; سوريا.. قانون الطوارئ.. عدوان على الحريات وخرق للدستور | مجلة المجتمع

العنوان سوريا.. قانون الطوارئ.. عدوان على الحريات وخرق للدستور

الكاتب الطاهر إبراهيم

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 56

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 38

السبت 19-مايو-2001

ترتبت على احتكار حزب البعث للسلطة في سورية نتائج خطيرة، بعد أن أصبح المواطن يعيش همه اليومي غير معني بما يحصل في الوطن، وبعد أن تم تهميش كل القوى غير البعثية عن مراكز القرار، وبعد أن أصبح التصدي للعمل السياسي -من خارج حزب البعث- عملًا يكتنفه الخطر الكبير في ظل قانون الطوارئ المعمول به منذ انقلاب ١٩٦٣م الذي جاء بحزب البعث إلى السلطة. 

الأصل في قانون الطوارئ أنه استثناء من قاعدة تطبيق القانون الطبيعي، وهو ما تدل عليه كلمة «طوارئ»، بينما واقع الحال جعل قانون الطوارئ هو الأصل وغيره -إن وجد- هو الطارئ. 

وقد يحلو لبعض المستفيدين من حالة الطوارئ أن يذكرنا بأن قانون الطوارئ منصوص عليه في معظم -إن لم يكن كل- الدساتير في العالم، وهذه مغالطة مكشوفة، لأن هناك فارقًا بين تقنين حالة استثنائية لا تستعمل إلا عندما يتعرض الوطن للخطر، وأن تكون الحالة «الاستثنائية» هي الأصل. ومع أن الدستور المعمول به في سورية حاليًا قد فصل على مقاس حزب البعث، إلا أن قانون الطوارئ -المعمول به منذ اليوم الأول لتسلم حزب البعث للسلطة- جمد العمل بكثير من مواد الدستور الذي أقر بعد الاستفتاء عليه في عام ١٩٧٣م. كان من المفترض ألا يصدر أي قانون حتى يعرض على الدستور، وأن يعاد النظر بكل القوانين التي صدرت من قبل، وخصوصًا القوانين الاستثنائية، إن البعثيين السوريين كانوا يفخرون بأن فترة العقود الثلاثة الماضية كانت فترة استقرار وطيد، وهو استقرار بسبب القبضة الأمنية الشديدة كما نعلم، ولكن هذا الكلام يرتد إليهم، فمن المعلوم أن حالة الاستقرار تنفي الحاجة إلى القوانين الاستثنائية وبالتالي كان ينبغي وقف العمل بقانون الطوارئ، وسنحاول أن نلقي الضوء على الخروقات التي أصابت الدستور السوري بفعل العمل بقانون الطوارئ أو «الأحوال العرفية».

قراءة في الدستور

احتدم النقاش مؤخرًا بين مثقفين سوريين شعروا بأنهم أزيحوا إلى ظل الحياة السياسية والثقافية والفكرية، وبين أعضاء في قيادة حزب البعث نهضوا للدفاع عن موروث الفترة الماضية، بعد أن دفعتهم غريزة حب البقاء للتصدي لدعاة إحياء المجتمع المدني خشية أن يشكل هؤلاء بديلًا مقبولًا من السوريين الذين أقبلوا على هذه الدعوات بجماهيرية واضحة، سيما أنهم رفعوا اللافتات نفسها التي كان يرفعها البعثيون في الخمسينيات قبل وصولهم إلى الحكم، ومنها: توسيع مساحة الحرية، والإفساح في المجال للرأي الآخر، وتحقيق التعددية السياسية، وحرية تشكيل الأحزاب، والسماح بإصدار صحف لا تكون مملوكة للدولة، وقبل ذلك إلغاء قانون الطوارئ وكل القوانين الاستثنائية التي انبثقت منه، وجرت بين الطرفين -قيادات البعث ودعاة المجتمع المدني- مساجلات ساخنة وصلت إلى حد اتهام المثقفين بأنهم يريدون العودة إلى عصر الانقلابات وعهد الانتداب الأجنبي، وأن بعضهم على اتصال ببعض السفارات الأجنبية. وكان من جملة ما طالب به المثقفون الاحتكام إلى الدستور الذي سنه حزب البعث نفسه واستفتى عليه في عام ١٩٧٣م. وكان لا بد لنا من العودة إلى ذلك الدستور، واستعراض الممارسات التي استندت إلى قانون الطوارئ المطبق حاليًا فعليًّا -وليس صحيحًا أنه مجمد كما قيل- ومقابلة ذلك مع الدستور، ومع أن مواد مهمة في الدستور صيغت لترسخ سيطرة حزب البعث مثل: المادة (84) التي تجعل تحديد اسم المرشح لرئاسة الجمهورية مناطأ بالقيادة القطرية لحزب البعث حصرًا، فإننا سنقارن به وهو الذي فرضه حزب البعث ولم يفرض عليه.

أولًا: بالعودة إلى الفصل الرابع -الحريات والحقوق والواجبات العامة- نجد أن المادة (٢٥) من الدستور نصت في الفقرتين ١ و٢ منها على أن: «الحرية حق مقدس، وسيادة القانون مبدأ أساسي في المجتمع والدولة». كما نصت المادة (۲۸) في فقراتها ١ و ٢ و ٣ على أن: «كل متهم بريء حتى يدان بحكم قضائي مبرم، ولا يجوز تحري أحد أو توقيفه، إلا وفقًا للقانون -أي بموجب مذكرة رسمية موقعة من القاضي المدني- ولا يجوز تعذيب أحد جسديًّا أو معنويًّا، أو معاملته معاملة مهينة، ويحدد القانون عقاب من يفعل ذلك». كما أن المادة (۲۹) نصت على أنه: «لا جريمة، ولا عقوبة إلا بنص قانوني». ونصت المادة (۳۱) على أن: «المساكن مصونة لا يجوز دخولها أو تفتيشها إلا في الأحوال المبينة في القانون». 

وبمقابلة هذه المواد مع حالة الطوارئ، نجد أن أجهزة الأمن ومحاكم أمن الدولة لم تكن تتقيد بنصوص وروح هذه المواد وخصوصًا لجهة الاعتقالات التي كان تجري، أو المحاكمات التي كانت تتم بموجب قانون الطوارئ، حيث تم اعتقال الآلاف من المواطنين دون العودة إلى القاضي لاستصدار مذكرات توقيف، وأودع المعتقلون السجون لمدد زمنية طويلة دون محاکمات، بينما المادة (۲۹) أعلاه تمنع ذلك، ومنهم من تعرض للتعذيب، دون أن يخشى الذين مارسوا التعذيب أي مساءلة أو عقاب حسب نص المادة (۲۸)، كما أن أجهزة الأمن انتهكت حرمات بيوت المواطنين في مدن كاملة -كما حصل في حلب وحماة وإدلب عام ۱۹۸۰م- دون إذن من القاضي، علمًا بأن المادة ۳۱ أعلاه تحظر دخول المساكن أو تفتيشها إلا في أحوال مبينة في القانون، وأن يقترن ذلك بإذن موقع من القاضي. 

ويذكر في هذا السياق ما جرى لأعضاء مجالس النقابات المهنية الذين حاولوا أن يمارسوا الحق الذي كفله الدستور في المادة (۳۹) التي تجعل «للمواطنين حق الاجتماع والتظاهر سلميًّا»، فدعوا إلى الاعتصام في مباني النقابات يوم ٣١ مارس ۱۹۸۰م، مطالبين الحكومة بوقف العمل بقانون الطوارئ، وإطلاق سراح المعتقلين أو إحالتهم إلى محاكم مدنية، حسبما نصت عليه المادة (۲۸) من الدستور، وكان جزاء مطالبتهم بتطبيق الدستور أن اعتقلتهم أجهزة الأمن، وأودعوا السجون لمدة زادت على ١٢ عامًا دون أن يوجه لأحد منهم أي تهمة، بل لم يجر معهم أي تحقيق!

ثانيًا: الدستور وانتخاب أعضاء مجلس الشعب: 

نصت المادة (٢٥) في فقرتيها ٣ و٤ على أن: «المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات، وتكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين». كما نصت الفقرة ٢ من المادة (٥٠) على أن: «ينتخب أعضاء مجلس الشعب انتخابًا عامًّا وسريًّا ومباشرًا ومتساويًا وفقًا لأحكام قانون الانتخاب». ونصت المادة (٥٧) على أنه: «يجب أن يتضمن قانون الانتخاب نصوصًا تكفل حرية الناخبين في انتقاء ممثليهم، وعقاب العابثين بإرادة الناخبين». وإذا أردنا أن نطبق مجموع فقرات المواد٢٥ و ٥٠ و ٥٧ على ما كان يجري في سورية بشأن انتخاب أعضاء مجلس الشعب، فإننا سنجد أن «حزب البعث» قد ضرب بهذه المواد عرض الحائط حين جعل ثلثي أعضاء المجلس «وقفًا» على أعضائه وأحزاب الجبهة المتحالفة معه، وتتولى القيادة القطرية لحزب البعث انتقاءهم، ويعتبر هؤلاء ناجحين حكمًا قبل إجراء الاقتراع، فأين المساواة بين المواطنين، وأين مبدأ تكافؤ الفرص؟

ثالثًا: نصت المادة (٢٦) من الدستور على أنه: «لكل مواطن حق الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية». كما نصت المادة (۳۸) على أنه: «لكل مواطن الحق في أن يعرب عن رأيه بحرية وعلنية بالقول والكتابة، ووسائل التعبير الأخرى كافة». فأين تطبيق تلك المادة؟ لقد كان الأولى بأعضاء القيادة القطرية لحزب البعث أن تتسع صدورهم لآراء دعاة المجتمع المدني الذين أصدروا بيان الــ «99»، ووثيقة «الألف»، وطالبوا بالتعددية السياسية وتوسيع هامش الحرية حسبما ورد في الدستور، وأن يسعوا للحوار معهم، لأنهم إنما كانوا يعبرون عن رأيهم بطريقة ديمقراطية ومن خلال الحق الذي كفلته لهم المادة (۳۸) أعلاه، لكن تلك القيادة شنت هجومًا غير مبرر على أولئك المثقفين، ووصمتهم بالاتصال بجهات مشبوهة من خارج القطر!

رابعًا: نصت المادة (٤٣) من الدستور على أن: «القانون ينظم الجنسية العربية السورية ويضمن تسهيلات «للمغتربين». ولقد عاش عشرات الآلاف من المغتربين القسريين من السوريين دون أن يستطيعوا الحصول على وثائق نظامية حسب ما كفلته لهم المادة (٤٣) أعلاه. ولقد حاولت وزارة الخارجية مؤخرًا أن تستدرك هذا الأمر، فأصدرت تعميمًا في ١٧ فبراير الماضي يقضى بمنح جوازات سفر لجميع المواطنين المغتربين، ولكن من دون أن تنسى تعكير هذه المكرمة، بأن جعلت صلاحية جواز السفر لمدة سنة واحدة فقط خلافًا لتعليمات وزارة الداخلية التي تجعل صلاحية جوازات السفر ٦ سنوات، واشترطت أن يتعهد المواطن بالنزول إلى سورية لتسوية وضعه عند أجهزة الأمن، وإلا فلن تمدد له جواز سفره. 

ومن خلال استعراضنا السابق رأينا كيف أن قانون الطوارئ قد اغتال الدستور، وأجهض قدرة المواطن على العطاء والبناء، وعلى الدفاع عن الوطن الذي يعيش فيه. ولا بد من أن نشير هنا إلى التقصير الذي وقعت فيه مجالس الشعب المتعاقبة بعد اعتماد الدستور الحالي، لأنها فرطت في واجب أساسي يقع على عاتقها، وهو غربلة القوانين السارية وتنقيتها من المخالفات التي تصطدم مع نصوص الدستور، وذلك حسبما نصت المادة (١٥٣) من الدستور التي تدعو إلى تعديل القوانين بما يتلاءم مع نصوص الدستور. كما أن القضاة قد غيبوا عن أهم واجب كان يجب عليهم القيام به، ألا وهو إسقاط القوانين المخالفة للدستور، كما فعل أشقاؤهم القضاة المصريون عندما أسقطوا الكثير من القوانين غير الدستورية.

الرابط المختصر :