العنوان لقد ربح البيع
الكاتب أ. د. عبد المنعم الطائي
تاريخ النشر السبت 12-يوليو-2008
مشاهدات 100
نشر في العدد 1810
نشر في الصفحة 66
السبت 12-يوليو-2008
يعتمد القرآن الكريم والسنة النبوية أحيانًا مفردات البيع والشراء في قضية الانتماء الديني، بعد رفعها من عالم الأشياء إلى فضاء العقائد والأفكار.. ونستمع إلى رسول الله وهو يقول لصهيب الرومي الذي بذل أمواله في سبيل الله، (لقد ربح البيع).. ونقرأ في كتاب الله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۚ ﴾ (النساء: ٧٤) ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ۗ ﴾ (البقرة: ۲۰۷)،﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ ۚ﴾ (التوبة:۱۱۱)، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾(البقرة: ١٦)، ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ ۖ﴾(البقرة:٨٦)،﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ﴾(البقرة: ۹۰)، ﴿إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ لَن يَضُرُوا اللَّهَ شَيْئًا ﴾ (آل عمران: ۱۷۷)، ﴿ولا تشتروا بآياتي ثمنا قليلًا وإياي فَاتَّقُون﴾(البقرة:41)، ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثمَنَّا قَلِيلا﴾ (النحل: ٩٥).
ونجد أنفسنا ونحن نعاين المنظور الإسلامي للمسألة أمام مستويين المستوى الأول معني بالشهادة في سبيل الله، وهي قمة الصفقات التي يتحقق معها للإنسان الريح الأكبر.. أما المستوى الثاني الذي أريد أن أقف عنده في هذا المقال فيتعلق بالتعامل مع المفردات الإسلامية على إطلاقها.
ذلك أن التزام المسلم بأية مفردة من مفردات دينه على الوجه المطلوب، ينطوي بالضرورة على صفقة رابحة بالمعيارين الدنيوي والأخروي معًا. فليس ثمة حلقة أو ممارسة في هذا الدين، عقدية، أم تشريعية أم تعبدية، أم سلوكية، إلا وهي تعد بالربح الوفير والمردود السخي في الدنيا والآخرة.. والذكي من يعرف كيف يتعامل مع الظاهرة ويكسب الصفقة.
إن الصلاة نفسها، هذه التي توحي بأنها سلة روحية مجردة بين العبد وربه، تنطوي على مردود دنيوي مترع بالفوائد والمصالح.. إنها على المستوى الصحي، ترغمنا على أن تتحرك، ونحن نتجه إلى المساجد مرات عديدة ذهابًا وإيابًا، أو ونحن نؤدي الصلاة وفق حركة رياضية مرسومة يعرفها الأطباء جيدًا كما أنها ضرورية للإنسان بين الحين والحين.. وهي على المستوى النفسي محطات للاسترخاء (الريلاكس) وترك العمل وما ينطوي عليه من شد ذهني ونفسي وجسدي، دقائق معدودة تمكن الإنسان من استئناف نشاطه بعد أن يكون قد استجم إلى العطب، فإن علينا قليلا.. ونحن نتذكر جميعا النتيجة التي خلص إليها العالم الأمريكي (ديل كارنيجي) في كتابه المعروف (دع القلق وابدأ الحياة) وهي، أننا إذا أردنا أن نطيل أعمارنا. هكذا يقول. وأن نحافظ على صحتنا سوية، ونحمي قلوبنا من الإجهاد المتواصل الذي قد يقودها كلما بلغنا حافة الإعياء، أن تكف عن العمل، وأن تسترخي دقائق معدودات.
على المستوى الاجتماعي تبدو الصلاة فرصة رائعة لتعميق التعارف بين أبناء الحي الواحد، أو الأحياء المتجاورة وتوثيق علاقاتهم الاجتماعية بكل ما ينطوي عليه ذلك من مردود لكل الأطراف.
وما يقال عن الصلاة يمكن أن يقال عن الصوم الذي تلتقي عنده منافع الروح والجسد على السواء، أو الحج الذي يتجاوز حدوده التعبدية الصرفة لكي يغدو مؤتمرًا عاما تجتمع عنده النخب والقيادات الإسلامية لتبادل الرأي في شؤون الأمة وهمومها.
المفردات كثيرة، وكلها صممت لكيلا يكون في نسيجها أي تعارض أو تضاد، بأية درجة كانت بين الروحي والجسدي، وبين التعبدي والمنفعي؛ لأنها من تصميم الله سبحانه القائل في محكم كتابه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: 14).
إنها صفقة رابحة بكل ما في الكلمة من معنى، ويأسف الإنسان لأولئك المفضلين الذين فوتوا الفرصة على أنفسهم...
وها هنا تلح عليَّ مسألة تبرج المرأة باعتبارها صفقة خاسرة بكل المعايير.. إنها تحوّل جسدها إلى سلعة رخيصة، قد تقود معظم الباحثين عن الزواج إلى النفور منها، والبحث عن الفتاة المحجبة التي هي أصلح بكثير للسكن والذرية الصالحة اللذين هما هدف الزواج.. إنها بتبرجها قد تخسر فرصتها في الزواج، وهي خسارة لا تكاد تذكر إزاء الخسارة الكبرى يوم الحساب، إذ يكتب عليها ألا تشم رائحة الجنة على مسافة سبعين خريفا .. وهو عقاب مرعب لا يحتاج إلا إلى قدر محدود من الذكاء لتجاوز ويلاته.. ولكن أين القلوب التي تحس والعقول التي ترى؟
وثمة أخيرًا وليس آخرًا ما كنت أقوله دائمًا لطالباتي في الجامعة إن التي اعتادت ألا تأتي إلى الجامعة إلا بعد أن تضع المكياج على وجهها، إنما تلحق بنفسها من حيث تدري أو لا تدري أكثر من خسارة...
إنها تخسر ما يقرب من نصف ساعة يوميا، كان يمكن أن تعينها على الدرس.
وتخسر مبلغًا من المال، هو قيمة هذا الذي تنفقه على تزينها.. وتخسر صحتها بهذا الكم اليومي الكبير المسفوح على وجهها وهو كله من المستحضرات الكيماوية التي يحذر منها الأطباء، والتي تقود البشرة إلى التغضن في فترة مبكرة..
ثم.. وهذه هي الخسارة الكبرى.. إنها وقد تعطرت للآخرين سيكتب عليها ألا تشم رائحة الجنة على مسافة سبعين خريفا بالمعيار الزمني الكوني، وليس الأرضي بطبيعة الحال.. فأية صفقة بائسة هذه؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل