العنوان ديون مصر.. الحصار الاقتصادي الخبيث ضد الشعب المصري
الكاتب عبدالحي محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 28-يناير-1997
مشاهدات 69
نشر في العدد 1236
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 28-يناير-1997
مصر
عدا الديون العسكرية.. إجمالها يتعدى 230 مليار جنيه
- فوائد الديون الخارجية تبلغ 4 أضعاف دعم السلع الأساسية.. وجملة الأموال المخصصة للخدمات الصحية الاجتماعية تمثل سدس الأموال المخصصة لتسديد الديون.
- الدين المحلي يلتهم ٨٠٪ من الناتج القومي الإجمالي والتعامل الخاطئ مع الأزمة الاقتصادية أدى إلى ارتفاعه ليصل إلى ۱۳۲٫۷ مليار جنيه
لأن مصر قوة سياسية وثقافية واقتصادية وعسكرية ضخمة في الوطن العربي، وتولت مسؤوليتها تجاه أشقائها العرب والمسلمين على مدار التاريخ فقد عمل الاستعمار الغربي والأمريكي على تكبيلها بسلاسل الديون سواء كانت خارجية أو داخلية.. فلغة الأرقام تقول إن مديونية مصر تصل اليوم إلى أكثر من ۲۳۰ مليار جنيه، منها ۳۱٫۸ مليار دولار ديون خارجية، و ۱۲۲٫۸ مليار جنيه ديون محلية «عدا الديون العسكرية غير المعروفة»، وغالبية تلك الديون هي في الأصل فوائد لدين قليل لم يتم سداده، والأرقام تؤكد أن مصر تلهث يوميًا وتقتطع من قوت شعبها الكادح لا لتسد جزءًا من الدين، بل لتسد جزءًا من فوائده التي تراكمت، ففوائد الدين الخارجي تصل إلى 4 أضعاف دعم السلع الأساسية لشعب يصل متوسط دخل الفرد فيه سنويًا إلى ٧٥٠ دولارًا وهو دخل متدن للغاية، ولا تتجه الموازنة العامة للدولة لتوفير السلع والخدمات التي ارتفعت في مصر بصورة جنونية قد تصل في بعض السلع إلى 1200%، بل تتجه لخدمة جزء من أعباء الدين، هذا بالإضافة إلى أن المخصص للإنفاق على خدمات الصحة والتعليم والشباب والخدمات الاجتماعية يمثل سدس المخصص لتسديد الديون.!!
ومن جانبها لم تقدم الحكومات المصرية المتتالية منذ ثورة ٢٣ يوليو إلى اليوم حلولًا واقعية لحل مشكلة الديون، بل لم تجد إلا المواطن المصري لتذيقه مشقة وعذابًا جديدين، سواء بفرض ضرائب ورسوم تمغات وإتاوات استنزفت الكثير من طاقته، وبالتالي فقد أدى تفاقم أزمة الديون الداخلية والخارجية إلى حرمان المواطنين من متعة الحياة الحقيقية ذات الخدمات والأجور المعقولة، كما قيدت مصر كدولة قائدة بسلاسل، وحرمتها من حرية قرارها السياسي.
ديون مصر المعاصرة:
يتفق غالبية الاقتصاديين على أن مصر المعاصرة لم تعرف الديون الخارجية إلا مع ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٣م، حيث كانت قبل هذا التاريخ دائنة لبريطانيا بحوالي ٤٤٠ مليون جنيه إسترليني، أنفق معظمها رجال الثورة في سد العجز في ميزان المدفوعات المصري حينذاك وعندما نضبت الأرصدة الإسترلينية فقدت مصر بنضوبها موردًا احتياطيًا مهمًا كانت تلجأ إليه لتمويل الزيادة في وارداتها، وتمويل عجز ميزان مدفوعاتها، وضاعف من حرج الموقف أن نضوب تلك الأرصدة لم يتعاصر مع علاج اختلال التوازن بين الواردات والصادرات المصرية، والذي يتطابق مع عدم التوازن بين الاستثمارات المتحققة والمدخرات المحلية حينذاك، وكان الفشل في دفع معدل الادخار المحلي المصري، ومن ثم عدم تحجيم فجوة الموارد المحلية وما يناظرها من فجوة في العملات الأجنبية وراء نمو المديونية الخارجية للاقتصاد المصري، خاصة بعد انتهاء الخطة الخمسية الأولى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية ١٩٥٩ /١٩٦٠م-١٩٦٤ / ١٩٦٥م وحتى الآن.
ومهما يكن من أمر فإن القروض الخارجية التي استجلبتها مصر من الخارج، وما ترتب عليها من أعباء في العهد الناصري لم تكن تمثل ضغطًا مزعجًا للاقتصاد المصري، فقد كان معظمها يذهب لبناء المصانع وتقوية مشروعات البنية الأساسية، هذا بالإضافة إلى أن قدوة مصر على خدمة تلك الديون كانت قوية آنذاك بفضل ما شهدته هذه الفترة الناصرية من تحكم الدولة في قطاع التجارة الخارجية تصديرًا واستيرادًا، ومن ثم التحكم في طرق استخدامات النقد الأجنبي والرقابة على الصرف، وحينما مات جمال عبد الناصر كانت ديون مصر الخارجية في حدود معقولة وآمنة، حيث لم تتعد آنذاك ١.٦ بليون دولار، هذا بالإضافة إلى مدفوعات خدمة ذلك الدين والتي لم تتعد حينذاك ٢٨٥ مليون دولار، بيد أنه عندما دخلت مصر عصر الانفتاح الاقتصادي منذ منتصف السبعينيات فقد شهدت نموًا كبيرًا وغير عادي في عجز الحساب الجاري بميزان المدفوعات وهو عجز لم تشهد له مصر من قبل مثيلاً في تاريخها الحديث والمعاصر، وقد نما هذا العجز في ضوء السياسات الليبرالية المتطرفة التي أرستها توجهات الانفتاح الاقتصادي في قطاع التجارة الخارجية، وكانت دلالة هذا العجز تعني أن مصر أصبحت تستهلك وتستورد وتستثمر بشكل يفوق كثيرًا من حجم ما تنتج وتدخر وتصدر، وهو ما تبلور في وجود فجوة كبيرة في مواردها المحلية، وبالطبع فإن هذه الفجوة لم يتم تغطيتها بإنتاج أكثر، بل بالاستدانة الخارجية.
تسهيلات للاستعمار المالي:
والملاحظ أن رأس المال الدولي راح يستغل التسهيلات الانفتاحية والسخاء غير المتوقع في معاملته من جانب قادة الاقتصاد المصري في نهاية السبعينيات، وبدأ ينسج خيوطه العنكبوتية بشكل متأن حول الاقتصاد المصري من خلال قناتين أساسيتين:
القناة الأولى: تمثلت في ذلك التوغل غير العادي لفروع البنوك الأجنبية الدولية النشاط داخل الاقتصاد المصري، وبخاصة بعد أن تعاظم حجم تحويلات المصريين العاملين في الخارج حتى يمكنها الإفادة من تلك التحويلات من خلال تعبئتها وإعادة تحويلها لمراسليها في الخارج وقد حقق رأس المال الاحتكار العالمي في هذا المجال ضربة مهمة لأحد معالم اقتصاد مصر وذلك بعودة البنوك الأجنبية للعمل بمصر مرة أخرى بعد ستة عشر عامًا من تأميم وتمصير البنوك، وبضمانات وامتيازات لم تقرر لها حتى في عهد الامتيازات الأجنبية إبان عصر الاستعمار!! والدلالة الهامة لهذا التوغل الانتشاري لتلك البنوك الدولية هي فقدان الدولة ممثلة في بنكها المركزي الرقابة والتحكم في نشاط هذه البنوك، وحرمان الاقتصاد المصري من الإفادة من جانب كبير من العملات الأجنبية التي أصبحت تنساب إلى وخارج هذه البنوك، فضلاً عن الدور الذي تلعبه تلك البنوك في دعم الأنشطة الطفيلية للقطاع الخاص، ومنحه الفرصة لاستعادة دوره، وفتح الجسور معه للتعامل بحرية مع الاقتصاد الرأسمالي العالمي.
القناة الثانية: التي تمكن بها رأس المال الدولي من الالتفاف بشكل محكم حول الاقتصاد المصري فقد تمثلت في ذلك السخاء الاقتراضي الذي مارسته البنوك الدولية النشطة من خلال إغراق مصر في بحر عميق من الديون الخارجية القصيرة الأجل «التسهيلات المصرفية وتسهيلات الموردين»، وهي ديون عالية التكلفة ترتفع فيها أسعار الفائدة ولا توجد فيها فترة سماح، كما تتسم بقصر مدتها الزمنية، ومع ضعف سلطة الدولة في مجال التحكم في قطاع التجارة الخارجية، وفي ضوء التسهيلات غير العادية التي حدثت في مجال الاستيراد وحيازة النقد الأجنبي، وإشاعة جو محموم من الدعاية للاستهلاك الترفي، وفي ضوء الجمود الشديد الذي شهدته الصادرات المصرية، انفجر العجز في الميزان التجاري انفجارًا هائلاً في منتصف ونهاية السبعينيات، ولم يستطع انسياب الموارد الخارجية التي استمرت مصر تحصل عليها آنذاك من خلال الدعم العربي، والقروض والمساعدات العربية وغير العربية، لم يستطع هذا الانسياب أن يسد هذا العجز الهائل في الميزان التجاري، ولهذا فإنه في ظل هذا الوضع الذي تفاقمت فيه مشكلة النقد الأجنبي، وفي ظل التوجه الجديد للسياسات الاقتصادية فإن الحكومة المصرية فضلت أن تواجه هذا الموقف من خلال السير على طريق الاقتراض الخارجي القصير الأجل، وبمعدلات سريعة للغاية، وكانت ظروف الأسواق النقدية بالعالم الرأسمالي في حقبة السبعينيات تسمح بمثل هذا النوع من الافتراض بمعدلات مرتفعة للفائدة، ذلك أن هذه الأسواق كانت متخمة بالفوائض البترولية بعد إعادة تدويرها، كما كانت تعج بسيولة كبيرة من جراء موجات الركود التي سادت في الدولة الرأسمالية، وانخفاض الطلب على الاستثمار ناهيك عما راكمته هذه الأسواق من سيولة كبيرة يفعل نشاط الشركات الدولية، وأهم من هذا وذاك أن المسيطرين على هذه الأسواق كانوا ينظرون بعين الرضا على ما يجري على أرض مصر من الناحية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
ظاهرة مزعجة:
ويلفت د رمزي زكي- مستشار معهد التخطيط القومي المصري، وأبرز الاقتصاديين المصريين المتخصصين في قضية ديون مصر- انتباهنا إلى نقطة مهمة وخطيرة لم يلتفت إليها غالبية خبراء الاقتصاد المصريين ساعدت على تفاقم ديون مصر الخارجية وهي تتعلق بالأثر التراكمي الذي أحدثته أعباء خدمة الديون الخارجية لمصر على استمرار العجز بميزان المدفوعات، وتحول هذا العجز إلى آلية مستمرة، فبعد أن وصلت ديون مصر الخارجية إلى مستوى كبير في نهاية عهد السادات «٢٧.٦ مليار دولار» تحولت أعباء خدمتها لكي تصبح أحد العوامل المهمة في اختلال ميزان المدفوعات وسببًا جوهريًا في تفاقم أزمة النقد الأجنبي، ذلك أن فوائد الدين الخارجي تحولت لتصبح بندًا رئيسيًا في المدفوعات الجارية بالحساب الجاري لميزان المدفوعات وسببًا في تزايد عجزه، كما أن مدفوعات الأقساط تزايدت على نحو سريع وأصبحت أحد الأسباب الهيكلية في عدم توازن المعاملات الرأسمالية مع العالم الخارجي.
وعندما وصلت أعباء خدمة الديون الخارجية لمصر- والكلام ما زال للدكتور رمزي زكي- إلى هذا المستوى الحرج فإنها سببت إزعاجًا مستمرًا للمسؤولين المصريين، حيث أجبرهم هذا الوضع على الجري باستمرار وبشكل لاهث وراء أي مصدر يمكن أن يدر دخلًا أو إيرادًا بالنقد الأجنبي لمواجهة التزامات الديون الخارجية، وتلك هي الحالة التي وصلت إليها ديون مصر الخارجية حتى الآن.
والواضح للعيان أن ديون مصر الخارجية أصبحت تشكل مشكلة مقلقة لصانع القرار السياسي المصري منذ منتصف الثمانينيات وقيدت حركته الخارجية إلى حد كبير وظهرت معالم القيود التي سببتها الديون الخارجية على حرية اتخاذ القرار السياسي المصري بصورة واضحة عندما اختطفت الطائرات الأمريكية السفينة إكيلي لاورو عام ١٩٨٦م، ومثلت تلك الواقعة إهانة بالغة لمصر لم تقدم لها أمريكا اعتذارًا، كما اضطرت مصر إلى عقد اتفاق مجحف بينها وبين صندوق النقد الدولي أضر كثيرًا بالشعب المصري حتى لا يعلن عالميًا إفلاس مصر، واتخذت السياسة الخارجية المصرية مواقف مؤيدة دائمًا للسياسة الخارجية الأمريكية، وللأسف فإن مصر لم تنجح حتى بداية التسعينيات في تحسين اقتصادها لتسديد ديونها الخارجية، بل تفاقمت الديون ووصلت مع بداية عام ١٩٩٠م إلى ٥٠ مليار دولار.
ويعزي أحدث تقرير صدر عن وزارة الاقتصاد والتعاون الدولي ارتفاع الديون الخارجية المصرية إلى أسباب خارجية وداخلية، ذكر التقرير أن الأسباب الداخلية تمثلت فيما يلي:
- انخفاض معدل الادخار في مصر فالمعروف أن عملية التنمية الاقتصادية تحتاج إلى استثمارات سنوية لا تقل عن ٢٥% من الناتج القومي الإجمالي، ولما كانت معدلات الادخار في مصر تقل عن ٦% في أحسن التقديرات فقد تعين عليها الاقتراض من الخارج لتغطية العجز في المدخرات عن الاستثمارات.
- سوء استخدام القروض الخارجية، وقد تمثل ذلك في استخدام القروض الخارجية لتمويل الانخفاض في معدل الادخار المحلي بدلاً من زيادة معدلات الاستثمار القومي، وكذا انخفاض المستخدم من القروض للأغراض الإنتاجية.
- سوء الإدارة الاقتصادية وتمثل ذلك في التوسع في الإنفاق العام نتيجة للسياسات النقدية والمالية التي اتبعتها الدولة، فقد شهدت السنوات الأخيرة عجزًا مستمرًا في الموازنة العامة للدولة، حيث إن الأوعية الادخارية المحلية لم تكن كافية فتم الالتجاء إلى الاقتراض الأجنبي.
- العجز في ميزان المدفوعات والتي تمثل في نقص الموارد المتاحة للنقد الأجنبي، وهكذا نجد أن الدولة مضطرة إلى الاقتراض بالعملات الأجنبية لتغطية ذلك العجز.
- ضعف مناخ الاستثمار في مصر وهروب رأس المال إلى الخارج، والارتفاع غير الحقيقي في سعر الدولار، حيث شهد عقد الثمانينيات أحداثًا اقتصادية أو مالية أثرت تأثيرًا سلبيًا على المناخ العام للاستثمار في مصر، مثلما حدث لشركات توظيف الأموال، كما زادت حالات الإفلاس وتدهور أحجام المبيعات سواء في القطاع العام أو الخاص، إضافة إلى المصاعب المالية التي واجهتها البنوك المصرية، كما تم تقدير حجم الأموال المهربة للخارج بـ ١٠٠ مليار جنيه كما قال التقرير.
أما الأسباب الخارجية لتفاقم الديون الخارجية المصرية، فقد أرجعها التقرير إلى ما يلي:
- الركود الاقتصادي في الدول الصناعية الذي استمر طوال عقد الثمانينيات والتسعينيات مما أدى إلى تفاقم أزمة المديونية في العالم النامي بالإضافة إلى انخفاض طلب البلدان المتقدمة على صادرات الدول النامية من المنتجات الأولية، وكذا انخفاض أسعار البترول والمواد الأولية.
- الارتفاع الكبير في سعر الدولار الأمريكي فالمعروف أن۸۰% من القروض المصرية الخارجية تم التعاقد عليها بالدولار الأمريكي، ويقدر أن حوالي ٤٠ % من الارتفاع في معدل الديون يرجع إلى الارتفاع في قيمة الدولار الأمريكي.
- انخفاض معونات البلدان الصناعية لمصر، فإذا ما نظرنا إلى نصيب القروض الميسرة أو المعونات التي لا ترد من إجمالي قيمة القروض الأجنبية التي تحصل عليها مصر فسنجد أن نصيب المنح إلى القروض قد انخفض من ٤٣% إلى أقل من ٢٣.٥%.
- زيادة اعتماد مصر على القروض التجارية حيث اتجهت إليها منذ أواخر الستينيات وهي تختلف عن القروض الرسمية التي تمتاز بأسعار فائدة منخفضة ومدد سداد طويلة، وفترات سماح متزايدة، وأكثر من ذلك فإن البنوك العالمية قد أخذت بنظام أسعار الفائدة المتغيرة، وقد أخذت تلك الأسعار في الارتفاع، مما أدى إلى التراكم في أعباء خدمة الدين الخارجي.
تحسن طفيف:
والملاحظ أنه مع تولى حكومة د. كمال الجنزوري مسؤولية الحكم في مصر، فقد اتخذت إجراءات صارمة لترشيد الاستدانة الخارجية ووجهت جهدها لتخفيض العجز في ميزان المدفوعات المصري، وقد سبق هذا وتزامن معه أيضًا إسقاط جزء كبير من ديون مصر الخارجية، حيث قضى صندوق النقد الدولي بإسقاط ۱۲مليار دولار، كما التزمت دول نادي باريس بإسقاط٥٠% من ديونها المستحقة على مصر على ٣ دفعات بدأت بـ ١٥%، ثم ٢٠% والأخيرة تم إسقاطها بالفعل في أكتوبر الماضي، وقد ارتبط إسقاط تلك الديون بمشاركة مصر لأمريكا وقوات حلف الأطلنطي في حرب الخليج الثانية، وكذا التزامها بتنفيذ برامج الخصخصة التي تبشر بها أمريكا باعتبارها الحل لأزمات العالم الاقتصادية.
وعلى أي حال وطبقًا لتصريحات د. بطرس بطرس غالي- وزير شؤون مجلس الوزراء- للصحفيين إبان عقد مؤتمر القاهرة الاقتصادي في منتصف نوفمبر الماضي فإن ديون مصر تصل حاليًا ۳۱٫۸ مليار دولار، منها ۱۱.۸ مليون دولار فوائد أما قيمة الدين الحقيقية فهي ۲۰ مليار دولار فقط!! وأعلن د بطرس أن الديون الخارجية تلتهم حاليًا ٣٠% من الناتج القومي الإجمالي، وأن مصر حاليًا في مرحلة آمنة من مخاطرها، وتعمل بكل جهد لتخفيضها!!
كارثة الدين المحلي:
وإذا كانت الحكومة تسير نحو ترشيد وتخفيض مديونيتها الخارجية، فإن تعاملها مع ظاهرة الدين المحلي «أي مديونيتها تجاه بنك الاستثمار القومي ومديونية مؤسساتها، كالهيئة العامة للسلع التموينية، وأذونات الخزينة الموجهة لتمويل العجز في الموازنة العامة، والتي ظهرت وتفاقمت خلال السنوات الماضية ليس رشيدًا، الاقتصاديون يقدرون الدين المحلي على الحكومة بـ ۱۲۲٫۷ مليار جنيه، أي يصل إلى نسبة %۸۰ من الناتج المحلي الإجمالي المقدر حاليًا بـ ١٥٣,٤ مليار جنيه، وهي نسبة مرتفعة وباهظة جدًا وغير مقبولة في أي مكان في العالم بل هي أكثر من ضعف المعدلات التي تعتبر مقبولة عالميًا «النسبة المقبولة ٢٠% من الناتج المحلي الإجمالي»، وطبقًا لمشروع الموازنة العامة للدولة لعام ٩٥/١٩٩٦م فإن الحكومة المصرية رصدت ۲۲٫۸ مليار جنيه لمواجهة فوائد وأقساط القروض العامة المحلية والخارجية، منها ١٦,٣ مليار جنيه تم تخصيصها لأعباء خدمة الدين المحلي، يبلغ الموجه منها لتسديد الفوائد نحو 13.7 مليار جنيه، بينما يبلغ الموجه منها لتسديد الأقساط ٢,٣ مليار جنيه.
أداء ضعيف للحكومة
وينتقد بشدة د. جودة عبد الخالق- أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، وأمين عام اللجنة الاقتصادية لحزب التجمع- أداء وموقف الحكومة من الدين المحلي، مؤكدًا أن ما تتباهى به الحكومة من نجاحها في خفض نسبة عجز الموازنة العامة إلى حدود ٢-٣% من الناتج المحلي الإجمالي ليس صحيحًا وكاذًبا، حيث إن الحكومة لجأت إلى تمويل العجز في السنوات السابقة بالاقتراض، فارتفعت نسبة الدين الداخلي إلى حدود خطيرة، وبذلك فإن الحكومة على خلاف ما تدعيه لم تنجح في حل مشكلة عجز الموازنة العامة للدولة بقدر ما نجحت في ترحيل هذا الدين ليصبح كارثة وعيئًا على الأجيال القادمة.
ويشير د. جودة إلى أن القول بأن الدين العام الداخلي على عكس الدين العام الخارجي ليس عبئًا على الاقتصاد القومي، حيث يقتصر أثره على تحويل جزء من الدخل القومي من يد المقرضين إلى الدولة، فضلًا عن أنه يقابله في معظمه أصول في الثروة القومية التي استخدم هذا الدين في تمويلها، هذا القول كله ليس صحيحًا ومغلوطًا لأسباب عديدة منها:
- الزيادة الأكبر في الدين الداخلي حدثت في ظل البرنامج المسمى الإصلاح الاقتصادي، فقد ارتفع رصيد أذون الخزانة بنسبة ٨٨٠% بين عامي ١٩٩١ و١٩٩٤م، وترتب على ذلك ارتفاع سعر الفائدة ارتفاعًا كبيرًا «وصل عام ١٩٩٣م إلى٢٠%» وهذا أدى إلى عرقلة الإنتاج والاستثمار من ناحية، وإلى ارتفاع تكلفة خدمة الدين من ناحية أخرى، إذن هناك تكلفة اقتصادية تتمثل في الاستثمار الذي كان يمكن أن يحدث لو لم ترتفع أسعار الفائدة بسبب مغالاة الحكومة في طرح أذون خزانة، وهناك أيضًا تكلفة اجتماعية تتمثل في أن خدمة الدين تظهر في جانب الاستخدامات في الموازنة العامة للدولة «بنسبة ٢١%»، مما يستلزم الأمر تغطيتها بفرض ضرائب هي ضرائب غير مباشرة في الغالب، وبالتالي فإن هذا يتضمن إعادة توزيع الدخل من الفقراء ودافعي الضرائب إلى الأغنياء.
- بل إن الأمر أسوا من ذلك بكثير ويتضمن إعادة توزيع من المصريين إلى الأجانب، فطبقًا للبرنامج المسمى بالإصلاح الاقتصادي تم تحديد أسعار الفائدة وتحرير المعاملات الرأسمالية في ميزان المدفوعات أي السماح بدخول وخروج الأموال من مصر بلا قيود، والالتزام باستقرار سعر الصرف للجنيه «عند حوالي ٣.٤ جنيه للدولار».
وفي ظل هذه الإجراءات أدى دخول الحكومة مقترضة بطرح أذون الخزانة إلى ارتفاع شديد في سعر الفائدة على الجنيه، حتى وصل الفرق بين الفائدة على الجنيه والفائدة على الدولار في وقت من الأوقات «۹۲/ ۱۹۹۳م» إلى حوالي ۱۲-۱۳ نقطة مئوية «ليس۱۲-۱۳%» بل إلى نقطة مئوية: الفرق بين سعر الفائدة على الجنيه حوالي ۱۸-۱۹% وسعر الفائدة على الدولار «حوالي 5-6%»، وترتب على ارتفاع سعر الفائدة تدفقات كبيرة للأموال الساخنة «قصيرة الأجل أقل من سنة» من الخارج للإيداع في البنوك المصرية ولكي يحافظ البنك المركزي على سعر صرف الجنيه مستقرًا تدخل مشتريًا للنقد الأجنبي وبائعًا للجنيه، فزادت السيولة، وكي تمتص الحكومة السيولة تجنبًا للتضخم لجأت إلى طرح أذون خزانة بأكثر من حاجتها إلى سد عجز الموازنة بحوالي 70-75%، وقامت بإيداع ما يزيد على هذه الحاجة لدى البنك المركزي بسعر فائدة أقل بحوالي نقطتين عن سعر الاقتراض الأمر الذي يؤكد أن الحكومة كانت تتاجر في الخسارة لمصلحة أصحاب الأموال في الخارج والداخل، والضحية هو الشعب الفقير، والشباب دافعو الضرائب الذين حرموا فرصة عمل نتيجة التضحية بالاستثمار.
بيع القطاع العام لن يفيد:
ونتيجة للمأزق الذي تواجهه حاليًا الحكومة تجاه الدين المحلي فقد قررت بيع القطاع العام واستخدام حصيلته في سداد هذا الدين وليس في تمويل إقامة مشروعات استثمارية جديدة كما كانت تزعم ويتفق الاقتصاديون الوطنيون على رفض بيع القطاع العام لسداد الدين المحلي، ويرجعون أسباب رفضهم لعاملين مهمين وهما:
- أن سياسة الحكومة تلك تعتبر إهدارًا للطاقات الإنتاجية المملوكة للشعب لتمويل الإنفاق الجاري للحكومة وهذا خطأ كبير، بل خطيئة كبرى.
- إن هذا البيع لا يحل المشكلة، لأن الحكومة لم تعلن عن إجراءات تحول دون ظهور هذا الدين مرة أخرى فما زالت ترفض القيام بإصلاح ضريبي حقيقي، بل إن مشروع الخطة لعام ٩٦/ ۱۹۹۷م يتضمن زيادة الاستهلاك الحكومي بمعدل ٥,٩% مقابل زيادة في الناتج في حدود 5.7% فقط.
ما هو الحل؟
ويؤكد الاقتصاديون ويتفقون على أن مواجهة مصر لديونها الداخلية والخارجية في الفترة الحالية والقادمة يتطلب العمل بلا هوادة من أجل تخفيف حدة التبعية للغرب وإعادة النظر في مجمل سياسات الانفتاح الاقتصادي التي عمقت تلك التنمية، وضرورة وضع شعار الاعتماد على الذات موضع التطبيق الحقيقي من خلال تعبئة الفائض الاقتصادي الممكن واستخدامه استخدامًا رشيدًا، وفتح باب الاستثمارات بقوة أمام العرب ليفي كل ذلك بمتطلبات خدمة الديون المتراكمة، ودفع عجلات التنمية إلى الأمام هذا مع ضرورة تعديل النظام الضرائبي تعديلًا جذريًا، وعدم تشجيع الشعب على الاستهلاك الترفي، وزيادة معدلات الادخار لتصبح مقاربة لما هو موجود حاليًا في تايلاند أو ماليزيا، حيث تصل نسبة معدل الادخار فيهما ٣٤% بينما في مصر لم تتجاوز ٦%.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل