العنوان الوعي الحضاري.. قراءة في المفهوم والدلالة (2- 2)
الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني
تاريخ النشر السبت 02-سبتمبر-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1717
نشر في الصفحة 66
السبت 02-سبتمبر-2006
تحدثنا في الحلقة السابقة عن مصطلح «الوعي» وتطور دلالته عبر الأزمنة المختلفة، واليوم نتناول مصطلح «الحضارة».. هذا المصطلح من المصطلحات التي تختلف مدلولاتها من ثقافة إلى أخرى ومن تداولات تحكمها البيئات المختلفة.
فالحضارة في اللغة العربية مأخوذة من الحاضرة، وهي ضد البادية، وفي الإنجليزية civilization»» تعود إلى الجذر اللاتيني «civites» ويعني المدنية، فالمعنيان يتقاربان في اللغتين من حيث الجذر، إلا أن ابن خلدون، وهو من أوائل من استخدم هذا المصطلح جعل الحضارة هي: «غاية العمران ونهاية لعمره، وأنها مؤذنة بفساده» (۱)، فالحضارة عند ابن خلدون تعني غاية المبالغة في التحضر ونهاية عمر الترف المادي المؤذن بعدها بالانحطاط، وهذا المعنى يختلف مع المعنى الذي يقصده المعاصرون.
يقول ديورانت: «الحضارة نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة من إنتاجه الثقافي، وتتألف من أربعة عناصر: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون- وهي تبدأ حيث ينتهي الضطراب القلق».
أما المفكر الإسلامي مالك بن نبي فقد استطاع أن يعطي مفهومًا ديناميكيًا للحضارة، يتحدد في ضرورة «توافر مجموع الشروط الأخلاقية والمادية، التي تتيح المجتمع معين أن يقدم لكل فرد من أفراده في كل طور من أطوار وجوده، منذ الطفولة إلى الشيخوخة، المساعدة الضرورية له في هذا الطور أو ذاك من أطوار نموه» (۲).
وللمذهبية الإسلامية- التي ننظر من خلالها للكون والحياة- اهتمام شديد بمسألة التفريق بين المدينة والحضارة، فقد ذم الله عز وجل أممًا وأقوامًا قطعوا أشواطًا في العمران، واستخدام الموارد، وتصنيع الأدوات، لكن عتوهم عن أمر الله تعالى، وفساد مضامين نظمهم العمرانية تسبب في هلاكهم وإبادتهم- وفي هذا يقول الله عز وجل: ﴿ أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَاتِ ۖ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَٰكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ (سورة الروم آية: 9).
وقص علينا ما بلغه قوم ثمود من الارتقاء والقوة: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا ۖ فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (سورة الأعراف آية: 74) لكن القوم كفروا وأعرضوا عما قاله لهم أخوهم صالح، فكانت النتيجة أن أخذتهم الرجفة: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾ (سورة الأعراف آية: 78).
وفي المقابل فإن المدينة المنورة التي شهدت أول مجتمع إسلامي، لم تكن في أوضاعها المدنية تتجاوز ما عليه قرية صغيرة في أي بلد من بلدان العالم الثالث اليوم- لكن ذلك المجتمع كان حسب المقاييس المدنية- وهي شبه عامة- يشكل قمة التمدن والرقي الخلقي والسلوكي والعلائقي- ففي المجتمع المدني كانت الأهداف الكبرى واضحة، والغايات مشرقة، وقد بلغ من وضوحها وسيطرتها على النفوس أن كان المسلمون- حتى الأطفال- يتسابقون إلى نيل شرف الشهادة على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ، وكان من المسلمين من يعمل ويجتهد ليتصدق ببعض أجره في المساء (۳).
وخلاصة القول: إن مقصودنا من استخدام كلمة «الوعي» في سياق المفهوم الحضاري الشامل للمدينة يمكن تحديده بانه: «إدراك الفرد ومؤسسات المجتمع المختلفة لمسؤوليتهم الكبرى في بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة، والسعي في دفع عملية النهضة والتقدم المعنوي والمادي، من خلال إصلاح الفكر وترتيب العقل المسلم ابتداء».
الهوامش
(۱) مقدمة ابن خلدون 2/ 36.
(۲) مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي لمالك بن نبي ص ٥٠.
(۳) انظر: تجديد الوعي لبكار ص120- ١٢٦، ومقدمات للنهوض بالعمل الدعوي لبكار ص ٣٥٣.