العنوان من الحياة.. الآباء.. وأسرار الأبناء
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 23-ديسمبر-2006
مشاهدات 87
نشر في العدد 1732
نشر في الصفحة 58
السبت 23-ديسمبر-2006
كثيرًا ما يحار الآباء ويتساءلون عن أسرار أبنائهم أمن حقهم أن يعرفوها كلها؟ وهل يؤدي ذلك إلى فائدة أم يسبب أضرارا؟
وكثيرًا ما تسأل الأمهات. ومعروف أن الأولاد أكثر انفتاحا عليهن من الآباء. هل نخبر الأب بأسرار أولادنا التي علمناها أو التي صرحوا لنا بها؟
قبل أن أجيب عن هذه الأسئلة أريد أن أضع أمام القارئ موقفًا من الحياة، لأترك له الحكم، ومن ثم الإجابة عن هذه الأسئلة.
قال لي أحد الآباء ذات يوم: لقد زرقت الولد بعد طول انتظار كان ترتيبه الرابع بعد ثلاث بنات فهو. على حد وصف أبيه. ديك البرابر» و«آخر العنقود، لذا كان محور اهتمام الجميع.. تعود الا يرفض له طلب ومرت الأيام وكبر الأبن.. وذات يوم تأكدت أنه يدخن، وكانت الصدمة عندما أدركت أن زوجتي على علم بذلك، وصدمت أكثر عندما عاتبتها فأجابتني بافتخار: وإيه المشكلة؟! ابنك كبر وصار رجلًا، ودي علامة الرجولة!!..
واستطرد الأب قائلًا: لقد أيقظني هذا الحدث من غفلتي وغرقي في أعمالي
وانصرافي عن متابعة ابني وتربيته فاستدركت ذلك، وأخذت أتابعه، فكانت الكارثة!! لقد كثر تغيب ابني عن مدرسته وفصل عدة مرات، ورسب في معظم المقررات الدراسية، وكان وقع الكارثة أشد عندما اكتشفت أن زوجتي على علم بذلك أيضًا لكنها أخفته عني تحاشيًا لقسوتي على ابني ورفقًا بي لكثرة مشاغلي!!
قلت لهذا الأب المكلوم: يجب أن تجلس أولًا مع زوجتك جلسة أو أكثر، للتحاور الهادئ الموضوعي، بهدف الاجتماع على منهج تربوي يقوم على التنسيق بينكما وتوزيع الأدوار التربوية، وتجنب الاصطدام والتناقض والممارسات التربوية الخطأ، ولإقناعها بأن للأب دورًا تربويًا مهمًا لا يمكن تهميشه وتأكيد أن إفشاء السر أو كتمانه إنما يحدد في ضوء التوازن بين تحقيق المصلحة ودفع الضرر.
كان هذا الأب صديقًا لي، فرأيت أن من حقه عليَّ أن أتصل به في اليوم التالي للاطمئنان، فبادرني قائلًا: سبحان الله!! هممت أن أتصل بك الآن، أغثني أنا في ورطة!! ابني الآن في قسم الشرطة!! لقد تشاجر مع بعض رفاقه بسبب فتاة!! فسألت صديقي:
هل اطمأننت على سلامته الجسدية؟ قال: هو سليم والحمد لله. فقلت له: إذن تمهل، فاليوم الخميس وغدًا الجمعة، أرى أن تتركه هذين اليومين ليراجع نفسه، ولكن هل حاورت زوجتك في الأمر؟ قال: لا. قلت: إذن فاغتنم الفرصة وحبذا أن تبدأ هذه الليلة المباركة بقيام الليل مع زوجتك، ثم افتتحا الجلسة بتلاوة ما تيسر من القرآن وحبذا أن تتلوا معًا سورة لقمان ثم تدعوا الله تبارك وتعالى بالهداية لابنكما وإصلاح جميع أحواله، ثم ناقش معها الأمر.
اطمأننتُ في اليوم التالي على أن الأمور سارت بتوفيق الله كما يرام، وتابعت حال صديقي مع ابنه وزوجته فيما بعد، فلمست نعمة الله تبارك وتعالى عليهم جميعًا، وصلح أمر الابن.
أيتها الأم الحنونة... يجب أن تدركي أن التربية لا تتحقق بالعواطف فقط، وإنما الأمر يحتاج أحيانًا إلى حزم، كما يجب أن يكون الحنان معتدلًا، يحتاج إصلاح الانحراف أحيانًا إلى قسوة تربوية بضوابط، فتكون القسوة حينئذ هي الرحمة عينها، وما أعظم قول الشاعر في ذلك:
فقسا ليزدجروا وَمَنْ يَكُ راحمًا
فليقْسُ أحيانًا على من يرحم
اعلمي أيتها الأم الرحيمة أن تربية الأولاد تحتاج إلى تنسيق الجهود وتوزيع الأدوار مع زوجك، ونبذ الخلاف والتناقض واعلمي.. أيضًا - أن الأولاد أكثر التصاقًا بك، لأنهم يقضون الوقت الأطول معك، ومن ثم فأنت أعلم بأسرارهم من أبيهم، لذا ينبغي أن يكون الديك المعيار الذي تقدرين به إفشاء السر أو إخفاءه حسب الموازنة بين المصالح والأضرار فقد يكون في إخفاء السر ضرر، وهنالك يجب أن تصارحي به الأب، وقد يكون العكس.
وأنت أيها الأب الشديد، إذا أطلعتك زوجتك على سر من أسرار ابنك فإياك أن تشعره بأن أمه هي التي أفشت سره، لأن ذلك سيجعله حذرًا من الأم، وبذلك تُغلق أهم قنوات معرفتك بابنك، وحاول أن تجعل الرفق واللين لك منهجًا، إلا إذا استلزم الأمر العقاب، كترك الابن للصلاة والإصرار على ذلك: مروهم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر، وذلك بالطبع يكون بعد استنفاد أساليب الترغيب والثواب وسائر الأساليب التربوية التي تحبب الصلاة إلى نفس ابنك.
هل نربي أولادنا على كشف الأسرار؟
بيد أن خطرًا قد يترتب على تسريب الأم. لسر ابنها عندما تحكى لأبيه، فكثير من أولادنا أذكياء، ويستنتجون ذلك. ومن هنا يتساءل الآباء: هل تربي أولادنا على كشف الأسرار؟ أم تربيهم على كتمانها؟ ومتى يحفظ السرة ومتى يكشف؟
يرى التربويون أن حفظ السر قيمة تربوية عظيمة، لكنهم يرون أيضًا أن الأمور تقدر بأقدارها، بمعنى أنه لا يجب إفشاء السر أو إخفاؤه على الإطلاق، وإنما يتوقف ذلك على ما يترتب عليه من نفع أو ضرر، وأحيانًا يكون في الإفشاء أو الكتمان نفع وضرر في آن وهنالك يجب أن تعلم أولادنا أن يوازنوا بين حجم النفع والضرر، وأن يأخذوا في ذلك بالقاعدة الشرعية التي تقول: «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح".
ولمزيد من توضيح الأمر أعطي أمثلة: يكون إفشاء السر مفيدًا إذا تعلق بتقصير الأولاد في العبادة، أو بانخفاض معدل التلميذ الدراسي، أو بمشاجراته في المدرسة، أو بسلوك سيئ لا يزال يمارسه الابن أو البنت، فهنا يكون اطلاع الأب عليه مفيدًا للقيام بدوره التربوي. أما إذا كان إفشاء السر يتعلق بسلوك سلبي تاب الابن وأقلع عنه، أو طلب من الابن إفشاء سر صاحبه الذي استأمنه على سره، وكان إنشاؤه سيضر به أو بصاحبه فإن كتمان السر هنا يكون فيه الخير والنفع ودفع الضرر.
ويطيب لي أن أختم هذا المقال بمواقف تربوية للسلف، نتعلم منها كيف نربي أولادنا على كتمان السر.
أم سُليم وابنها أنس
روى البخاري أن رسول الله r بعث سيدنا أنس بن مالك في حاجة، فتأخر على أمه، ولما سألته عن الحاجة التي أخرته قال: «إنها سر» قالت: لا تحدثن بسر رسول الله r ولعلها - رضي الله عنها- أرادت أن تختبر ابنها في كتمان السر.
العباس وابنه عبد الله
وأورد الإمام الغزالي في الإحياء لما رأى العباس عمر بن الخطاب يقدم ابنه عبد الله ابن عباس على الأشياخ أوصى العباس ابنه قائلًا: "إني أرى هذا الرجل - أي عمر بن الخطاب - يقدمك على الأشياخ فاحفظ عني خمسًا: لا تفشين له سرًا....".
عتبة وابنه الوليد
وجاء في إحياء علوم الدين أيضًا أن معاوية بن أبي سفيان أسر إلى الوليد بن عتبة بحديث، فقال الوليد لأبيه عتبة: إن أمير المؤمنين أسر إلى حديثًا، وما أراه يطوي عنك ما بسطه إلى غيرك. أي لا يخفي عنك ما صرح به لي. فقال عتبة لابنه الوليد: فلا تحدثني به، فإن من كتم سره كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه قال الوليد فأتيت معاوية فأخبرته فقال: "يا وليد أعتقك أبوك من رق الخطأ فإفشاء السر خيانة".
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل