العنوان قراءة في "تنظيم الدولة الإسلامية".. شبهات حول التأسيس والهدف والوظيفة
الكاتب رأفت مرة
تاريخ النشر السبت 01-أغسطس-2015
مشاهدات 53
نشر في العدد 2086
نشر في الصفحة 28
السبت 01-أغسطس-2015
لم يحظَ تنظيم بهذا الكمّ من الجدل والنقاش والتشكيك بمثل ما حظي به تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام".
فهذا التنظيم تعرّض ولا يزال إلى أسئلة كثيرة حول نشأته وأهدافه ودوره ووظيفته وإمكانياته وتحالفاته، تظهر المكانة التي احتلها، والمراتب التي وصل إليها، وحجم التأييد والرفض الذي واجهه.
والمشكلة أن كل الأسئلة والنقاشات حول تنظيم "الدولة الإسلامية" كانت تزيد الموضوع غموضاً والمشهد تعقيداً، وذلك مرتبط بفكر التنظيم، وممارسات قياداته وأفعاله الميدانية وتصرفاته غير المفهومة.
ظروف النشأة
تنظيم "الدولة الإسلامية في العراق والشام" هو امتداد لتنظيم "القاعدة"، وهو نتاج من نتائجه، وإفراز من إفرازات هذا الفكر، وإفرازات الإستراتيجيات والتكتيكات التي استخدمها تنظيم "القاعدة"، وهو نتاج الصراعات السياسية في المنطقة والتحالفات والمصالح المركبة والتي كانت ولا تزال غامضة غموضاً شديداً.
ويعود تأسيس "تنظيم الدولة" إلى "جماعة التوحيد والجهاد" التي أسسها أبو مصعب الزرقاوي عام 2004م في العراق، والزرقاوي بايع الشيخ أسامة بن لادن، ثم أسس تنظيم "القاعدة في بلاد الرافدين"، لكن في عام 2006م قامت مجموعة من التنظيمات الإسلامية في العراق بتأسيس "مجلس شورى المجاهدين"، وفي العام نفسه أُنهيت أعمال هذا التنظيم، وتمّ تشكيل "دولة العراق الإسلامية"، وبويع أبو عمر البغدادي أميراً، حتى اغتالته طائرة أمريكية عام 2010م، فبويع أبو بكر البغدادي أميراً.
المعارك التي خاضها هذا التنظيم في العراق أثّرت عليه، فقُتل بعض قياداته وتشتّت وضع التنظيم، فحاول أبو بكر البغدادي إخضاع "جبهة النصرة" عام 2013م، إلا أن الجبهة رفضت، وأعلن أبو بكر البغدادي قيام تنظيم الدولة في العراق وسورية؛ وهو ما دفع الشيخ أيمن الظواهري إلى مباركة ذلك، لكنه عاد وتراجع، وأصرّ على أن حدود عمل التنظيم في العراق فقط، وليس في سورية، وهنا حصل شرخ كبير وصل إلى حدّ الصراع المسلح والتكفير والقتل والاغتيال بين أبناء الصف الواحد.
جاء تأسيس "تنظيم الدولة الإسلامية" في ظروف صعبة ومعقدة، فالعالم الإسلامي يمرّ بأزمات سياسية واجتماعية واقتصادية صعبة، والصراعات تنتشر في أكثر من دولة، والثورات العربية منتشرة في العراق وسورية وليبيا واليمن وتونس، وتهدّد بالتمدّد، والعراق يقع تحت الاحتلال الأمريكي المباشر، وهناك إقبال كبير من الجهاديين على أرض العراق لمقاتلة أمريكا وحلفائها، بدون أن تُعرف خلفيات هؤلاء وارتباطاتهم الأمنية.
وتحول العراق إلى ساحة للحرب والصدام، بين القوى الدولية والإقليمية، وأدت التركيبة السياسية والجغرافية والمذهبية دوراً في كل ما وقع هناك من أعمال عسكرية وسياسية، وساهمت قوى إقليمية في التأثير بمجرى الأحداث وفق مصالح متناقضة؛ ما أدى إلى مزيد من تعقيد المشهد.
أهداف التنظيم
رفع تنظيم الدولة هدف إقامة الدولة الإسلامية وتأسيس الخلافة في العراق وسورية، وبناء حكم إسلامي، وأعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة عام 2014م، غير أن هذا الإعلان – الدولة والخليفة - وُوجه بمعارضة المرجعيات الإسلامية والمؤسسات الدينية بشكل واسع، ولم يحظَ إلا بتأييد عدد من الذين يحملون أفكاراً مشابهة في أكثر من دولة.
واستطاع تنظيم الدولة استقطاب مجموعة من الكوادر البشرية من مختلف التخصصات، وساعده في ذلك أنه أصبح يمتلك مساحة واسعة من الأراضي، وقدرات عسكرية ومالية مهمة، وحظي بشيء من التأييد الشعبي في بعض مناطقه رغم وجود معارضة لفكره المتشدّد وأساليبه العنيفة.
مؤيدون ومعارضون
يرى المؤيدون أن الدولة الإسلامية أصبحت أمراً واقعاً، ولم تعد حلماً، وأنها صارت حالة قائمة بدولتها وعاصمتها وخليفتها ومؤسساتها العسكرية والأمنية والاقتصادية والتربوية، وأنها أرغمت دول العالم على التحالف ضدّها، وأنها رفعت اسم المسلمين عالياً ودافعت عن مصالحهم، وقاتلت أعداءهم، وتصدّت للمشروع الفارسي أو للخطر المذهبي، بعد أن انكفأ الآخرون من سلطات وحكام وفشلوا وتراجعوا.
ويرى هؤلاء أن "الدولة الإسلامية" استعادت أمجاد المسلمين، وهي تقاتل الغزو الصليبي والاحتلال الأمريكي، وحلفاء الكفار والمشركين، وهي تسعى لإقامة نظام العدل والأمان، وإعادة الناس لدينهم وشريعتهم.
ويعتقد هؤلاء أن "الدولة" نجحت في احتلال مساحات واسعة في العراق وسورية، وأسقطت الحدود، ووفرت حياة آمنة للأهالي، وسيطرت على أسلحة، وثأرت للشهداء والجرحى والأسرى والمعتقلين الذين قتلهم الأعداء.
ويعتبر هؤلاء أن التنظيم حقّق انتشاراً واسعاً في معظم بلاد العالم الإسلامي، وأنه تتم مبايعته في مصر والجزائر والمغرب.. وأنه يمتلك حرية التحرك في ليبيا وسيناء، ويسيطر على آبار نفط وحقول غاز، ويدير معابر حدودية، وله تأثير ضخم في وسائل الإعلام، وقادر على إقناع جزء من الجمهور.
في حين يعتبر خصوم "تنظيم الدولة" أنه أساء للإسلام، وشوّه صورته، وقدّم خدمة كبيرة للأعداء بسبب سلوكه العنيف القائم على القتل والذبح والإعدام.
ويعتقد هؤلاء أن "تنظيم الدولة" مرتبط ارتباطاً وثيقاً بأجهزة مخابرات دولية وإقليمية ومحلية تحرّك قياداته، وتوظف أعماله في خدمة مصالحها.
ويظن هؤلاء أن "تنظيم الدولة" قتل خيرة علماء المسلمين والدعاة إلى الله، وأعدم القادة العسكريين الميدانيين المعارضين للأنظمة، وحارب الثورات وصادر قرارها، وهجّر المسلمين، ودمّر ممتلكاتهم، وأصبح جسراً يعبر فوقه أعداء الأمّة الإسلامية من أجل إجهاض ثورات المنطقة وإحباط آمال شعوبها في الحرية والتنمية والديمقراطية والتطور.
ويدلّل هؤلاء أن "تنظيم الدولة" لم يقاتل نظام "بشار الأسد"، وأنه لم يقترب من مراكز ثقل النظام في العراق، ولم يقترب من التجمعات الشيعية الأساسية، وأنه بعد أن احتل الموصل في شهر يونيو عام 2014م وقف على مشارف بغداد فلم يواصل زحفه ضد نظام المالكي، ووقف على مشارف مدينة ديالى ذات الموقع الجغرافي المهم على حدود إيران.
ويقول هؤلاء أيضاً: إن هدف "تنظيم الدولة" هو الإساءة لصورة الإسلام والمسلمين، وتشويه صورة الدولة الإسلامية والخليفة تحديداً أمام العالم، في وقت كان يتقدّم فيه الإسلام، ويُقبل الناس على تعاليمه، وفي وقت كان العالم العربي يشهد ثورات أدت إلى وصول الإسلاميين للحكم في أكثر من مكان، فجاءت فكرة إنشاء "تنظيم الدولة" بهذا السلوك كي يبرّر تأسيس تحالف دولي يسعى إلى إدارة صراع سياسي عسكري فكري في المنطقة، يعيد رسم المنطقة على أسس جغرافية سكانية عسكرية اقتصادية جديدة، لا تسمح بقيام دولة إسلامية حقيقية، توفر الأمن والعدل والاستقرار والتنمية للشعوب، وتظل رهينة صراعات مسلحة، وتفكك اجتماعي وصدامات محلية.
أسئلة
بغض النظر عن آراء المؤيدين والمعارضين لـ "تنظيم الدولة"، فإن هناك مجموعة من القضايا التي ينبغي على تنظيم الدولة تقديم إجابات عنها:
1- لماذا لجأ "تنظيم الدولة" لهذا الكم من القتل والعنف والإعدام والذبح؟
2- ما علاقة "تنظيم الدولة" بالأطراف الدولية والإقليمية المؤثرة؟
3- ما موقف "تنظيم الدولة" من الثورات العربية والحكام ومخططات تقسيم المنطقة وإعادة رسمها؟
4- ما أسباب عدم قتال الأنظمة، خاصة في سورية، والتركيز على قتل معارضي النظام، والقضاء على الجيش الحر، وأسباب بيع النفط والغاز للنظام السوري؟
5- ما أسباب تركيز الهجمات على مناطق أهل السُّنة؟ وما أسباب شنّ الحروب من مناطقهم، وتصفية قياداتهم وعلمائهم، وتدمير مرافقهم ومساجدهم؟
6- ما مكانة فلسطين والقدس، ومواجهة الاحتلال الصهيوني في فكر التنظيم؟
خلاصة
بغض النظر عن آراء المؤيدين والمعارضين لـ "تنظيم الدولة"، فإننا أمام ظاهرة صعبة معقدة مركبة، لها تأثيرها، وفق عوامل الصراع القائمة، وهو مشروع يحمل نقاط غموض قدر ما يحمل من نقاط وضوح.
نحن أمام ظاهرة صعبة في مرحلة خطرة من مراحل الأمّة.. لكن ربما نكون أمام ظاهرة وظيفية تحمل بذور الصراع والأزمات، أكثر مما تحمل من بشائر الحلول.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل