العنوان حروب المياه... بين التهويل والتهوين.. سوء إدارة الموارد والمؤامرات الصهيونية تدفع نحوها
الكاتب صلاح الصيفي
تاريخ النشر السبت 31-مارس-2007
مشاهدات 72
نشر في العدد 1745
نشر في الصفحة 14
السبت 31-مارس-2007
«اليونيسكو»: ثلث أحواض الأنهار يتم تقاسمها بين أكثر من دولتين.. و15٪ من بلدان العالم تتلقى أكثر من 50% من مياهها من دول أخرى.. بما يهدد بتزايد النزاعات السياسية
مؤسسة «برايس –ووترهاوس- كوبرز» للاستشارات الدولية: 90% من دول المنطقة العربية من المناطق الجافة.. رغم امتلاكها 27 ألف كم من السواحل البحرية
حصة الفرد العربي من المياه في تراجع مستمر.. في عام 1996م كانت 1027م3 ثم انخفضت إلى 1000م3.. ومن المتوقع أن تتراجع إلى 464م3 بحلول عام 2025م!
فيما يعد بمنزلة حكم مستقبلي بالإعدام على الملايين من البشر، توقعت دراسة بريطانية أعدها خبراء من مركز هايدلي للتنبؤات المناخية والأبحاث، أن يتحول ثلث الكرة الأرضية إلى صحاري بفعل الجفاف و.....حياة الملايين من سكان كوكب الأرض معرضة للفناء.
ويحاول المختصون والمعنيون بقضايا الأرض لفت الانتباه العالم، وحكوماته بمناسبة اليوم العالمي للمياه 22/3/2007 إلى أن الأرض بكاملها ستكون مهددة بالعطش منتصف هذا القرن أي في عام 2050م؛ الأمر الذي يرجع لعدة أسباب، لعل أهمها الارتفاع المتزايد لسكان العالم، والتلوث، وسوء استخدام المياه خاصة في نظام الري، وبسبب درجة حرارة الأرض الآخذة في الارتفاع، وهو ما يسمى بظاهرة الاحتباس الحراري والتي تزيد من مساحات الجفاف والتصحر.
وربما ذلك هو ما دفع مؤسسة الاستشارات الدولية «برايس - ووترهاوس - كوبرز» للتأكيد على أن النزاعات ستزداد حدة بسبب نقص المياه، فيما حذر آخرون من أن العديد من الحوادث الحدودية المرتبطة بالمياه، قد تتحول إلى حروب مفتوحة بسبب النقص المتزايد في هذه الثروة الطبيعية.
العرب والمياه: حين نتكلم عن « ندرة المياه» أو «حروب المياه»، نتحدث أحيانا عن تلك الأمور وكأنها أمر بعيد عنا، مع أن كثيرًا من المؤشرات يؤكد أن الدول العربية مقدمة على خطر الشح المائي فـ 90٪ من المنطقة العربية من المناطق الجافة، ومع أن من الوطن العربي يمتلك 27 ألف كم من السواحل البحرية، إلا أن ثماني دول غير عربية تتحكم في 85٪ من الموارد المائية العربية.
كما أن هناك تراجعًا ملحوظًا في حصة الفرد العربي من المياه؛ إذ كان متوسط نصيبه يصل إلى 22800 سنويًّا في عام 1950م انخفض إلى 1027م3 في 1996 والآن أصبح أقل من 1000م3 سنويًّا، بينما يقترب مثيله الإفريقي من 5500م3، ، والأسيوي من 3500م3 سنويًّا، ومن المتوقع أن ينخفض متوسط نصيب الفرد العربي من المياه إلى 464م3 سنويًّا بحلول عام ٢٠٢٥م.
ويفتقر الوطن العربي بشكل عام إلى الموارد المائية الغزيرة باستثناء بعض الأنهار كالنيل ودجلة والفرات، وأدى وقوع جزء منه في المنطقة الجافة أو شبه الجافة من العالم إلى ندرة الموارد المائية لديه، ما دفع بعدد من دوله - ومنها دول الخليج - إلى الاعتماد الكبير على الموارد غير التقليدية، وأهمها تحلية المياه المالحة، ومعالجة مياه الصرف الصحي والزراعي.
نهر النيل وأزمات بلا حدود: ويندر أن توجد دولة عربية بمنأى عن ذلك، حتى مصر التي يحسدها الكثيرون على نهر النيل بحاجة إلى أكثر من 73 مليار متر مكعب من المياه لمشاريعها الزراعية التي تغطي 4% فقط من مساحة البلاد، ويقدر خبراء آخرون العجز في المياه الذي تعاني منه مصر بنحو 24 مليار متر مكعب سنويًّا.
وفي الوقت الذي يغطي فيه نهر النيل 95% من احتياجات مصر المائية، فإن هذا المورد يهدده العديد من الأخطار، وعندما كان الأمين العام السابق للأمم المتحدة بطرس بطرس غالي يتقلد أعلى المناصب في الخارجية المصرية حذر عام 1988م من أن النزاع المقبل في منطقتنا لن يدور حول السياسة بل حول مياه النيل.
وفي الوقت الحالي، هناك قلق مصري متزايد من مطالب بعض دول حوض النيل بمراجعة اتفاقيات تقاسم مياه النيل، وعندما أعلنت كينيا عام 2003م عن نيتها الانسحاب من معاهدة حوض النيل، بالتزامن مع إصدار البرلمان الكيني بيانًا يطلب من الحكومة إعادة التفاوض على معاهدة حوض النيل، وبالتزامن أيضًا مع انسحاب وزيرة المياه الكينية مارثا كاروا من مؤتمر وزراء الري الأفارقة في إثيوبيا، بشكل مفاجئ عائدة إلى بلادها (مع أنه كان من المقرر أن تصادق مع زملائها في دول حوض النيل على الوضع الراهن للمعاهدة).
عندما حدث ذلك، تخلت الدبلوماسية المصرية عن هدوئها المعهود ووصفت هذا الأمر بأنه «عمل خطير جدًّا يرقى إلى إعلان حرب»، ووجهت مصر تحذيرًّا قويًّا إلى كينيا، مؤكدة مرة أخرى أن انسحاب نيروبي المزمع من معاهدة حوض النيل يعد خرقًا للقانون الدولي وإعلان حرب.. كما أعلن وزير الري والموارد المائية المصري محمود أبو زيد في تصريح عنيف لا يخلو من التهديد «أنه لا يستطيع أحد منع مصر من أي إجراء تريد اتخاذه للدفاع عن نفسها».
الأنف الصهيونية
وتتزايد الأمور سوءًا في منطقة حوض النيل، في ظل ما هو معروف عن تغلغل الكيان الصهيوني في منطقة حوض النيل بهدف الضغط على صانع القرار المصري في ظل حساسية وخطورة ورقة المياه في الاستراتيجية المصرية.
وقد أصبح واضحًا من توقيت ظهور وإثارة الخلافات أن قضية مياه نهر النيل باتت ورقة سياسية تريد بعض القوى الإقليمية والدولية استخدامها للضغط ليس فقط على مصر، ولكن أيضا على السودان التقديم تنازلات في قضايا سياسية.
مياه لبنان
وفي منطقتنا العربية، أيضًا، يجب ألا ننسى الخلاف الصهيوني اللبناني حول نهر الحاصباني الذي ينبع في لبنان ويصب في نهر الأردن؛ إذ يتهم الكيان الصهيوني بيروت بتحويل مجراه.
وقد احتل الصهاينة بالفعل طوال 22 عاما شريطًا حدوديًّا في جنوب لبنان كان يضم نهر الحاصباني ورافده الوزاني، مع العلم بأن ثلثي المياه المستهلكة في الكيان يأتي من الأراضي المحتلة، بينما يقع قرابة النصف من المنشآت المائية الصهيونية في مناطق لم تكن ضمن حدود الدولة العبرية في 1967م.
بين التهويل والتهوين
تؤكد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونيسكو) أن ثلث أحواض الأنهار يتم تقاسمه بين أكثر من دولتين، كما يشير تقرير وزاري فرنسي إلى أن 15% من بلدان العالم تتلقى أكثر من 50% من مياهها من دول أخرى، وأن اثنين من أصل ثلاثة من الأنهار الكبرى أو الآبار الجوفية، أي أكثر من 30% في العالم يتم تقاسمها بين دول عدة، وهو ما يعد بيئة مواتية لنمو النزاعات.
ويؤكد الكثير من الخبراء أن بؤر التوتر الإقليمية المرتبطة بالسيطرة على المياه ستزداد مع تفاقم الجفاف في مختلف أنحاء العالم، وفي ظل الخلافات على الأنهر الحدودية أو العابرة للحدود أو الآبار الجوفية المشتركة التي ترفض الدول تقاسمها.
سوء إدارة المياه
ومع ذلك، فإن هناك الكثير من الخبراء الذين لا يستهان بآرائهم يرفضون ما يثار من تهويل حول «حروب المياه»، ويؤكد هؤلاء أن القول بأن حروب العالم المستقبلية ستقع بسبب المياه، وليس النفط هو تنبؤ مشؤوم استنبطته كل من وكالة الاستخبارات الأمريكية (CIA) ووزارة الدفاع البريطانية، وبعض المسؤولين في البنك الدولي.
ومن بين هؤلاء الخبراء البروفيسور أسيت بيسواس من مركز العالم الثالث من أجل إدارة المياه والحائز على جائزة ستوكهولم الدولية للمياه في العام 2006م الذي وصف هذا التهويل بأنه كلام فارغ، مؤكدًا أن مياه الكرة الأرضية تكفي البشرية 100 عام أخرى، وأن العالم لا يواجه أزمة مائية بسبب ندرة المياه الطبيعية، ولكنه يواجه أزمة سوء إدارة للمياه.
وهكذا، فإنه من الواضح أن هناك إدراكاً بأن المياه شحيحة بالفعل على الأقل في بعض المناطق، وستكون أكثر ندرة وحساسية، لكن هناك أيضا تفاؤل بأن التعاون الإقليمي سيحول دون النزاع وأن الحوار سينقذ الأجيال المقبلة من حروب متوقعة، مع عدم التهوين في الوقت ذاته من أن هناك مشكلة يواجهها العالم ويجب التصدي لها بغض النظر عن تسميتها ندرة مياه أو سوء إدارة للمياه.