العنوان التيار العلماني: من المآزق إلى المخارج (٦)- المخرج من مأزق «الموقف من الدين»
الكاتب بلال التليدي
تاريخ النشر السبت 29-سبتمبر-2007
مشاهدات 54
نشر في العدد 1771
نشر في الصفحة 66
السبت 29-سبتمبر-2007
(*) كاتب مغربي
لا ينبغي أن يتردد التيار العلماني بجميع أطيافه في الإقرار والاعتراف بالخطأ التاريخي الذي ارتكبه يوم جعل نفسه في موقع الخصومة مع الدين، ذلك أن هذا الموقف كان أكبر عائق في وجه توطين مفردات الهوية العلمانية وعلى رأسها قضية الحرية السياسية.
لا شك أن الاعتراف بهذه الخطأ التاريخي سيدفع نحو مراجعة كبرى لأطروحة التيار العلماني، غير أن هذه المراجعة لا ينبغي أن تسير في الاتجاه الذي سلكته بعض أطياف التوجه العلماني حين حادت عن المبدئية الفكرية واعتمدت المناورة أسلوبًا في درء مفاسد موقفها السابق من الدين، فبدل أن ينصرف الهم إلى تأسيس موقف فكري مبدئي يراجع التجربة السيئة للعلمانيين مع الدين ويؤسس لمفردات جديدة وقناعات تجد حدًا أدنى من المقبولية الجماهيرية راحت بعض الأطراف بانتهازية مكشوفة تناهض الدين باسم «الدين المستنير» وتناقض مقاصده باسم «الاعتدال» وتضرب في أركانه ومفاصله باسم «الانفتاح والتسامح».
لكن لمآزق الموقف من الدين أكثر من مخرج، وربما كان «لاهوت التحرير» من بين هذه المخارج التي تملك تجربة تاريخية وسياسية تؤكد قوتها وفعاليتها، ففي تجربة أمريكا اللاتينية وقع زواج فريد بين الماركسية والمسيحية، وصار الدين ليس أيديولوجية التحالف الطبقي كما هو التحديد الماركسي الأرثوذوكسي، وإنما صار خميرة للثورة، ومعاملًا أساسيًا في التغيير، أبدعت الثورة في أمريكا اللاتينية هذه الصبغة الفريدة التي يلعب فيها الدين دور المحرض الأيديولوجي ضد الظلم والاستبداد والقهر والتحالف الطبقي المسيطر.
يمكن أن نستفيد من هذا المخرج شيئًا واحدًا، لكنه غاية في الأهمية هو أن الدين ليس دائمًا أيديولوجية السلطة بل إنه وهذا هو الغالب والمطابق للتجربة العربية الإسلامية، يكون سلاح الجماعة في مقاومة الدولة إذا تغولت وحادت عن تحقيق العدل والشورى ورعاية حقوق العباد.
يمكن للعلمانيين أن يعيدوا قراءة التجربة اللاتينية، ويمكن أن يستفيدوا من أبعادها ودلالاتها، ويمكن أن يقرؤوا النجاح الذي حققته على مستوى الصلة بالجماهير والانغراس في صفوف الشعب، لكن حتمًا لا يمكن لكل ألوان الطيف العلماني أن تسلك هذا المسلك في مراجعة موقفها من الدين، فليس كل العلمانيين مهووسًا بالنظرية الثورية، يمكن للماركسيين أن تستهويهم هذه التجربة، ويمكن للقوميين مع بعض التحفظ أن يضعوا التجربة على محك النقد والمراجعة والاعتبار، لكن قطعًا هذه التجربة لن تستهوي الليبراليين الذين لم يضعوا الثورة يوما ما في أجندتهم، فكيف يمكن لهؤلاء أن يراجعوا موقفهم من الدين وبأية صيغة؟
ليس منتظرًا أن يتبنى الليبراليون الموقف نفسه الذي اتخذه الإسلاميون من الدين، لكن الاختلاف لا يعني أبدًا الضدية فهناك بدائل أخرى غير التناقض، ولا شك أن المغايرة في هذه القضية هي أفضل المخارج لحل مآزق الموقف من الدين، فماذا تقصد بالمغايرة؟
ما من شك أن الفكر العلماني ينزع على الأقل كما يزعم أصحابه إلى العقلانية والموضوعية، ويدفع في اتجاه تأسيس عقل علمي يتعامل مع الظواهر في ذاتها، ويفسرها بمبدأ السببية والعلية، ويرفض كل فكر ينطلق من خارج هذه الأرضية.
لذلك ليس من المقبول أن يكون في موقع المواجهة مع العقل الذي يتوسل قواعد المنهج لقراءة النص والواقع، ويتقصد في التنزيل مراعاة للمآلات والمصالح المعتبرة والمرسلة أحيانًا مثل هذا العقل يؤمن بالسببية ويزاوج بين المعرفة الكونية والمعرفة الشرعية ولا يقبل أن يكون فهم النص الشرعي معارضًا لأحكام العقل القطعية، ولا يطلب من الناس إقالة عقولهم كما يفعل العقل العرفاني.
ولذلك فمن منطق الأشياء أن يكون الجامع بين الفكر العلماني والفكر الإسلامي هو محاربة كل مسعى لاعقلاني يريد أن يتجاوز السنن الشرعية والكونية معًا.
مخرج ذكي لو أبصره العلمانيون لأدركوا أنهم والإسلاميين يمكن أن يجتمعوا على أكثر من صعيد، ليس أوله مناهضة التيارات الباطنية وفصائل الغلو والتطرف وليس آخره مجابهة الاستبداد والظلم السياسي.
طريق المغايرة، يحقق أكثر من مقصد يعفي العلمانيين من البقاء في موقع الهجوم على الدين والتدين، ويجعلهم في قلب المعركة مع الشعب إلى جانب الشرفاء ضد الظلم والاستبداد، ويؤسس لموقف فكري مبدئي يسمح بحد أدنى من التواصل مع الحركة الإسلامية.
حين يتبنى الطرح العلماني خيار المغايرة، يكون مبدئيًا مخلصًا لأفكاره، ويسمح للآخر أن يؤسس خطابه بخلفيته الفكرية، ولا يمانع في أن ينتج الآخر معرفته من داخل النص الشرعي، شريطة ألا تعارض قطعي العقول، وفوق ذلك لا يجد أي حرج في التعامل مع القيم التي أسستها نصوص الشرع ما دامت تحقق مقاصد دنيوية، فما الذي يمنع أن يكون الخطاب الديني وسيلة للتقليل من جملة من الأدواء الاجتماعية التي تتفق كل العقول على ضرورة إيجاد مخرج لها؟.