العنوان الأخيرة.. فرض الكفاية والمؤسسات الاجتماعية (٢)
الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم
تاريخ النشر الأحد 14-أكتوبر-2012
مشاهدات 59
نشر في العدد 2024
نشر في الصفحة 66
الأحد 14-أكتوبر-2012
مع تسليمنا بأن كل فعل لا بد له من فاعل إلا أن فرض الكفاية غير «مشخصن» من جهة أدائه، لكونه غير متوقف على فرد بعينه من جهة التكليف به، وفي حال تعينه فإن آخرين يشاركون معه في أدائه، في أغلب الحالات، وأداء العمل بجهد جماعي، ووفق شبكة من العلاقات التنظيمية والمسؤوليات المحددة هو جوهر مفهوم المؤسسية بمعناها المعاصر المعروف في علم الإدارة العامة.
ولكن زيادة على ذلك؛ نجد أن الذي يشارك في القيام بفرض الكفاية ليس له أن يتباهى على من لم يشارك إذ هو في الواقع ونفس الأمر قائم بواجب أو بفرض تعين عليه مع آخرين وثوابهم عند الله تعالى لقاء مساهمتهم في رفع الحرج الشرعي عن باقي الجماعة.
إن كل فرض كفائي هو بالضرورة عمل من أعمال المشاركة في المجال العام بدرجاته المختلفة، وهنا يثور سؤال جديد ومقلق حقًا وهو كيف نضمن ألا يقود سقوط التكليف الكفائي عمن لم يشارك في أدائه إلى «السلبية»، و«اللامبالاة»، وربما إلى انسحاب هؤلاء الذين لم يشاركوا من المجال العام بحجة أن آخرين قاموا بفرض الكفاية؟ سؤال نطرحه للنقاش والتشاور العلمي قبل أن نقطع فيه برأي.
لقد انشغل الأصوليون والفقهاء بتأصيل علاقة «فرض العين» ب«فرض الكفاية»، من جهة الفروق التي تميز كلًا منهما عن الآخر على المستوى النظري المجرد، ونادرًا ما انشغلوا ببحث هذه العلاقة من جهة المشتركات التي تجمعهما معًا، وهما قيد التنفيذ، وعلى مستوى الممارسات التطبيقية الفردية والمؤسسية والفردية والمؤسسية، وهو ما ستحاول القيام به بالتطبيق على «مثال» اخترناه من فروض العين وهو الصوم، وآخر من فروض الكفاية وهو «الوقف»، صحيح أن الوقف لا يرد -عادة- ضمن الأمثلة التي يذكرها الأصوليون والفقهاء في معرض تناولهم الموضوع فروض العين وفروض الكفاية؛ إلا إننا تعتبره من أهم الأمثلة الكاشفة عن هذه العلاقة الوثيقة بين نوعي «الفروض»، وهما قيد التنفيذ في المجال الاجتماعي العام.
لدينا إذن أربعة مصطلحات: اثنان ينتميان إلى العلوم الفقهية الموروثة، وهما: «فرض الكفاية»، و«الوقف»، وأخران ينتميان إلى العلوم الاجتماعية الحديثة، وهما: «المسؤولية الاجتماعية»، و«المجتمع المدني»، وثمة تنصل متبادل يغلب على الكتابات الحديثة التي تتناول ما يقع ضمن الحقول الدلالية لهذه المصطلحات من فريق العلوم الفقهية الموروثة، ومن فريق العلوم الاجتماعية الحديثة سواء بسواء.
فدارسو العلوم الفقهية لا يدركون -في أغلب الحالات- جملة العلاقات العملية التي تربط بين أقسام الأحكام الشرعية عمومًا على أرض الواقع الاجتماعي وساعة انتقالها من حيزها المجرد إلى حيز الممارسة الممتدة امتداد عمر الفرد، وعمر الجيل، وعمر المجتمع، ومن ذلك الأحكام التكليفية الخاصة بفروض العين وفروض الكفاية، وأكثر من هذا نجدهم يتنصلون صراحة أو ضمنًا، من أي دلالات قد يجري اشتقاقها من تلك المصطلحات الفقهية لتمتد إلى وقائع مستحدثة في الممارسات الاجتماعية مثل مؤسسات المجتمع المدني، التي ننظر إليها على أنها أدوات ووسائل تطبيق ، فرض الكفاية، التي تعمل في خدمة المصالح العامة، ومثل برامج المساعدات ومشروعات النفع العام التي يقدمها القطاع الخاص تعبيرًا عن التزامه بالمسؤولية الاجتماعية الرأس المال.
إن مثل هذه البرامج والمشروعات يمكن النظر إليها باعتبارها مبادرات وقفية مستحدثة، وأداء الفروض كفائية متعينة على أصحاب الأعمال وملاك رأس المال وغيرهم من القادرين على العطاء والمشاركة في تحمل المسؤولية الاجتماعية، وفي مناخ الربيع العربي يتعين أن يتطور أداء هذه المؤسسات باتجاه تعزيز الحريات العامة والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية.
دارسو العلوم الاجتماعية الحديثة، وبالأحرى الوافدة نجدهم -في أغلب الحالات أيضًا- يتنصلون من مصطلحات الفقهاء ذاتها، رغم أنها تعمل في نفس ميدان اختصاصهم، وتتناول المشكلات والتحديات التي يريدون التوصل إلى حلول لها، بل إنهم لا يكادون يلمون بأوليات تلك المصطلحات، ولا يحيطون بحقولها الدلالية المعرفية، أو تطبيقاتها العملية.
وأوضح دليل على ذلك هو خلو مقررات العلوم الاجتماعية في «الجامعات المدنية» من أي مقدمات أو معالجات مستمدة من تراث العلوم الفقهية
وفي نظرنا أنه لا بد من تجاوز هذا الانفصال وهزيمته في عقر داره؛ أعني عند الفريقين دارسي العلوم الفقهية المنغلقين على أنفسهم، ودارسي العلوم الاجتماعية المنعزلين عن تراثهم، ذلك لأن استمرار الانفصال بينهما على النحو الحاصل ليس له سوى نتيجة واحدة؛ هي عدم قدرة أي منهما على فهم الواقع وتفسيره، ناهيك عن التصدي لمشكلاته أو تطويره، وستبقى علوم الفريقين محدودة الفاعلية ما بقي هذا التنصل المتبادل بينهما.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل