; الطرح الإسلامي والقضية الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان الطرح الإسلامي والقضية الفلسطينية

الكاتب إبراهيم طرابلسي

تاريخ النشر الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

مشاهدات 88

نشر في العدد 848

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 22-ديسمبر-1987

·        إسلامية القضية تستلزم أن يستشعر العاملون فيها أنهم مجاهدون في سبيل الله

إلى «عزيزتي المجتمع»

أكتب إليك وكلي أمل في أن يجد ما أكتبه طريقه إلى النشر، وهذا نابع من أن السؤال الذي طرحته «المجتمع» عنوانا لزاوية العدد الماضي «هل احتوت منظمة التحرير مجلة المجتمع؟» ما زال دون جواب، وكقارئ أقول بأني لم أعد مطمئنا إلى جواب قاطع بعد ما قرأته تحت هذا العنوان، ولا أدعي فيما أكتب تمثيل وجهة النظر الإسلامية الفلسطينية، لأن المجلة فتحت صدرها لكتابات ومقابلات عديدة دون أن تكلف نفسها مهمة دعوة من يعنيهم الأمر وإليهم يكال الاتهام بأن يعبروا عن وجهة نظرهم ويدافعوا عن أنفسهم.

ويبدو أن قلم التحرير حرصا منه على إنصاف وجهة نظر منظمة التحرير الفلسطينية من خلال الرد على رسالة عابرة كتبها الاخ أبو حفص من صوفيا قد تعجل فكتب ردا لا اظنه يمثل التوجه الحقيقي للمجلة بأصالتها الإسلامية والتزامها بالقضية الفلسطينية.

ولما كانت صفحة «عزيزتي المجتمع» لا تتسع لموضوع كبير كهذا فسوف أقتصر على مجرد لمسات لبعض جوانبه وهمسات في أذن «عزيزتي المجتمع»، خاصة وأن ساحة هذا الحوار هذه الأيام هي ساحة فعل لا ساحة قول ولا دعوى.

ركزت «المجتمع» في جوابها على رسالة الأخ أبي حفص على أن هناك نقطتي تباين في الموقف الإسلامي من طرح منظمة التحرير، الأول هو علمانية المنظمة والثاني هو موضوع التمثيل الفلسطيني، وبصرف النظر عن أن هذه هي نقاط الخلاف أم لا فإن المحرر قد عرض وجهة النظر الإسلامية بشكل مسطح لا يمثل التوجه الإسلامي الصحيح من هذا الموضوع. فالإسلاميون لا يختلفون مع أحد على وجود النصارى في أي إطار فلسطيني، وليس في أدبيات الحركة الإسلامية ولا في ممارساتها ما يشير إلى هذا الفهم، والإسلاميون لا يعتمدون الطرح الطائفي ولا المذهبي،  وتاريخ الحركة في مصر وسواها لم يسجل أي صراع طائفي فكري أو ميداني، حتى في لبنان بؤرة الصراع الطائفي بقيت الحركة الإسلامية بعيدة عنه كل البعد، وإذا كان الإسلاميون يعتمدون الإسلام كهوية وراية فليس معنى ذلك أنهم يتحركون من منطلق مناقض للمسيحية، وإنما هو طرح إيجابي يريد تصحيح محتوى القضية وحوافز العاملين فيها، ولاسيما حملة الأسماء الإسلامية الطنانة الذين تقاذفتهم التيارات الفكرية والسياسية ما بين أقصى اليمين وأقصى اليسار، فالإسلام محتوى وجوهر وليس مجرد شعارات للاستهلاك، والإسلاميون عندما ينادون بإسلامية القضية الفلسطينية فإنما يهدفون إلى أن يلتزم أصحاب القضية الإسلام عقيدة وسلوكًا وممارسة، سواء في الإطار السياسي أو الأخلاقي أو الجهادي، وذلك يستدعي أمورًا أهمها:

أن يمتلك العاملون في إطار القضية نظرية سياسية إسلامية نحو القضية الفلسطينية وأبعادها، ففلسطين أرض مباركة مقدسة، حررها الإسلام بآلاف الأنفس الزكية الطاهرة، مرة عندما دخل عمر بن الخطاب القدس صلحًا، ومرة حين حررها صلاح الدين من الغزو الصليبي، وقد اغتصبها اليهود في غفلة من العرب والمسلمين، وواجبنا تحريرها وإعادة أهلها إليها لتعود عربية إسلامية، وكل طرح غير هذا ليس مقبولًا من أي وعاء صدر، لنترك الأنظمة تناور وتحاول، وهي لن تحصل شيئًا، أما أن يتحول من نذروا أنفسهم للتحرير إلى مناورين ومهادنين فمعنى ذلك أنهم تحولوا «نظامًا» عربيًا آخر، وأنهم تعبوا ويريدون أن يحتلوا مقعدًا، في مؤتمر قمة أو مؤتمر دولي يرتاحون عليه.

وإسلامية القضية تستلزم أن يستشعر العاملون فيها أنهم مجاهدون في سبيل الله على أي ثغرة كانوا، سواء منهم السياسيون أو المقاتلون أو الإعلاميون أو العاملون في الحقل الاقتصادي، وإذا استشعر الإنسان هذه الروح فإنه يعيش شفافية المجاهد في كل لحظة من لحظات حياته وكل تصرف من تصرفاته، وعندها سوف يرفض البيروقراطية المتسلطة، وحياة المكاتب التي تعزله عن جماهيره، ويتحول إنسانًا يعيش لقضيته ويعمل لها، بعيدًا عن كل مظاهر الترف والأبهة والتعالي.

وإسلامية القضية تستدعي أن يصاغ المقاتل في هذا الميدان صياغة إسلامية جهادية خاصة، فهو يقاتل ليفوز بالجنة، وبالتالي ينبغي أن يحوز كل المقدمات التي تؤهله لهذه المرتبة، من عقيدة سليمة إلى سلوك نظيف إلى تربية على المثل العليا الإسلامية التي تجعل منه فدائيًا استشهاديًا يحرص على الموت كما يحرص بقية الناس على الحياة، يقولون إن هذه مهمة الدعاة إلى الله والمشايخ، ونجيب بأن هذا كلام نظري، والمجربون يقولون بأن كل عمليات التقويم أو الترميم تفشل أمام المغريات المغويات، وأمام السلطة المطلقة للأمراء «المسائيل» المحسوبين على هذا الاتجاه أو ذاك.

وأخيرًا.. فإن إسلامية القضية تقتضي إقامة علاقات منسقة مع المنظمات التحررية المشابهة ذات الطابع المشترك ولاسيما الإسلامية منها، وأن تتعاطف مع كافة حركات المضطهدين والمستضعفين في العالم الإسلامي على الصعد السياسية والجهادية، وتأتي في المقدمة حركة الجهاد الأفغاني، حيث مارس السوفيات استعمارًا عسكريًا وفكريًا كما مارس اليهود استعمارًا استيطانيًا في فلسطين.

هذه بعض معالم إسلامية القضية، وبالتالي فإن «الإسلامية» ليست شعارًا أو هتافًا أو موقفًا استعراضيًا أو انتماء طائفيًا- كما تصور المحرر- سامحه الله- وإنما هو التزام عقدي وسياسي وسلوكي بالإسلام، وهي مرتبة ينبغي أن نسعى إليها جميعًا من أجل الوصول إلى المستوى اللائق بمن يكتب الله على يديه شرف التحرير.

التمثيل الفلسطيني والعلاقة مع الإسلاميين

النقطة الثانية التي توقف عندها محرر «المجتمع» واعتبرها نقطة خلاف مع التيار الإسلامي هي تمثيل منظمة التحرير للشعب الفلسطيني، وهذه القضية لا أحسب أحدًا يثيرها في الإطار الإسلامي، اللهم إلا بعض الأنظمة التي تحاول إبراز قيادات بديلة لأغراض مختلفة، أما الإسلاميون- سواء كانوا داخل المنظمة أو خارجها- فلا أحد منهم ينازع المنظمة- ومجلسها الوطني والمركزي ولجنتها المركزية- هذا التمثيل، وإن كنت أرى انطلاقًا من وجهة نظر خاصة أن التمثيل في المنظمة والمؤسسات التابعة لها ينبغي تطويره ليكون أكثر مطابقة لتوجهات الشعب الفلسطيني، لأنه ما يزال حتى الآن تمثيلًا انتقائيًا تتحكم فيه عوامل وتوازنات إقليمية وسياسية ومزاجية أحيانًا.

أما عن ترحيب «أبو عمار» بالإسلاميين وحرص المنظمة على التعاون معهم كما ظهر في كلام المحرر ومقابلات سابقة أجرتها المجتمع مع عدد من المسؤولين، فأمر جديد، وقد تبلور منذ انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر وبرز مؤخرًا على لسان أبي عمار بالكويت وفي نداء حار أطلقه بعد انتفاضة الأرض المحتلة في مقابلة على الهواء أجرتها معه هيئة الإذاعة البريطانية، ولا أحسب الإسلاميين إلا يرحبون بهذه الدعوة، لكني أظن أنهم يريدون أن يطمئنوا إلى جديتها، فقد اعتادوا أن يكونوا الفئة الوحيدة المضطهدة، سواء كان ذلك في مخيمات الأردن قبل عام ۱۹۷۰ أو مخيمات لبنان وسوريا أو داخل الأرض المحتلة، ولا نريد هنا أن نفتح سجلات الماضي ولكن لابد من القول بأن فصائل المنظمة تحولت كلها- في بعض الأحيان والمواقع- أحزابًا يسارية، متجاوزة التزامها بقضيتها إلى مصالح وارتباطات حزبية، مما جعل علاقتها بقواعدها وبشعبها المسلم تتأثر سلبًا نتيجة هذا الاتجاه.

إن هذا لا يعني بحال من الأحوال تشكيكًا بتوجهات زعامة المنظمة، لكن الخوف هو من أن تكون هذه الرغبة هي مجرد عاطفة شخصية كانت وما تزال موجودة لدى الأخ أبو عمار، فدروس الماضي برهنت على أن هذه التوجهات كانت معكوسة لدى بعض القيادات، والإعلام- إعلام فتح في الماضي- كان أوضح مثال، قد يكون السبب في ذلك يعود إلى أن التوجه الإسلامي ليس له من يحميه ويدافع عنه سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، أو لأن الإسلاميين هم وحدهم من لا يحميهم نظام ولا يدافع عنهم محور إقليمي أو دولي، وهذه المعادلة ما تزال قائمة وستبقى إلى أن يشاء الله أمرًا آخر.

وعلى أي حال فإن التيار الإسلامي سيبقى وفيًا لقضيته ولكل العاملين الجادين فيها، سواء اختار العمل داخل إطار المنظمة أو بقي يعمل خارجها، وطبيعة العلاقة لابد لها من حوار طويل، جاد وصريح، وأن تؤتى البيوت من أبوابها وأن يتم التخاطب مع قيادات التيار الإسلامي، لا أن يقال بأن التيار الإسلامي ممثل في مؤسسات المنظمة وكفى (يراجع مقال توفيق أبو بكر بجريدة الوطن يوم 2/ 11/ 1987).

ختامًا، لابد من تقرير حقيق، هي أن أي إسلامي ملتزم بإسلامه لابد من أن يكون ملتزمًا بقضيته، قضية تحرير فلسطين، لأنه يعتبر ذلك واجبًا شرعيًا يأثم إذا تخلى عنه، وإذا كانت هناك أسباب موضوعية عزلت التيار الإسلامي عن ساحة المواجهة فإن الواجب يقضي بإزالة هذه الأسباب.. وساحة العمل واسعة، والصراع مع العدو مرير وطويل، والنصر معقود للمجاهدين الصادقين ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (النور: 55).

الرابط المختصر :