; صدام هو الحصار | مجلة المجتمع

العنوان صدام هو الحصار

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 12-يناير-1992

مشاهدات 71

نشر في العدد 984

نشر في الصفحة 4

الأحد 12-يناير-1992

أصبحت الأخبار الواردة عن معاناة الناس داخل العراق وتعرضهم للجوع والفاقة إثر الأحوال المضطربة هناك مادة يومية لوسائل الإعلام والصحافة.

وآخر هذه الأخبار تقول إن المواطن العراقي لا يكاد يجد ما يسد به جوعه وجوع أطفاله ونسائه وإن وجد طعامًا فثمنه غال جدًّا.

وقالت بعض الوكالات إن كيس الطحين يُباع بألف دينار عراقي (حوالي 200 دولار) والأرز بأكثر من ذلك، أما السكر فهو من الكماليات، واللحوم سلعة نادرة لا ينالها إلا أبناء السلطة.

وأصبح حليب الأطفال الذي جعله النظام العراقي فيما مضى خرقة يستر به عورة عدوانه على الكويت مشكلة حقيقية، وزادت وفيات الأطفال بسبب ذلك وبسبب التردي في العناية الصحية وسوء توزيع الأدوية والأجهزة وانتشار الجهل وانقطاع النواحي والمحافظات عن بعضها البعض.

وزاد من وطأة المأساة هذا الرعب المسيطر على مدن العراق وطرقه وشوارعه، فالنظام ما إن يفقد سيطرته على مدينة أو بلدة إلا ويعيدها إليه بشلال من الدماء، وما يكاد ينجح في ذلك حتى يفقد مدينة أخرى وهكذا لا تجف للعراقيين دماء.

وقد تابعت جهات عربية وإسلامية ودولية الأوضاع العراقية بحزن وقلق وإشفاق على هذا الشعب المنكوب بنظامه الوحش والمتسلط والذي تنتقل مأساته من درك إلى درك.

غير أن بعض هذه الجهات ما لبثت في الآونة الأخيرة تطالب برفع الحصار عن العراق- أي إيقاف العمل بالعقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على العراق منذ غزوه للكويت في أغسطس 1990- وتقول هذه الجهات: إن العقوبات تطحن شعب العراق وإنها تميت أطفاله وتذل رجاله ونساءه وتدمر اقتصاده وزراعته، وتقول أيضًا: إن الشعب العراقي لا ذنب له في قرارات النظام وتصرفاته وإنه يجب ألا يؤخذ 18 مليون عراقي بجريرة صدام حسين.

وبرزت نغمة هذه المطالبة بشكل أوضح خلال مؤتمر القمة الإسلامي الأخير في السنغال حين تحركت بعض الأطراف مطالبة إنقاذ شعب العراق من الحصار الاقتصادي الأميركي.

وبرغم أن مطالبات هؤلاء تبدو في الظاهر مشروعة وتحكي إشفاقهم وحرصهم على المواطن العراقي.. وبرغم أن بعض الجهات المنادية بذلك لا تفتقر إلى حسن النية والنظرة العمومية للحقائق، إلا أن هناك حقائق على أرض الواقع ينبغي على هؤلاء جميعًا التمعن فيها قبل المضي في مطالباتهم الساذجة.

أولها أن الأسلوب المتبع في العراق يحجر على كافة فئات الشعب الحصول على قوتها إلا بالتسليم يدًا بيد عن طريق ممثلي النظام، وهكذا فإن كافة المواد الغذائية الأساسية توجد في مخازن النظام في بغداد أو في المدن الرئيسية تحت الحراسة والسيطرة ويوزع منها للشعب بالقطارة، وفي الانتفاضة الشعبية التي تلت حرب تحرير الكويت هاجمت قوات المعارضة أول ما هاجمت هذه المخازن وفتحتها للناس.

ثاني هذه الحقائق أن توزيع الطعام والدواء والكساء يتم حسب المواصفات البعثية الحزبية الجائرة، أي إن الطعام يتوزع حسب مقاييس الولاء للنظام ولصدام حسين شخصيًّا، وتستولي الطغمة الحاكمة وجيوشها ومخابراتها على معظم ما يأتي للشعب ولا ينال المواطن العادي منه إلا الفتات.

ثالثها أن الطعام متوافر فعلًا في العراق حتى في الأوضاع الحالية، لكن الشريحة المحيطة بصدام تحتجزه لنفسها وتتاجر به في السوق السوداء وبأسعار باهظة محققة أرباحًا فاحشة، ولو شحن العالم للعراق نصف غلات الدنيا لاستولت عليه الفئة الحاكمة ولما وصلت منها للعراقيين البؤساء كسرة خبز.

فإلغاء العقوبات الاقتصادية لن يخفف مأساة العراقيين بل سيدعم مركز نظامهم.

رابع الحقائق أن الأمم المتحدة عرضت على صدام حسين فعلًا إرسال مواد غذائية ودوائية للعراق مجانًا شريطة أن تقوم فرق دولية بتوزيعها لتضمن وصولها للشعب، فرفض الطاغية ذلك بشدة بينما هو يتباكى على جوع شعبه وفاقة مواطنيه.

خامسًا: إن الأمم المتحدة عرضت على صدام حسين أيضًا أن يبيع ما يعادل 106 ملايين دولار من نفط العراق ليقوم صندوق مختص تحت إشرافها بتمويل الحاجات الغذائية والضرورية للعراق فرفض الطاغية أيضًا، مدعيًا أن ذلك إذلال لنظامه، بينما لو وضعت هذه الأموال بیده شخصيًّا لتفرقت بين جيوب الأقرباء وأجهزة القمع وأسلحة الموت والدمار.

سادس الحقائق أن صدام حسين نفسه يمارس حصارًا اقتصاديًّا داخليًّا ضد بعض المحافظات والأقاليم، وحتى هذه اللحظة يحاصر جنود الحرس الجمهوري العراقي كافة الطرق المؤدية إلى كردستان العراق، محاولين إهلاك مئات الآلاف من المسلمين الأكراد جوعًا وبردًا في قراهم الجبلية في فترة الشتاء الحالي.

إن العالم لا يحاصر شعب العراق، إن صدام حسين هو المحاصر الحقيقي ولن يختلف الأمر كثيرًا على العراقيين.. أرفعت العقوبات أم بقيت لأنهم أسرى جميعًا لدى النظام القمعي في بغداد!

سابع الحقائق أن معظم من ينادي برفع العقوبات الدولية هم من وقف تلك الوقفة المخزية تأييدًا لعدوان صدام حسين الظالم على الكويت، ومعظم من ينادون الآن بإنقاذ الشعب العراقي من الحصار والجوع لم يذرفوا دمعة واحدة على العراقيين أكرادًا في الشمال أو شيعة في الجنوب عندما سحقتهم جيوش صدام بالدبابات والمدفعية والغازات السامة.. فهل هم مع شعب العراق أم مع صدام وزمرته؟

ثم نتساءل: هل يطلب العالم الكثير من العراق مقابل رفع العقوبات؟

ما يريده العالم هو التزام عراقي بتنفيذ بنود وقف إطلاق النار في حرب تحرير الكويت والتي تعطي للعراقيين الفرصة لتصدير نفطهم وإزالة أسلحة الموت والدمار التي أهدرت أموالهم واستخدمت ضدهم قبل أن تستخدم ضد جيرانهم.

ولكن صدام يرفض الاستجابة.. وما يدفعه لذلك سوى المكابرة والغرور ومرض تضخم الذات والعزة بالإثم، ولا أدل على ذلك من حقيقة وجود أكثر من ألفي أسير كويتي وعربي في سجون الطاغية تم اختطافهم ظلمًا وبغيًّا من بيوتهم في الكويت، ولا يزال يعاند ويماطل في إطلاق سراحهم.

نقول: لا لرفع العقوبات عن النظام العراقي حتى يرعوي عن ظلمه وعدوانه ويعترف بخطئه ويعيد للمظلومين حقوقهم، ولو أدت هذه العقوبات لإسقاط الطاغية فإنها مطلب عراقي أيضًا؛ لأن العقوبات ليست هي الحصار بل صدام هو الحصار.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

581

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8