العنوان أبو موسى الحريري «2» هل هو سلمان رشدي آخر؟
الكاتب د. سليمان البدر
تاريخ النشر الثلاثاء 30-مايو-1989
مشاهدات 64
نشر في العدد 918
نشر في الصفحة 50
الثلاثاء 30-مايو-1989
تعرضنا في العدد الماضي لجزء كبير من
مقدمة كتاب «أبو موسى الحريري» الموسوم: «قس ونبي».. واستبان للقارئ العديد من
المغالطات التي يحاول صاحب الكتاب من خلالها التشكيك في أصل دعوة سيد المرسلين
محمد صلى الله عليه وسلم كما يحاول أن يغمز من فكرة الوحي السماوي ويطعن بصحة
القرآن الكريم.
وفي هذا العدد سوف نتناول بعض ما جاء
في مقدمة الكتاب وبعض صفحات المتن في صفحاته الأولى.
إن من أخطر توجهات الكاتب التشكيك في
الوحي وليّ معاني الآيات القرآنية لتخدم غرضه، فهو يقول في المقدمة «لا بد أن يكون
الوحي اللاحق تذكرة للوحي السابق»، و يسرد بعض الآيات ليدلل على ذلك منها: ﴿
هَٰذَا ذِكْرٌ﴾(ص: ٤٩)، ﴿هَٰذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾
(الأنعام :٢٤) ﴿ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ﴾ (المدثر :٥٤) ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ
مُذَكِّرٌ﴾ (الغاشية :۲۱)، ﴿ فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا
إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ (يونس:٩٤)
ويقول إن «من قبل» تنبئ لا محالة عن واحد كان قبل النبي يقرأ عليه الكتاب و يهمس
في أذنه وحي الله من وراء ستار. وبذلك ينسف أبو موسى الحريري نزول وحي الرحمن على
عبده محمد «صلى الله عليه وسلم»، وإن ما كان يتلقاه محمد هو همس من القس ورقة بن
نوفل بعد أن يتلقى الوحي من الله أو يهمس بما جاء في كتب الأديان السابقة، وكأني
به يتقمص دور المشككين من أهل مكة في تلقي محمد رسول الله للوحي ولكن الله رد
عليهم في القرآن الكريم ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ
لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ وَلَقَدْ
نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَان الَّذِي
يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَان عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (النحل: ۱۰۲-۱۰۳)
في ص ١٦: يشير أبو موسى إلى أنه جاء في
سيرة ابن هشام أن ورقة «كان على دين موسى ثم صار على دين عيسى عليهما الصلاة
والسلام، أي كان يهوديًا ثم صار نصرانيًا » وهذا القول يعني أن ورقة كان يأخذ
بتعاليم موسى وعيسى معًا فيقيم التوراة والإنجيل معًا، وكان مقتصدًا في عقيدته لا
يغلو في نظرته إلى المسيح «ألوهية المسيح» ولا يقتصر على التوراة كاليهود الذين
ينكرون على عيسى نبوته». وفي نفس الوقت يتجه المؤلف إلى القول بعدم نبوة محمد صلى
الله عليه وسلم فيقول في صفحة ٦4/٦5 «والحقيقة أن القرآن المكي لا يسمي محمدًا
نبيًا بل «بشيرًا» و «نذيرًا» و «مبلغًا» رسالة ربه.. وهو ما يؤكد لنا أنه لا القس
ولا النبي استمتعا بالنبوة حسب مفهومها في العهد القديم. ويستمر المؤلف في قوله :
«في ظني أن نية القس كانت غير ذلك، ووعي محمد هو الآخر، في بدء أمره غير ادعاء
النبوة، والذي بدل المقاصد والنيات هو مصحف عثمان وكتبة السيرة، وكان قصد النبي
«هنا يقصد القس» أن يعلن محمدًا خليفته على جماعة مكة النصرانية وأدلتنا على ذلك
من سيرة القس والنبي بتمامها وكمالها، فالقس اختار محمدًا وتبناه، ثم زوجه خديجة،
على الطريقة النصرانية، ودربه على الصوم والصلاة في غار حراء وعلمه التوراة
والإنجيل
».
لقد أغفل المؤلف عامدًا متعمدًا تلك
الآيات الصريحة التي تضمنتها سورتا الأعراف والفرقان وهما مكيتان، وهي آيات صريحة
تدمغ قول المؤلف بالبهتان، ففي الآية ١٥٧ من الأعراف يقول الله تعالى ﴿ الَّذِينَ
يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا
عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ وفي الآية ١٥٨ نقرأ قوله سبحانه
وتعالى: ﴿ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي
يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أما في
سورة الفرقان، الآية ۳۱ فيذكر الله تبارك اسمه مطمئنا نبيه
محمدًا ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ ۗ
وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا﴾ (الفرقان: 31)
فهل بعد قول الله من يأتي ليقول بأن
كتبة السيرة أرادوا إبعاد الشك بنبوة محمد «فارجعوا الأدلة عليه إلى زمن آدم
وقرأوا اسمه في السماء تحت سدرة المنتهى ورأوا اسمه في التوراة والإنجيل» أليس في
هذا القول نكران صريح لآيات القران البينات؟
وفي صفحة ١٩ يؤكد الكاتب على أن
نصرانية القس ورقة وندمائه الثلاثة «عبيد الله بن جحش بن أميمة بنت عبد المطلب،
وعثمان بن الحويرث وخديجة بنت خويلد» تختلف عن نصرانية مقررات مجمع أورشليم
المنسوبة إلى يعقوب الرسول, فنصرانية يعقوب تؤمن بألوهية المسيح وببنوته لله
وتحتكم بأحكام الإنجيل وتعاليمه، وتعتقد بصلب عيسى وقيامه من بين الأموات، في حين
أن نصرانية القس ورقة وزملائه تنكر ألوهية المسيح وبنوته لله إنکارًا مباشرًا،
وترفض قيامته وصلبه رفضًا قاطعًا، وذلك على ما يظهر تبعا لشيعة في النصرانية معينة
أنتمي إليها القس ومعظم قبيلة قريش واعتنقوها وأقاموا فرائضها وموجباتها، وهي
الشيعة الأبيونية.
لقد أوردنا هذا الكلام لأن المؤلف سوف
يركز وفي الصفحات التالية على هذا المذهب، ومع ذلك من يستشهد بالإنجيل ويقارن بينه
وبين ما جاء في القرآن الكريم، وإن كان يخضع استشهاده لما فيه مصلحة في تدعيم قوله.
وبداية يشير إلى المذاهب والأحزاب
والشيع والفرق التي عرفت في النصارى من بني إسرائيل في مكة والحجاز وإشارات القرآن
لها، ويأتي بآيات قرآنية لإثبات قوله غير أن هذه الآيات لا علاقة لها بالموضوع،
فمثلا يورد في صفحة ٢٠ قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ
قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ (الأحزاب: ۲۲)، و يستنتج أن المؤمنين من أتباع محمد
لما رأوا الأحزاب «عند النصارى» بينما هذا النص وما قبله وما بعده يتعلق بالحرب
التي دارت بين المسلمين وكفار قريش ومن والأهم من القبائل في معركة عرفت باسم
«معركة الخندق»، فالأحزاب هنا هو تحالف القوى المضادة ضد المسلمين.
كما يورد قوله تعالى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ
أن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (طه:٩٤) ويجتزئ الآية لغرض في
نفسه وحتى ينسجها إلى خشية النبي أن يكون انتمى إلى حزب من أحزاب النصارى، أو أن
يكون قد ساهم في توسيع رقعة الخلاف بينها، بينما هذه الآيات تشير بوضوح إلى قصة
سيدنا موسى عليه السلام وتعنيفه لأخيه هارون الذي سمح لبني إسرائيل أن يصنعوا لهم
عجلًا جسدُا له خوار ويعبدوه على أنه إله موسى وإلههم، ثم رد هارون بهذا القول
تبرئة من موقفه هذا وبخاصة أنه لم يتبع موسى بل عصى أمره عندما ضل القوم أثناء
غيابه ومناجاته لله سبحانه وتلقيه الألواح.
ويورد المؤلف أيضًا أن القرآن أشار إلى
أن محمدًا كان يرفض أن يفرق بين الأحزاب، بل يريد لها السلم ويبغي توحيدها، ويورد،
تدعيمًا لهذا الرأي قوله سبحانه وتعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ (البقرة: ١٣٦، آل عمران: ٨٤) وأن أتباع محمد هم أيضًا:
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ
مِّنْهُمْ﴾ (النساء:١٥٢).
وهذا الاستشهاد مردود على المؤلف ذلك
لأنه يجتزئ الآيات ويضعها في غير موضعها، ويمكن الرد عليه بالقول أن ما ورد في
سورة البقرة، الآية ١٣٥، ١٣٦ يتعلق برده سبحانه وتعالى على دعوة المسلمين أن
يكونوا هودا أو نصارى، فالآية تنص على ما يلي: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أو
نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَأن
مِنَ الْمُشْرِكِينَ قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا
أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن
رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُسْلِمُونَ﴾ أما ما جاء في سورة آل عمران
الآية ٨٤ فينص على: ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا
أُنزِلَ عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ
وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ
لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ فأين هذه
الآيات من جرأته في التعرض لرسول الله الذي يسعى في نظره إلى المحافظة على وحدة ما
النصارى وكذلك نعته للمؤمنين أتباع محمد بالمحافظة على هذه الوحدة والسلام.
إن هذه الآيات صفة من صفات المؤمنين
بالله وبرسوله محمد بن عبدالله وهم الذين يؤمنون بالرسل أجمعين، ولم يميلوا إلى
اليهود أو النصارى، بل هم على ملة أبيهم إبراهيم، ولم يكونوا من شيعة أو هو حزب أو
فرقة نصرانية معينة، ومن المغالطة أن يورد نصًا من سورة النساء ويجتزئه ليعطي
المؤمنين صفة في غير محلها، فالنص الذي استشهد به وهو الآية ١٥٢ من سورة النساء
تتعلق في الذين كانوا من يريدون أن يفرقوا بين الله ورسله، ونصها هو ﴿وَالَّذِينَ
آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ
أُولَٰئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ ۗ وَكَأن اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾
فإيمانهم بالله ورسله يدعوهم إلى عدم التفرقة بين رسله ولا علاقة لهم بالفرق
والأحزاب والشيع النصرانية.
ومع دفاعه الشديد عن إبيونية القس ورقة
بن نوفل واستحضاره القرآن العربي «كما يسميه» والتاريخ الكنسي كشهود على الأحزاب
والفرق وتعاليمها، فإنه حين يعرفها للقارئ لا يستطيع أن يخفي ما يشوبها من كفر
وإلحاد وتحريف، فهو يقول في صفحة ٢١ عن الإبيونية، «وهي فئة من اليهود المتنصرين
التحقوا بالمسيح ورأوا فيه نبيًا عظيمًا من الأنبياء، لا يعترفون بألوهيته ولا
ببنوته لله، بل يقولون إنه رجل كسائر الرجال جاءه الوحي «الأمر الذي ينكره على
المصطفى محمد» بعد معموديته على يد يوحنا المعمدان، أو بالأحرى أن المسيح المبدأ
الأزلي دخل يسوع يوم عماده وفارقه يوم استشهاده، تقوم رسالته على التعليم والتبشير
دون الفداء والخلاص يقبل الإبيونيون إنجيل متى وحده، ويسمونه «الإنجيل بحسب
العبرانيين» وهو نفسه إنجيل متى الأرامي ولكنه ناقص ومحرف، ومزيف.... » ثم يستمر
في عرض فروض الإبيونيين من وضوء وتطهير واغتسال وتحريم الذبائح، والتشديد على
أعمال البر والاهتمام باليتامى والعناية بالفقراء والمساكين وأبناء السبيل.
ويشير المؤلف في صفحة ٢٣ إلى «أن ما
ظهر من أبيونية القس ورقة في حياته وممارساته الروحية وتعاليمه يدل على انتمائه
بالتأكيد إليها، فعدا عن تعاليمه التي نرى لها أثرًا واضحًا في القرآن عند كلامنا
على ذلك في الفصل الأخير، تتوقف الآن على ما عرف عنه من تحنثه في غار حراء مع عبد
المطلب وعثمان بن الحويرث وعبيد الله بن جحش وأبي أمية بن المغيرة وغيرهم، والتحنث
هو التحنف والتبرر والتعبد الليالي الطوال وإقامة أعمال البر والإحسان، وذلك يقوم
على الصيام شهرًا كاملًا في السنة وعلى إطعام الجياع والرأفة بالمساكين والانقطاع
إلى الله والتفكر فيه، ويقوم أيضًا على اعتزال عبادة الأوثان».
وإن كان لنا من تعليق هنا، فنشير إلى
جهله في فهم التحنث والتحنف فهو يرى أنهما يعنيان نفس الشيء، بينما التحنث هو
التعبد، أما التحنف فهو اعتزال عبادة الأصنام، أما هدفه من إيراد هذا القول فلكي
يقرر أن هذه العبادات لم تكن بعيدة عن النبي فهو أيضًا، كالقس ورقة، ومعه، تحنث في
غار حراء ومارس هذه الفرائض، ثم يعود في صفحة ٤٢ ليذكر إعداد القس ورقة لمحمد ليحمل «الرسالة المقررة» من خلال التدريب
المتواصل والتهيئة الباطنية، ويتم ذلك في «الخلوة في غار حراء» حيث يختلي القس
والنبي ليصليان وينقطعان عن الناس ويفكران بالله» .
ولإضفاء صفة العلم على القس ورقة بن
نوفل وتوجهه لدرس الكتاب وأخذه من التوراة والإنجيل ومن علماء النصارى يستشهد
المؤلف بآيات من القرآن الكريم، فيعتبر أن آية ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾
(آل عمران: 7، النساء: ١٦٢) وصفًا لعلماء النصارى، كما يستشهد بآية ﴿ وَأُولُو
الْعِلْمِ﴾ (آل عمران:۱۸)، ﴿وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾
والتي وردت في عدة سور في سياق آيات القران الكريم ليدلل على هذا الرأي، بل يزيد
في ذلك بقوله أن أصحاب الأعراف ما هم إلا رجال يعرفون الناس بوجوههم ويدركون عنهم
كل خفي مكنون هؤلاء هم العلماء العاملون الذين يرفعهم الله إليه كما يرفع المؤمنين
به: ﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ
دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ (المجادلة :١١). ولكن عندما
تستعيد هذه الآيات القرآنية الكريمة يتضح لنا تلاعب المؤلف بها من أجل خدمة غرضه،
فالله سبحانه وتعالى يقول في سورة آل عمران في الآية السابعة ما نصه: ﴿هُوَ
الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ
تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي
الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ
إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران:7) ولا يخفى على دارس القرآن أو قارئ له في
مسجد أو مدرسة معنى هذا النص الواضح الصريح فالراسخون في العلم ليسوا من أهل نصارى
مكة أو مشركيها أو أهل التوراة والإنجيل.
أما ما ورد في سورة النساء، في الآية
١٦٢ فهو يتصل بالآيات السابقة ١٥٩، ١٦٠، ١٦١ وتتعلق بالذين هادوا وما تعرضوا له من
عقاب الله بسبب ظلمهم وصدهم عن سبيل الله وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال
الناس بالباطل كما وعدهم الله بعذاب الآخرة، واستثنت الآية ١٦٢ منهم الراسخين في
العلم الذين شاركوا المؤمنين بالإيمان بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم
وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وآمنوا بالله واليوم الآخر، وهؤلاء ومعهم المؤمنون،
سيؤتيهم الله أجرًا عظيمًا.
فهل بعد ذلك تجد في هذه الآيات وصفا
العلماء النصارى؟ كذلك يمكن الرد على شهادة المؤلف بآية «أصحاب الأعراف» فالقارئ
لأبسط التفاسير يعلم ما المقصود بآية ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ ۚ وَعَلَى
الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ ۚ وَنَادَوْا أَصْحَابَ
الْجَنَّةِ أن سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۚ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ وَإِذَا
صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا
تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (الأعراف :٤٦ -٤٧) فكيف يجرؤ أبو موسى
الحريري ويجتزئ من الآية أو الآيات ما يشاء ويبشر أو يغير أو ينقص أو يزيد ليخدم
غرضه المريب؟ بل إنه يستشهد بالآية الحادية عشرة من سورة المجادلة ناقصة ليضعها في
غير موضعها وليوحي للقارئ أن المقصود بالذين أوتوا العلم هم علماء النصارى.
إن هذا السلوك من قبل المؤلف في
الاستشهاد بآيات من القرآن الكريم يكاد يغطي فصول كتابه حتى إنه ليجرؤ على القول
بأن «القس كأنه الخبير الحكيم الذي قصده القرآن العربي في قوله: ﴿الر ۚ كِتَابٌ
أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ (هود:۱۱)، ويسير المؤلف على نفس النهج عندما
يستشهد بالتوراة والإنجيل، الأمر الذي يؤدي في النهاية إلى بلبلة واضطراب لدى
القارئ، فيتابع هذا المؤلف معتقدًا بأنه على صواب فيما يقوله ويحلل من تعاليم
القرآن الكريم والكتب المقدسة الأخرى.
وإن لنا بإذن الله العودة لتكمل كشف
هذا السفه والافتراء الذي يتعرض له القرآن العظيم وتتعرض له عقيدتنا السمحة كما
جاءت إلينا في كتاب رب العالمين وعلى لسان سيد المرسلين وخاتم النبيين، والله
الموفق.