العنوان عاصفة الشمال تفجر حرب الأنابيب
الكاتب مطيع الله تائب
تاريخ النشر الثلاثاء 25-أغسطس-1998
مشاهدات 69
نشر في العدد 1314
نشر في الصفحة 16
الثلاثاء 25-أغسطس-1998
موضوع الغلاف
● ردود فعل عنيفة ضد طالبان وراءها أهداف استراتيجية ومصالح اقتصادية وعلاقات إثنية ومذهبية.
● انعدمت الدوافع القتالية لدى معارضي طالبان نظرًا لحالة الفوضى والتسيب الأمني والفساد الموجود في الشمال والذي كان وراء الهزيمة الأخيرة.
● لا يبدو تقدم طالبان الأخير نهاية المطاف.. ومن المتوقع استمرار الصراع بلاعبيه من الداخل والخارج.
● تركمانستان وحدها لم تنضم علانية إلى الفريق المناهض لطالبان لأن رئيسها مراد نيازوف لا يمانع في التعاون مع طالبان في سبيل بيع النفط والغاز التركماني.
إسلام آباد: مطيع الله تائب
خلال أقل من شهر تمكنت قوات طالبان الأفغانية من السيطرة على معظم المناطق في الشمال الأفغاني، وبسطت سيطرتها على أهم المدن هناك مثل: شبرغن، ومزار شريف، وطالقان، ودفعت بقوات المعارضة نحو معاقلها الأصلية في وادي بانجشير وباميان.
هذا التقدم المذهل بقدر ما كان وقعه شديدًا على المعارضة في الداخل، كانت انعكاساته قوية وملموسة وراء الحدود الأفغانية، خصوصًا في آسيا الوسطى وروسيا وإيران، وفيما تتهم هذه الدول باكستان بالتدخل في أفغانستان وتحذر قوات طالبان من التقدم نحو آسيا الوسطى تلوح كذلك باستخدام جميع وسائل الردع المناسبة لمواجهة خطر طالبان، السيناريو الجديد أبرز البعد الإقليمي لسيطرة طالبان على أفغانستان بصورة واضحة، وأكثر من أي وقت مضى.
وأخيرًا نجحت التجربة الثالثة لقوات طالبان للسيطرة على الشمال، فيما فشلت التجربتان الأولى والثانية في كل من مايو، وسبتمبر 1997م، بعد تكبد خسائر بشرية ومادية جسيمة في صفوف طالبان يقدرها البعض بأكثر من خمسة آلاف قتيل.
ورغم وجود ولايات مثل بدخشان، وكابيتسا، وبروان، وباميان، بيد الجبهة المتحدة «دوستم، ومسعود، وحزب الوحدة الشيعي»، يمكن القول: إن المعارضة قد خسرت الكثير أمام طالبان وتحتاج لاسترجاع هذه المناطق إلى قوة ضخمة من الأفراد والعتاد، ودوافع قتالية عالية يبدو أنها تفتقدها حاليًّا، كما تحتاج إلى مزيد من الوقت لالتقاط أنفاسها وترتيب أوراقها السياسية والعسكرية قبل البدء بأي عمليات واسعة النطاق.
ولتبرير هزائمها أمام طالبان تتهم الجبهة المتحدة لإنقاذ أفغانستان «المعارضة» باكستان بأنها تدخلت هذه المرة بقواتها وطائراتها العسكرية إلى جانب طالبان، إضافة إلى الدعم المادي والتمويني المستمر الذي تقدمه لطالبان، كما رأت أن شراء ذمم بعض القادة الميدانين فتح المجال أمام تقدم طالبان نحو الشمال، ومن ثم سقوط هذه المدن.
أيًّا كان الدعم الباكستاني لقوات طالبان- والذي بات أمرًا معروفًا- فمن الصعب القبول به كسب أساسي في سيطرة طالبان على الشمال وهزيمة المعارضة التي كانت تعاني من الخلافات الشديدة بينها، وكمحاولة لتحديد الأسباب الحقيقية وراء هزيمة الجبهة المتحدة نستطيع أن نشير إلى أن الجبهة منذ تشكيلها في سبتمبر 1996م بعد استيلاء طالبان على كابل العاصمة ما زالت تعيش خلافات عميقة وواسعة بين أعضائها وهم: الرئيس رباني، وقائده العسكري أحمد شاه مسعود، واللذين كانا يمثلان الطاجيك، والجنرال دوستم والنهضة القومية كتمثيل أوزبكي، وحزب الوحدة الشيعي كممثل عن الأقلية الشيعية والعرق الهزاري.
وظهرت هذه الخلافات إلى السطح في مايو 1997م، حينما انقلب الجنرال عبد الملك علي دوستم، وأعلن تحالفًا مع طالبان سرعان ما انفك، وتراجعت قوات طالبان إلى مواقعها القديمة، لكن الخلافات بقيت داخل الجبهة المتحدة، حيث بدأ مسعود وحزب الوحدة يدعمان الجنرال عبد الملك ضد غريمه دوستم، وحتى بعد رجوع دوستم في سبتمبر 1997م بقيت هذه الخلافات قائمة، واضطر عبد الملك على إثرها إلى الفرار إلى إيران، ولم تتوقف جهود مسعود وحزب الوحدة لإضعاف دوستم في الشمال، وتمثلت هذه المرة في دعم وجود حزب الوحدة الشيعي في مدينة مزار شريف، مما أدى إلى اشتباكات عديدة بين الطرفين داخل المدينة، وفي ولاية فارياب معقل الجنرال عبد الملك استغل بعض قادة المجاهدين السابقين أجواء الخلافات وتحركوا لتشكيل جناح إسلامي داخل النهضة القومية التي يرأسها الجنرال دوستم وعلى إثر هذا التحرك شهدت الولاية حوادث اغتيال عديدة استهدفت قادة ميدانين من ذوي الاتجاه الإسلامي يعتقد الكثير أن دوستم وراءها.
الخلافات تمثلت كذلك في عدم تنسيق الجبهة المتحدة في الهجوم على مدينة قندوز في الشمال، حيث كانت قوات طالبان تعيش تحت حصار المعارضة منذ مايو 1997م وكان بإمكان المعارضة تصفية هذا الجيب، غير أن الخلافات وقفت دون تحقيق مثل هذا الأمر.
والسبب الأساسي الأخير للهزيمة والذي تتهرب المعارضة من القبول به هو انعدام الدوافع القتالية أو ضعفها، لدى قوات المعارضة نظرًا لحالة الفوضى والتسيب الأمني والفساد الموجود في الشمال، هذا السبب كان وراء هزيمة المعارضة في كابل، وهو كذلك السبب في هزيمتهم الأخيرة في الشمال.
بعد سقوط كابل بيد طالبان في سبتمبر عام 1996م اتخذ الرئيس رباني مزار شريف عاصمة مؤقتة لدولته التي تعترف بها معظم الدول، وتشغل مقعد أفغانستان في الأمم المتحدة، غير أنه لم يفلح في تشكيل حكومة وإدارة قومية تدير الأمور في 30% من أراضي أفغانستان، والتي كانت تحت سيطرته، وفيما تزداد معاناة الشعب في هذه المناطق لم تخضع حكومة رباني لأي إصلاحات جذرية لوقف ثقافة «لوردات الحرب» وإعادة الأمن والاستقرار في تلك المناطق.
وفي مثل هذه الأجواء تبدأ طالبان هجومها على الشمال بعد توافق مع بعض القادة الميدانين في الخطوط الأمامية في ولاية بأدغيس، وتتقدم نحو ولاية فارياب وتسيطر على عاصمتها مدينة ميمنة في أواخر يوليو الماضي.
وخلال ثلاثة أسابيع من سيطرتهم على ولاية فارياب تمكنت قوات طالبان- دون مقاومة شديدة- من السيطرة على مدينة شبرغان عاصمة ولاية جوزجان ومعقل الجنرال دوستم، ومدينة مزار شريف ومدن أخرى مثل طالقان معقل القائد أحمد شاه ودوستم وبل خمري معقل المليشيا الإسماعلية، وبسقوط مدينة أبيك في 15 من أغسطس وهي عاصمة ولاية سمنجان تسيطر طالبان على 90% من الأراضي الأفغانية، وتسعى للسيطرة على ما تبقى من الأراضي.
مخاوف إقليمية:
كان وقع تقدم طالبان في الشمال الأفغاني شديدًا في عواصم آسيا الوسطى وروسيا وإيران، وهي الدول التي تدعم الجبهة المتحدة في معركتها ضد طالبان، واختلفت ردود الأفعال من بيانات تظهر القلق تجاه ما يحدث إلى اتهامات لباكستان بالتدخل، وتهديدات باتخاذ الوسائل المناسبة لوقف طالبان.
وعمليًّا اتخذت بعض الخطوات مثل تعزيز القوات الروسية على الحدود الطاجيكية الأفغانية ونشر أكثر من 50 ألف جندي أوزبكي على الحدود مع أفغانستان، وخطوات مماثلة في الحدود الإيرانية الأفغانية.
هل من مبرر لكل هذا الضجة؟
هل هناك ما يدعو لكل هذا الخوف من خطر طالبان؟
هل تملك أفغانستان الوزن الإقليمي الكبير الذي يبرر هذا القلق في العواصم المحيطة؟
هذه الأسئلة تطرح نفسها في خضم التطورات التي أثارها تقدم طالبان في الشمال الأفغاني.
وبتأمل النظر إلى بيانات ومواقف رؤساء دول آسيا الوسطى «ما عدا تركمانستان»، وروسيا نجد أن مخاوفهم تتمحور حول موضوع رئيس وهو الخوف من ازدهار الأصولية الإسلامية في آسيا الوسطى وروسيا، وأن سيطرة طالبان على أفغانستان تشكل دعمًا قويًّا لهذه الحركات، ونستطيع أن نحدد المخاوف الإقليمية كالتالي:
1- خطر الأصولية الإسلامية:
يشكل الإسلام عنصرًا أساسيًّا من حياة شعوب آسيا الوسطى التي عاشت سبعين سنة تحت الحكم الشيوعي الإلحادي وكان المسلمون في تلك المنطقة يرون أن مستقبلهم الإسلامي سيكون مزدهرًا بعد نيل الاستقلال من الاستعمار الروسي، غير أن أمرًا مثل هذا لم يحدث، بل وجد الإسلاميون- في طاجيكستان- أنفسهم أمام مؤامرة دولية كادت أن تقضي عليهم تمامًا، وفي وادي فرغانة في أوزبكستان ذاق الإسلاميون ولا يزالون الأمرين على يد الرئيس الأوزبكي إسلام كريموف الذي أصبح رأس الحربة في محاربة كل ما هو إسلامي، سواء في الفكر، أو في المظهر.
ففي طاجيكستان استطاع حزب النهضة الإسلامي بقيادة سعيد عبد الله نوري- بعد الخوض في مقاومة عسكرية ومفاوضات سياسية- توقيع اتفاق سلام مع نظام الرئيس رحمانوف وقد قطع السلام شوطًا لا بأس به في تلك الجمهورية، وبدأ الإسلاميون يشتركون في الحكم ويصبحون جزءًا طبيعيًّا من النظام، وهذا في حد ذاته نجاح كبير للإسلاميين في آسيا الوسطى عمومًا، وهو ما أزعج كريموف جِدًّا، ولذا نجده يسعى بوسائل شتى لوقف مشروع السلام الطاجيكي.
وأما في أوزبكستان فمعاناة الإسلاميين مستمرة منذ عام 1994م، حينما تولى إسلام كريموف الحكم هناك، وقد سجن كريموف العديد من قادة الإسلاميين، منهم الشيخ عبد الولي مرزايوف ضمن حملته لإبعاد جميع منافسيه من المعترك السياسي بما فيهم القوميين والديمقراطيين.
وقد أدت ضغوط كريموف على الإسلاميين في وادي فرغانة وبالذات في ولاية نمنجان معقل الإسلاميين إلى ظهور ردود أفغال غاضبة وصلت إلى حد اغتيال بعض المسؤولين، مما زاد من سخونة المواجهة بين الإسلاميين ونظام كريموف الاستبدادي، ومنذ ديسمبر الماضي بدأت حملة اعتقالات واسعة في صفوف الشباب المسلم، وفي مايو سن البرلمان الأوزبكي قوانين جديدة لمحاربة «الأصولية الإسلامية» أو ما أسماه «خطر الوهابية»، وبدأت الحركة تحارب التدين ومظاهره، مثل اللحية والحجاب بصورة سافرة، وتمنع استخدام المكبرات في المساجد مع الإلزام بتسجيل المساجد وتحديد الخطب والخطباء.
إجراءات كريموف لمحاربة الإسلام لم تقف داخل أوزبكستان، بل إنه تحرك إقليميًّا، واستطاع بالتعاون مع الرئيس الروسي يلتسين والطاجيكي رحمانوف الإعلان في 7 من مايو الماضي عن تأسيس «ترويكا» لمحاربة الإسلام، وبدأ يتحرك على نطاق كبير لتوسيع رقعة هذا التحالف ولإقناع رؤساء دول آسيا الوسطى بانتهاج السياسة ذاتها، لمحاربة الأصولية الإسلامية بالطريقة التي تحلو له، وكانت أوزبكستان اتهمت رسميًّا كلًّا من باكستان، وأفغانستان، وطاجيكستان بإيواء المعارضين الأوزبك وتدربيهم وتسليحهم للقيام بأعمال إرهابية داخل أوزبكستان على حد زعمها.
وأما موقف روسيا المتشدد فينشأ من سببين مختلفين: الأول الخوف من ازدهار الإسلام في ظل ما يحدث في القوقاز والشيشيان، وازدياد الحركات التحررية بدوافع إسلامية مستمدة من وحي المقاومة الشيشانية، وكذلك الخوف من أن سيطرة طالبان على أفغانستان يمكن أن يدعم موقف الإسلاميين في طاجيكستان حيث يتواجد أكثر من 35 ألف جندي روسي منهم 25 ألفًا على الحدود مع أفغانستان، وهذا على المدى البعيد قد يؤدي إلى اضطرار موسكو لإخراج قواتها من تلك الجمهورية، وبالتالي ضعف سيطرتها على آسيا الوسطى.
أما السبب الثاني فهو أن روسيا تخاف من بدء عملية مد الأنابيب جنوبًا لنقل نفط وغاز آسيا الوسطى عبر أفغانستان بمجرد عودة السلام هناك، فتهويل خطر طالبان يبدو إذًا أمرًا مخططًا من قبل موسكو لتبرير بقائهما في آسيا الوسطى والحفاظ على وجودها الذي بدأ يضعف يومًا بعد يوم.
2- حرب الأنابيب:
أصحبت آسيا الوسطى بفضل مخزونها الضخم من النفط والغاز معتركًا للصراع الدولي بعد الانهيار السوفييتي، ويشكل هذا الصراع أحد الأسباب الرئيسة في حالة عدم الاستقرار التي تعيشها المنطقة والمناطق المجاورة، واكتسبت أفغانستان بفضل موقعها الجيواستراتيجي في قلب آسيا أهمية كبيرة، فلها حدود مع كل من طاجيكستان، وأوزبكستان، وتركمانستان، إضافة إلى الامتداد العرقي المتداخل مع كل من هذه الدول الثلاث.
وأصبحت أفغانستان محل اهتمام شركات نفط دولية ترغب في نقل البترول والغاز من آسيا الوسطى جنوبًا إلى باكستان والهند وبحر العرب عبر أفغانستان، وبدأت شركات ضخمة مثل شركة «يونوكال» الأمريكية بالفعل بأخذ إجراءات عميلة في هذا المضمار، ففي أكتوبر الماضي وقعت هذه الشركة على اتفاق لمد خط أنابيب لنقل الغاز التركماني إلى باكستان عبر أفغانستان بقيمة 2.5 مليار دولار، بالاشتراك مع شركة عربية وشركة روسية ويابانية وباكستانية.
روسيا التي تمر معظم خطوط الأنابيب من أراضيها، وتسعى للاحتفاظ بهذه الميزة كمصدر دخل لها مع التحكم بموارد آسيا الوسطى، لا تريد إيجاد خطوط جديدة بديلة، وهي تحاول جاهدة عرقلة جميع المشاريع الجديدة لنقل نفط بحر قزوين وآسيا الوسطى عبر خطوط بديلة، أما تركمانستان فهي الدولة الوحيدة في وسط آسيا التي لم تظهر قلقًا من ظاهر طالبان، بل إن لها علاقات وثيقة معها، ويبدو أن الرئيس التركماني صفر مراد نيازوف يريد وبأي ثمن بيع النفط والغاز التركماني لجعل تركمانستان «كويت آسيا الوسطى» حسبما وعد شعبه مرارًا، هذا التطلع جعله يعزف وحيدًا وبعيدًا عن بقية دول آسيا الوسطى، ولم يشترك حتى الآن في أي تحالف إقليمية مع بقية رؤساء آسيا الوسطى.
أما إيران التي تعاني مشاكل اقتصادية عديدة فتريد أن تغزو آسيا الوسطى اقتصاديًّا، وتكون الطريق الوحيد لآسيا الوسطى نحو الجنوب، وترى أن عودة السلام في أفغانستان يمكن أن توجد طريقًا بديلًا لآسيا الوسطى نحو الجنوب بل ويفتح المجال أمام باكستان لغزو آسيا الوسطى اقتصاديًّا، فهي من هذا المنطلق ترى في طالبان «مؤامرة أمريكية» بدعم باكستاني لتضييق الخناق على إيران، إضافة إلى أن وجود دول سنية بشتونية في أفغانستان تعتبره إيران خطرًا على تطلعاتها السياسية خارج حدودها.
ولا شكَّ في أن سيطرة طالبان على أفغانستان وعودة السلام يمثل ضربة قوية لسياسات وتطلعات كل من روسيا وإيران في لعبة النفط والغاز في آسيا الوسطى.
باكستان في قفص الاتهام:
اتهام باكستان بدعم حركة طالبان ليس جديدًا، بل إنه منذ أن ظهرت حركة طالبان إعلاميًّا في 3 من نوفمبر 1994م حينما أنقذت قافلة باكستانية في ولاية قندهار من أيدي لوردات حرب أفغانية، وكانت القافلة متهجة نحو آسيا الوسطى، منذ ذلك الوقت وحتى اليوم يتهم معارضو طالبان باكستان بإنشاء طالبان ودعمها، غير أن هذه الاتهامات أخذ شكلًا جادًّا في الفترة الأخيرة، وذهبت اتهامات روسية وأوزبكية أن فرقة كوماندوز باكستانية ساعدت طالبان في فترح مزار شريف، وأن طائرات نفاثة باكستانية قصفت مواقع المعارضة، وطائرات شحن باكستانية حملت الأسلحة والعتاد إلى طالبان في مزار شريف وشبرغان.
هذه الاتهامات رفضتها وزاتا الخارجية والدفاع الباكستانيتان، وكذلك نفتها مصادر الجيش الباكستاني، واستبعدت أي تدخل باكستاني مباشرًا أو غير مباشر في شؤون أفغانستان الداخلية، وتسعى باكستان عبر قنوات عديدة لطمأنة روسيا ودول آسيا الوسطى بعدم خطورة طالبان كما تقول تصريحات مسؤولي طالبان: إنهم لا ينوون تصدير أفكارهم خارج حدود أفغانستان، وأن ما يحدث شأن أفغاني فقط.
وأما العلاقات الإيرانية- الباكستانية فهي الأكثر تضررًا من تقدم طالبان نحو الشمال، وبخاصة بعد أن أعلنت إيران أن 11 دبلوماسيًّا إيرانيًّا تم خطفهم من قبل قوات طالبان في مدينة مزار شريف، وأن باكستان هي المسؤولة عن حياتهم وإطلاق سراحهم، وطلبت إيران من باكستان إنقاذ الدبلوماسيين، مصادر طالبان ما زالت تنكر وجود دبلوماسيين إيرانيين في القنصلية الإيرانية حينما دخلت قواتها بعد سقوط مزار شريف، وأما باكستان التي تحاول الحفاظ على علاتها الودية مع إيران فقد رفضت قبول المسؤولية، وأكدت على بذل مساعيها في البحث عن هؤلاء الدبلوماسيين، وساءت الأمور أكثر حين بدأت مظاهرات أمام السفارة الباكستانية في طهران في 12 من أغسطس، ثم بدأت تصريحات إيرانية رسمية تتهم باكستان بدعم طالبان، وإلقاء مسؤولية اختطاف الدبلوماسيين على إسلام أباد، بل ذهب تصريحات أية الله حسين روحاني- نائب رئيس البرلماني الإيراني- إلى أن نتائج سيطرة طالبان على أفغانستان ستكون وخيمة على باكستان نفسها مستقبلًا.
باكستان التي لا شكَّ في أنها ترقص فرحًا من سيطرة طالبان على شمال أفغانستان تسعى للاحتفاظ بوجهها المعتدل وهي تبلغ الاتهامات دون إظهار أي ردود أفعال غاضبة، وتحاول تجنب الوقوع في مواجهة دبلوماسية ساخنة مع هذه الدول لاسيما إيران. باكستان التي تعيش حالة حرب غير معلنة مع الهند على حدودها الكشميرية منذ شهور لا تريد عزل نفسها إقليميًّا، ولا شك في أن دولة صديقة أو تابعة في أفغانستان تعني شيئًا كثيرًا بالنسبة لباكستان، فهي تشكل عمقًا استراتيجيًّا لها أمام الهند، وتفتح طريقها نحو آسيا الوسطى في وقت يعيش اقتصاد باكستان أسوأ الحالات في تاريخ باكستان، ورغم كل هذا لا ترغب باكستان في التفريط بعلاقاتها مع إيران أو بقية دول المنطقة.
ما بعد العاصفة.. سيناريوهات واحتمالات:
تسيطر طالبان اليوم على 90% من الأراضي الأفغانية بما فيها العاصمة كابل، وأهم المدن الأخرى، والمطارات العسكرية، وتنحصر المقاومة في مساحة 10% الباقية في ولاية دخشان، وكابيسا، وبروان، وباميان، وهي مناطق تسكنها الأقلية الطاجيكية، والهزارة، والشيعة بالترتيب.
قوات المعارضة بقيادة أحمد شاه مسعود، الذي يشكل وادي بنجشير معقله الأساسي، وكذلك قوات حزب الوحدة الشيعي في باميان، أعلنت استعدادها للمقاومة حتى آخر لحظة في هذه المناطق الجبلية التي يصعب التحرك فيها، خلافًا للمناطق السهلة التي سيطرت عليها طالبان مؤخرًا، وعلى هذا يبدو أن الحرب قد تستمر في أفغانستان بعض الوقت، وربما إلى أجل بعيد.
وتتمركز استراتيجية طالبان حاليًّا على إحكام سيطرتها على المناطق التي وقعت تحت حكمها مؤخرًا عبر جميع الأسلحة، وتصفية جيوب المقاومة وإزالة أي خطر للتمرد المسلح ضدها في هذه المناطق التي تعيش فيها أغلبية غير بشتونية مثل الأوزبك، والطاجيك، والهزارة، في حين يشكل البشتون 90% من حركة طالبان.
كما تحاول قوات طالبان التقدم نحو معاقل المعارضة في بانجشير، وبدخشان، وباميان بهدوء وبالتعاون مع قادة محليين وعلماء دين في تلك المناطق لسحب البساط من تحت أرجل قادة المقاومة وربما تسعى لكسب ود هذه العرقيات، وعدم إثارة حساسيات عرقية في تلك المناطق، لأن إثارة حساسيات عرقية قد تمهد لثورة مضادة سيما في حالة وجود دعم خارجي.
وسياسيًّا تسعى حركة طالبان لكسب الاعتراف الدولي، وقد تحركت في هذا الاتجاه وطلبت رسميًّا من الأمم المتحدة كرسي أفغانستان في المنظمة والاعتراف بحكومتهم، وإذا نجحت حركة طالبان في كسب الاعتراف الدولي فلا شك في أن الأوضاع ستسير نحو الاستقرار النسبي، ويبدأ الامتحان الحقيقي لطالبان في إدارة البلد، والتكيف مع المجتمع الدولي.
وعلى المستوى الإقليمي يبدي بعض المراقبين تخوفهم من مواجهة عسكرية إقليمية في أفغانستان في حالة تدخل عسكري من قبل أي دولة أخرى مثل إيران أو أوزبكستان أو روسيا، في ظل التصريحات وردود الأفعال الغاضبة التي تبديها هذه الدول، غير أن هذا الاحتمال يستبعده الكثير، ويرون أن جميع الدول تتجنب الوقوع في المستنقع الأفغاني بصورة مباشرة.
أما الصراع غير المباشر فسيستمر على المعترك الأفغاني بلاعبيه من الخارج والداخل، وعلى ما يبدو لن يكون تقدم طالبان الأخير نهاية المطاف.