا أحياء تدينه وتوضح كذبه، ولكنه الكفر والإلحاد الذي ليس بعده ذنب.

ففي مؤتمر الحزب الشيوعي الذي عقد في 9/ 9/ 1944م بصوفيا تكلم كل من:

دمتير بلاقويف- جورجي كيركوف- فاسيل كلاروف- جورج ديمتروف- تيودور جيفكوف- فيلكو جير فيكوف، عن الدور البطولي والوطني الذي قام به المسلمون والأتراك في الحرب ضد النازيين وقيام الدولة البلغارية الحديثة. وبعد تولي جورج ديمتروف رئاسة الدولة خط الأتراك في مؤتمرات الحزب الشيوعي البلغاري التي أقيمت في كل من:

١٩٥٨ المؤتمر السابع

١٩٦٢ المؤتمر الثامن

١٩٦٦ المؤتمر التاسع

۱۹۷۱ المؤتمر العاشر

١٩٧٦ المؤتمر الحادي عشر

۱۹۸۱ المؤتمر الثاني عشر 

بحوالي عشر إلى خمس عشرة صفحة في كل تقرير من التقارير التي قدمها لتلك المؤتمرات، وتحدث عن دور الأتراك البلغار في تأسيس الاشتراكية وبناء الدولة البلغارية وعن كفالة حقوق الأقليات في الدستور البلغاري وحمايته لتلك الأقليات وعلى رأسها الأتراك.

وقد نشر تيودور جيفكوف حتى عام ١٩٨٤: ۱۷ مجلدًا و١٦ مقالة و٦ رسائل و٣ ملاحق تتعلق جميعها بدور ووضع الأتراك المسلمين في بلغاريا. ولذا وعندما ينكر الحزب الشيوعي البلغاري الوجود التركي في بلغاريا يكون قد محى صفحات طوال من تاريخ بلغاريا وكذب على الملأ وناقض نفسه.

تم تخريب الآثار الإسلامية العثمانية في جميع الأماكن وأبقى على بعض منها في الأماكن التي يرتادها السياح، ثم ترميمها ليخدعوا السياح عامة والمسلمين خاصة بأنهم مهتمون بأمر الإسلام والمسلمين، وأن الأخبار التي تقول: إن بلغاريا ضد الإسلام ليست صحيحة.

ومنذ بداية الحرب الروسية التركية في ۱۸۷۷- ۱۸۷۸ وحتى عام ١٩٤٤ نهاية الحرب العالمية الثانية وسقوط الملك في بلغاريا كان يضيق على المسلمين والأتراك، وهي فترة «الرجل المريض» في الخلافة العثمانية قبل أن يقضي عليها اليهود والمسيحيون، ولكن بالرغم من ذلك كانت للمسلمين حرياتهم التامة في بناء المدارس والمساجد والكتاتيب والزوايا والأوقاف والمقابر والتجارة والمحاكم، وما إلى ذلك من متطلبات الحياة الإسلامية.

ومع مجيء الحزب الشيوعي للحكم أقفل المدارس الإسلامية وكتاتيب حفظ وتعليم القرآن، وقفل المدارس التي تخرج الأئمة والوعاظ والقضاة. وفي عام ١٩٤٧ منع تعليم القرآن ودروسه في الأماكن العامة وألغيت مادة الدين في المدارس، وكذلك ألغيت كلمة الديانة في الوثائق عامة والهويات الرسمية والشهادات ووثائق الزواج.

وحتى عام ۱۹۸۰ كانوا يستخدمون كلمة قومية في المعاملات الرسمية، ويسمح للأتراك بكتابتها ولغيرهم أيضًا، ولكن بعد ذلك أصبح يكتب فقط بلغاري.

نشط الحزب في تكوين الجمعيات اللادينية بين الأتراك في المدارس ووسط الشباب وبين العمال وفي المزارع والمصانع، ومارس الحزب الترغيب والترهيب ضد الأتراك والمسلمين لدخولها، ومن يعترض أو يدافع عن الإسلام يواظب على عبادته يرسل إلى معسكرات التعذيب أو السجون أو القتل.

بعد أن استتب الأمر للحزب الشيوعي؛ أي أكمل إبادة المسلمين في بلغاريا قتلًا وتشريدًا وهجرًة وتغييرًا للأسماء وسجنًا، اطمأن واستعد لخداع الدول الإسلامية وبعض الأحرار في العالم، فعند زيارة بعض ممثلي الدول الإسلامية تفتح بقايا المساجد التي تركت لهذه الغاية، تفتح وتنظف خصيصًا لتلك الوفود وتملأ بالناس لأداء الصلاة أو التواجد في المسجد، ومعظم الحاضرين داخل المسجد ليسوا من المسلمين، وإنما أعدوا خصيصًا لهذه المناسبات، ومعظمهم من البلغار الشيوعيين الذين يتكلمون اللغة التركية. ويظن ممثلو الدول الإسلامية أو السواح أن هؤلاء مسلمون. وإذا كان الحزب الشيوعي البلغاري يحرص على وجود مسلمين في بلغاريا، فلماذا غير أسماء كل المسلمين مع أن عددًا منهم لم يبق له من الإسلام إلا ذلك الاسم الذي أصر الحزب الشيوعي على سلبه منه.

في بعض المرات يعد الحزب الشيوعي مسرحية لخداع السياح يلتقي فيها بعض السواح مع عائلات تمثل أنها مسلمة وتحتفظ بالزي الإسلامي في خزاناتها، وكذلك ببعض الأشياء الإسلامية الأخرى، ويؤكدون للسواح أنهم يدينون بحريتهم للحزب الشيوعي وأنهم سعداء بوجودهم في بلغاريا، وأنهم طالبوا بتغيير أسمائهم. ويذهب بعضهم إلى أكثر من ذلك قائلًا: إنه لم يكن يؤمن بالله في يوم من الأيام. ويحرض رجالات الحزب على منع السواح أن يلتقوا بمن يريدون من العائلات ويؤكدون للضيوف أن تلك الأسر هي أسر مسلمة، مع أن أهل المنطقة كلها يعلمون أنها أسر غير مسلمة ولا يجرؤ أحد على إيضاح ذلك.

وغالبًا ما يقوم رجال الأمن مسبقًا بتلقين المتحدثين من تلك الأسر بما يجب أن يقولوا، ويقوم المترجم -الذي هو من الأمن- بتصحيح أي تغيير أو تقصير قد يحدث سهوًا من قبل الشخص المتحدث. وأثناء تلك الزيارات تمنع الأسر المسلمة من الخروج من منازلها لأي سبب من الأسباب، ومن يخرج من المسلمين عمدًا أو سهوًا أو من يمتعض منهم يرسل لمعسكرات الاعتقال والتعذيب وعلى رأسها معسكر بلفين على جزيرة في نهر الدانوب بالقرب من الحدود الرومانية، والذي وصل فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من ثلاثين ألف مسلم. ونسبة لقساوة التعذيب وسوء الأحوال توفي منهم عدد كبير، ولما شاع الخبر تم توزيع ما تبقى فيه من معتقلين إلى معتقلات أخرى في كل من:

صوفيا- لوفجا- ستارا زاغرا- بيرنيك- بوبو- فدول- أسليمية-غبروفو- فارجا- بلاغويف غراد- فارنا- بازارجيك- أهثيمان- ميخايلوف غراد- بوهوفو- كوستنديل.

جن جنون الحزب الشيوعي البلغاري وأحس بضخامة المأساة التي ارتكبها بعد أن بدأ الأمر ينشر في صحافة الغرب، فصار يقيم مسرحيات ختان لأطفال مسلمين وزواج إسلامي، ويسمح لبعض الأشخاص الذين يدعون أنهم مسلمون بالتعبير عن فرحتهم ويوهمون الزوار الأجانب بأن الحرية مكفولة عندهم. ولكن للأسف دائمًا ما تنكشف تلك الآلاعيب والتمثيليات، فقد حدث أن نظفوا أحد المساجد وفرشوه بالسجاد الجديد وأقاموا فيه الصلاة بحضور بعض الدبلوماسيين في صوفيا. وبعد الصلاة أخذوا الضيوف لزيارة إحدى الأسر التي وصفوها بأنها مسلمة، حيث وضح أفراد تلك الأسرة بأنهم أحرار وليست عليهم أي ضغوط، بل هم أسعد مسلمي العالم أجمع. في هذه الأثناء نسي أحد الدبلوماسيين نظارته في المسجد فرجع مع سائق بلغاري من الوفد، ولما دخل المسجد وجده يختلف عما كان عليه قبل لحظات طويت البسط وغيرت الإضاءة وأغلقت النوافذ والأبواب بالحديد، فأخبر بقية الوفد بذلك مما جعلهم يقطعون زيارتهم ويرفضون أي دعوة رسمية يدافع فيها الحزب الشيوعي عن الحريات ووضع المسلمين في بلغاريا.

وكثيرًا ما يبث التلفزيون البلغاري مقابلات مع بعض المسلمين الذين تم تنصيرهم ليؤكدوا للمشاهدين داخل أو خارج بلغاريا بأنهم سعداء وأن كل ما يقال ضد الحزب عملاء وخونة. ويقوم البرنامج بتقديم بعض الأسئلة للشخص صاحب المقابلة إن رآه قد نسي بعض الجوانب أو النقاط التي اتفق عليها. ففي مرة من المرات أُحضرت بنت مسلمة لتتحدث في التلفزيون وسألها المذيع ما هو شعورها باسمها الجديد ومدى سعادتها به، وكان اسمها عائشة، فغير إلى تاتيانا! صمتت لحظة وقالت: يا ترى كيف يكون شعوري بعد أن فقدت اسمي الذي عشت معه سبع عشرة سنة؟ وانفجرت باكية، فتم قطع الإرسال.

حتى عام ١٩٦٠ كان يوجد للمسلمين حوالي خمس وخمسون ممثلًا في البرلمان البلغاري، والآن لحوالي أكثر من ثلاثة ملايين مسلم لا يوجد سوى ٦ نواب على رأسهم فخر الدين خليلوف وشكري طاهر، وهم من ببغاوات الحزب الشيوعي المشهورين بكذبهم ودجلهم ونفاقهم، وقد اشتهروا في كل بلغاريا بذلك، وهم الذين لهم الحق في الاتصال بالأجانب. وقد صدر قرار من الحزب الشيوعي يمنع المسلمين من الاتصال بالأجانب. ويعتبر ذلك جريمة يصل عقابها إلى الموت. وقد اتخذ ذلك القرار في آذار ١٩٨٥. 

يفتخر الحزب الشيوعي البلغاري بأن عدد الأتراك الذين هاجروا إلى تركيا من بلغاريا في فترة أقل من تسعين عامًا بلغ عشرة ملايين مسلم تركي، وقد بدأت تلك الهجرة بتأثير روسي تابعة للنظام الملكي، وأكمله الحزب الشيوعي، ولولا ذلك لبلغ تعداد المسلمين في بلغاريا اليوم حوالي الثلاثين مليونًا.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل