العنوان كانت حياته كلها كرامات.. وآخرها نيل الشهادة
الكاتب إيمان يس
تاريخ النشر السبت 18-أبريل-2009
مشاهدات 65
نشر في العدد 1848
نشر في الصفحة 36
السبت 18-أبريل-2009
في الذكرى الخامسة لاستشهاد الشيخ أحمد ياسين
يواصل «محسن أبو عيطة» الجزء الثاني والأخير من حديثه عن شيخ الشهداء أحمد ياسين؛ حيث كان أحد تلامذة الشيخ، وقد أكرمه الله -كما يقول- بمرافقته وخدمته في السجن لمدة خمسة أشهر.. وفي الذكرى الخامسة لاستشهاده يكشف أبو عيطة لـ «المجتمع» بعضًا من ذكريات مرافقته لشيخ الشهداء.. فإلى نص الحوار:
رفيق دربه يواصل سرد ذكرياته معه
محسن أبو عيطة لـ «المجتمع»:
كان صلبًا في الحق ولم يكن يغضب إلا لله.. وكان صاحب مبادرة وكلمة مسموعة إذا هدد أنجز وإذا وعد أوفى
صحيفة صهيونية: شيخ يتحرك على كرسي العجزة لكنه يتحرك عشرات الآلاف من الشباب بأصبعه الصغير
بعد خمس سنوات من رحيل الشيخ.. متى تذكره وتفتقده؟ ومتى تقتدي به؟
- أذكره كلما تذكرت السجن أو كلما ذكر اسمه، وأفتقده ونفتقده جميعًا كلما احتجنا لموقف قيادي، فقد كان وما زال المعيار لكل القيادات الإسلامية، فجميعنا نحاول أن نحاكي الشيخ، وعندما يجد أي منا مؤشرات ضعف يذكر نفسه وإخوانه قائلًا: رحم الله الشيخ، لو كان بيننا لما رضي بذلك، فعند المواقف التي نحتاج فيها لقائد عظيم الكل يتذكر الشيخ خاصة فيما يتعلق بالوحدة الوطنية، وحتى الذين ناصبوه العداء حين يمرون بمنعطف يتطلب موقفًا قياديًا لا يجدون أمامهم قدوة إلا الشيخ.
- كان الشيخ شخصية صلبة، فكيف أحبه الناس؟ وكيف كانوا يقبلون عليه؟
- صلابة الشيخ لم نرها إلا على أعداء الله، فقد كانت صلابة في الحق، ولم نره يغضب يومًا إلا لله، أذكر يوم أن جاءه رجل يستنجد به قائلًا: يا شيخ: فلان من عائلة كذا -وهي عائلة معروفة بالعربدة في غزة- أكل حقي وأخذ أرضي وطردني منها، فغضب غضبًا شديدًا وأرسل له عشرات الشباب وأنذروه بأن يخرج من الأرض في غضون ساعات.
وقد وصفته الصحف العبرية بقاضي قطاع غزة، فحتى العدو كان يعلم أن قطاع غزة محكوم بالشيخ، وأن معظم القضايا الكبرى المستعصية تحكم بخمس دقائق عند الشيخ أحمد ياسين.
أذكر أيضًا عندما اعتقل الشيخ كتبت إحدى الصحف العبرية تقول: «تم اعتقال الشيخ أحمد ياسين هذا الذي يبقى ٢٤ ساعة على كرسي العجزة لكنه بأصبعه الصغير يحرك عشرات الآلاف من الشباب».. فقد كان صاحب كلمة مسموعة إذا غضب عرف، وإذا هدد أنجز، وإذا وعد أوفى.
الشيخ في حلبة مصارعة!
- إذا، كيف لقبتم الشيخ بالأب الروحي لحركة حماس، وهو يتعامل بهذا الحزم؟
- ليس هناك تعارض، فقد كان –يرحمه الله- صاحب قلب رحيم، بل لعل رحمته بالضعفاء هي التي تدفعه لعدم التنازل عن حقهم، كذلك كان محبًا للدعابة وكما يقولون: «صاحب نكتة»، أذكر يومًا ونحن في السجن ودخل زميلنا الثالث في الزنزانة في مصارعة مع الشيخ، وأعد حلبة للمصارعة فيها خصم شرس اسمه الشيخ أحمد ياسين يقول بملء فيه: «لا أنت ولا عشرة مثلك يستطيعون أن يهزموني»!! فالشيخ كان يحارب بلسانه الذي لا يملك أن يحرك غيره!! والأمر الطريف في الموضوع أن هذا الشاب في يوم من الأيام وهو يصارع الشيخ تجرأ وقام بقضم أنفه!! فاستنكرت ذلك وقلت للشيخ: لا تلمه أنت الذي تركت له الحبل على الغارب وجرأته عليك فرد الشيخ مبتسمًا: «من كان عنده صبي فليتصابي».
مواقف وكرامات
- هذا عن علاقته بالناس، ولكن كيف كانت علاقته بالله ؟ وهل كانت له كرامات؟
- الشيخ يرحمه الله كانت حياته كلها كرامات، فحتى حصوله على وظيفة وهو مقعد كان كرامة من الله، وقصة توظيفه قد لا يعرفها الكثيرون، فهو عندما تقدم ليعمل بالتدريس عام ١٩٦٧م تم شطب اسمه فور إجراء المقابلة معه، ولكن سبحان الله المسؤول عن التعيين عندما رأى الاسم مشطوبًا تساءل: من شطب هذا الاسم ولماذا؟ فأجابوه: هذا لا يصلح فهو مقعد مشلول، فجن جنون الرجل وثارت ثائرته وقال: هذا أول شخص يجب أن يوظف على اللائحة!! بالطبع هذا الرجل لم يكن يعرف الشيخ وليس له أي علاقة به، لكن كان أحد أبنائه مقعدًا، وقد سخر الله للشيخ هذا الرجل كي يكون سببًا في توظيفه كي يفتح له بابًا للدعوة ولتربية أجيال.
كرامة أخرى رواها أخ كان مرافقًا للشيخ في السجن، يقول المرافق: كنا في جلسة ممازحة وسألت الشيخ: ماذا تتمنى أن تأكل من الفواكه؟ فأجاب: والله أتمنى المانجو، قلت له: يا شيخ سامحك الله، الذي يتمنى عليه أن يطلب شيئًا قريب المنال، فمن أين تأتي المانجو في وقت عز أن تجدها خارج السجن؟ وكانت المفاجأة في صبيحة اليوم التالي عندما خرج الشيخ مع مرافقيه فإذا بيهودي من المدنيين ينادي على الشاب المرافق للشيخ بصوت خافت، حيث إن قوات الاحتلال تفرض على الشيخ ومرافقيه عزلة، وتمنع اليهود من الكلام معهم، لكن هذا اليهودي كسر العزلة ونادى على الشاب قائلًا: تعال تعال، وعندما ذهب إليه بسرعة كي لا يراه أحد، فإذا به يدفع إليه بظرف قائلًا: خذ هذا للشيخ وسبحان الله كانت المفاجأة الكبرى عندما فتح هذا المظروف وإذا بداخله حبة مانجو كبيرة، وسبحان الله!!
أما آخر كراماته، فهي نيل الشهادة، فحياة حافلة بالجهاد حاشا لله أن تكون خاتمتها غير ذلك، فالشيخ كانت صحته تتردى وتوقفت كليتاه تمامًا، ودخل المستشفى، وكان الأطباء يقولون للمقربين له: عظم الله أجركم في الشيخ فهو يعد أيامه الأخيرة ربما لن يتجاوز الشهر، رغم ذلك أصر الشيخ على الخروج من المستشفى، فخرج والمحاليل معلقة في يديه، وأبى إلا أن يدخل المسجد الذي بدأ به مشوار حياته، وما هي إلا أيام حتى كانت الشهادة.
مأزق.. وفطنة بالغة
- عُرف الشيخ بحكمته السياسية وفطنته، فهل تذكر شيئًا من ذلك؟
- نعم، فاللسان الذي لم يعرف إلا حفظ القرآن وذكر الله وكلمة الحق، الذي كان يقلب به صفحات الكتاب، لا بد له أن يسعفه في مواقف الشدة، فلم تسجل عليه زلة سياسية أو فقهية، وأذكر يوم أن أراد أحد الصحفيين إحراج الشيخ فوجه له سؤالًا مباشرًا: هل تحب عرفات؟ وكان السؤال مفاجئًا للشيخ، فخرج من المأزق بطرفة أضحكت الجميع؛ فقال نعم، أنا أحب عرفات كثيرًا ولكن حبي للمزنر أكثر، ولمن لا يعرف فإن «غزة -عرفات -المزنر» هي أسماء لمحلات حلويات شرقية مشهورة، فقد سأله الصحفي عن الرئيس الراحل ياسر عرفات، لكن الشيخ أجابه عن الحلوى الشرقية، فجاءت بشكل طريف أضحك الجميع.
الشيخ المجدد
- كان يُطلق على الشيخ الشهيد لقب «المجدد»، فما سبب هذه التسمية؟
- الشيخ أحدث طفرة في الحركة الإسلامية، التي لم تكن تبني آمالًا على أن تقوم صحوة إسلامية من داخل فلسطين، وكانت ترى أن إنقاذ فلسطين سيأتي من الخارج عندما تصل الحركة إلى مرحلة من القوة تستطيع من خلالها التصدي للعدوان الصهيوني.. لكن الشيخ استطاع أن يبدأ هذه الحركة من الداخل لتخرج إلى النور، ثم أثير الجدل بعدها: هل تحمل هذه الحركة السلاح أم لا؟ وكثير من الآراء كانت تقول: لا، بذريعة أن القضية تحتاج إلى جهد وإعداد وثقل عالمي.. لكن الشيخ كان طفرة، وكان صاحب المبادرة، فأمر بتشكيل جهاز عسكري، وأذكر بعض الإخوان ما زالوا في السجون الصهيونية حتى الآن بتهمة تأسيس هذا الجهاز.
وقد بدأ الشيخ الجهاد بطرق بسيطة، فكان يجمع أعواد الثقاب ويضعها في مواسير حديدية من أجل أن يجاهد، والآن أصبحت الصواريخ تطلق ويصل مداها إلى عشرات الكيلومترات، فقد كان صاحب اجتهاد ولو لم يبدأ الشيخ اجتهاده لكنا ما زلنا نعيش أحلام الإعداد التربوي وننتظر أوهام أن تحدث تغييرات جذرية، لكنه بدأ مؤكدًا أن التربية تكون من خلال السياسة وفي ساحات الجهاد.
موقفه من الانتخابات
- نسمع كثيرًا مقولة أن الشيخ كان يرفض الخوض في السياسة، لكنك ذكرت أنه كان يرى أن التربية بالسياسة، فكيف ذلك؟
- لم يرفض الشيخ خوض أي مجال من مجالات الحياة، بل كان من أنصار أن يزاحم كل الساحات، وقد كنت عنده عندما استشاره بعض الإخوة في الخارج قائلين: يا شيخ لدينا مشكلة في انتخابات البلدية، وحركة فتح تطرح تقاسم الكراسي، وقد اختلفنا معهم أي الكراسي لنا وأيها لهم، فكانت إجابة الشيخ ما بالنا والكراسي؟ هل كان لنا موطئ قدم سابق في بلدية غزة؟! لندخل هذا العالم الغريب ولا يقف أمامنا خلاف على كرسي، ومن يكون نائبًا أو رئيس البلدية، ومن يكون النائب الأول أو النائب الثاني، لندخل هذا العالم وعندها سيكون لكل حادثة حديث.
كذلك عندما بدأ المعترك الأمني شكل جهازًا أمنيًا، وما كان يتراجع عن أمر إذا اقتنع بالفكرة، حتى لو لم يكن يملك تمويلًا لها، وكان دائمًا يقول: أنت عازم على الأمر، ونيتك وهجرتك صادقة لله، إذا فتوكل على الله، وعندما كان يطرح أمامه أي مشروع يقول: توكل على الله إذا صدق العزم وضح السبيل.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل