العنوان فرنسا.. هل توقف سياسة هز الصليب في المنطقة
الكاتب أحمد رمضان
تاريخ النشر الثلاثاء 20-مارس-1990
مشاهدات 66
نشر في العدد 959
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 20-مارس-1990
- وجود لبنان في نظر السياسي الفرنسي مرتبط بوجود المسيحيين وليس العكس!
من حق فرنسا أن يكون لها نهجها السياسي
والفكري الخاص بها، والنابع من مصلحة شعبها وكيانها، والمنطلق وفق أسس إنسانية
مشروعة! ولكن ليس من حق فرنسا أبدًا أن ترسم سياستها وتضع مصالحها على حساب الشعوب
الأخرى، والتدخل في الشؤون الداخلية لهذه الشعوب، وممارسة القهر والتعسف تحت ستار
المصالح الدولية وتحت يافطات "الدفاع عن المسيحيين في الشرق العربي"!
فرنسا والحرب الصليبية
إن فرنسا تخوض اليوم حربًا
"صليبية" فاجرة ضد الإسلام والمسلمين على كافة المستويات تحت شعار
محاربة التطرف الديني المستشري في المنطقة العربية، وكأن باريس هي المسؤولة عن
حماية أمتنا، وخط سياستنا، وتعلمنا كيف نسير أمورنا حتى في أدق تفاصيلها!
هذه الحرب ليست حربًا وهمية، إنها حقيقة
واقعة، تدور رحاها على محاور عديدة.
محاور الهجمة الصليبية
أ- على صعيد التدخلات السياسية، حيث
ينشط المسؤولون الفرنسيون في العواصم العربية لتحذيرهم من الانفتاح الديمقراطي؛
لأن هذا الانفتاح سيسمح لما يسمونه "الأصولية الإسلامية" بالظهور العلني
المشروع، ودخول الميدان السياسي بقوة، ومن ثم إزاحة هذه النظم والحلول مكانها.
وهذا وهم يحاول هؤلاء زرعه في الأدمغة العربية لتحريضها على ضرب الحركات
الإسلامية، وتعريض الوحدة الوطنية في البلاد العربية للخطر، والمستفيد من ذلك هو
الغرب وحده.
ب- وعلى الصعيد الاقتصادي، تمارس فرنسا
وحلفاؤها الأوروبيون ضغوطًا اقتصادية متعددة على الدول العربية، عندما يشعر هؤلاء
أن هذه الدول بدأت بالخروج من دائرة سيطرتها المهنية، وما نادي باريس المعروف
والمشهور، سوى أداة من أدوات إحكام هذه السيطرة، وممارسة الضغط السياسي من خلال
الديون التي تثقل كاهل العرب.
ج- وعلى الصعيد الفكري والعقائدي، تدعم
فرنسا بقوة حملات التنصير التي تجوب بلاد العروبة والإسلام من أقصاها إلى أقصاها،
مستخدمة كافة الأساليب المتوفرة من مدارس ومستشفيات وجامعات ونوادٍ وجمعيات ومراكز
ثقافية ومنظمات دينية، لصرف المسلمين عن عقيدتهم وغزو الإسلام في عقر داره، بينما
العرب والمسلمون نائمون ملء أجفانهم عن عدوهم المتيقظ المتحفز.
وعلى الصعيد الثقافي، تشن فرنسا حملة
غزو ثقافي خطيرة للعقل العربي المسلم، فإذا استثنينا إذاعة "مونت كارلو"
ذات التوجه الفرنسي الواضح، والسيطرة المارونية، فإن بعض القنوات التلفزيونية
الفرنسية بدأت بثها باتجاه الدول العربية لساعات عديدة، كما يحصل في تونس والأردن،
وتبث معظم القنوات الأجنبية في التلفزيونات العربية برامج فرنسية بشكل دائم.
وقد لجأت مؤخرًا بعض الجهات الأجنبية
إلى إنشاء جامعة فرنسية في مصر على ساحل الإسكندرية، وتحمل اسم "ليوبولد
سنغور" وهو سنغالي متفرنس، ومتزوج من مواطنة فرنسية.
هدف الهجمة
ولإحكام سيطرتها، تنظم فرنسا بشكل دوري
ما تسميه مؤتمر الدول الناطقة باللغة الفرنسية، وهدف هذا المؤتمر تمكين قبضة فرنسا
على هذه الدول التي كانت في يوم ما محتلة من قبلها عسكريًّا، فأصبحت اليوم خاضعة
لها اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتقع تحت عبء ثقيل من الديون الباهظة والفوائد
المتراكمة.
ومحور التحرك الفرنسي في الشرق العربي
الإسلامي، يتركز على محاربة الصحوة الإسلامية، والتلويح الدائم بخطرها على مصالح
العلمانية العربية والغربية على حد سواء، وتمكينها في قلب الوطن العربي والعالم
الإسلامي. ولننظر ماذا يقول هؤلاء الساسة المحترفون:
أحاديثهم تفضحهم
في عام 1986، وقف جاك شيراك عمدة باريس،
والمرشح السابق لرئاسة الجمهورية الفرنسية في أحد الاجتماعات الأوروبية، يقول
وبالحرف: "هدفنا المشترك هنا، هو الحيلولة دون أن تجتاح الأصولية المنطقة
بأسرها. فاسمحوا لي إذن عندما يتهمونني بعدم التضامن بالمقدار الكافي فيما يتعلق
بالحادث الأخير في لندن، حادث نزار هنداوي، بأن أقول: أن لدي أمورًا أهم تشغلني،
وأهم ما في ذلك هو الحيلولة دون أن يغرق التطرف الديني المناهض للغرب المنطقة،
وأكرر أن ذلك أهم بكثير من قطع العلاقات مع سوريا، بسبب حادث في لندن، أو قنبلة
انفجرت في شارع".
لا نحسب أن كلام المسؤول الفرنسي يحتاج
إلى تعليق أو توضيح، فشيراك ينظر إلى نفسه على أنه حامي الغرب، ووصي الصليب، في
مواجهة صحوة الشرق الدينية، واستفاقة المارد الإسلامي، وانعتاقه من أسرهم
الأيديولوجي والثقافي!
تدخل فرنسي في شؤون الجزائر
في السادس والعشرين من شهر فبراير
الماضي، أجرت صحيفة "الحياة" اللبنانية حديثًا هامًا وخطيرًا مع مسؤول
فرنسي (لم يذكر اسمه) تناول مختلف القضايا البارزة في الشرق الأوسط، وموقف فرنسا
منها. ويتضح من خلال الحوار والمواقف القطعية فيه، أن المسؤول الفرنسي المشار إليه
هو شخصية رسمية كبيرة، لها وزنها السياسي في الحكم الفرنسي، وما يهمنا في هذا
الحديث هو موقف فرنسا من قضيتين أساسيتين هما: قضية لبنان، وقضية التحول
الديمقراطي في الجزائر.
عن الوضع في الجزائر يقول المسؤول
الفرنسي:
"إنه مقلق رغم محاولة الرئيس
الشاذلي وفريقه إشاعة قدر من الديمقراطية، وكسر احتكار الجبهة الوطنية، ودفع
التنمية الاقتصادية على أسس جديدة". ويضيف أن الاستياء الشعبي في الجزائر
مصدره الوضع الاقتصادي، الذي يستغله المتطرفون الأصوليون (...)، "ولم نكن
نعتقد أن التطرف الإسلامي سيجد لنفسه قاعدة في المغرب العربي، لكن يجب ألا نبالغ
في تقدير نفوذ الحركات الأصولية، فالرئيس الشاذلي بن جديد يناور جيدًا، رغم وجود
عناصر تهدد التوازنات (...) وموقف فرنسا يقضي بمد يد المساعدة إلى السلطات
الجزائرية، لتتمكن من الانطلاق اقتصاديًّا، فلا ننسى تراكم الأخطار طوال 25 عامًا،
والانفجار السكاني المخيف، وهما يعقدان المعالجة".
أما ما خلص إليه المسؤول الفرنسي فهو أن
"الخطر على نظام الشاذلي بن جديد ليس جديدًا"، مستبعدًا قيام الجيش
بانقلاب عسكري علمًا أنه الرقم المجهول في المعادلة، أما الأصوليون فليسوا قادرين
على الاستيلاء على الحكم.
ماذا يعني كلام المسؤول الفرنسي هذا عن
الجزائر؟ أهو استعادة لروح الاستعمار من جديد في العقلية الفرنسية، أم هو اعتقاد
لدى الساسة الفرنسيين بأن الجزائر ما زالت مقاطعة فرنسية، وأن من واجبهم رسم
مسارها الداخلي كما يشاؤون؟ ما مغزى تلويح المسؤول الفرنسي بالجيش، واعتباره الرقم
المجهول في المعادلة؟ وما مغزى تقديم الدعم الاقتصادي في هذا الوقت بدعوى استغلال
الأصوليين للأزمة الاقتصادية؟ وما معنى أن قلق فرنسا بدأ عندما حزمت الجزائر
أمورها، وبدأت رحلة التحول نحو الديمقراطية والتعددية السياسية، وهو أمر يجب أن
يسعد فرنسا لا أن يقلقها باعتبارها تضع نفسها في قائمة الدول الديمقراطية الحرة؟
إن التصرف الفرنسي يعكس بصورة واضحة المكنون الأسود الذي تختزنه العقلية والفكر
الفرنسي على مدى قرون تراكم فيها الحقد والبغضاء والكراهية نحو الإسلام كعقيدة
وحضارة وتراث وثقافة.
مسيحيو لبنان والشرق:
في مقابل ذلك، ينظر الفرنسيون إلى
أنفسهم على أنهم حماة المسيحيين في الشرق العربي كافة، ولبنان خاصة، حيث يبرز
الدور السياسي للموارنة في البناء الهيكلي للنظام اللبناني ومرافقه الحيوية.
لاحظوا ماذا يقول المسؤول الفرنسي عن
مسيحيي لبنان ومستقبلهم: "التقسيم يعني موت لبنان وهو في كل حال يعني زوال
المسيحيين، الذي يشكل زوالًا للبنان، وهذا ما يضرب التوازن في منطقة الشرق الأوسط
(..)، ومسؤولية عون كبيرة جدًّا لأنه يكون مسؤولًا عن إنهاء المسيحيين في
لبنان".
ويضيف معلقًا على معارك بيروت الشرقية،
قائلًا: "إذا استمر الصراع بين المسيحيين، فسيزيل وجودهم من لبنان، ونلاحظ
حاليًّا أن عددًا كبيرًا منهم يهاجر، بحيث لن يبقى هناك مسيحيون بعد توقف القتال
(..)، وأهمية الوجود المسيحي في لبنان هي في صميم التوازن في المنطقة، لأنهم
يمتازون عن بقية مسيحيي الشرق بامتلاكهم هوية وخصوصية سياسيتين، مما يسمح بإقامة
توازن مع المسلمين في لبنان (...)".
إن وجود لبنان - في نظر السياسي الفرنسي
- مرتبط بوجود المسيحيين وليس العكس. وإن تقهقر الحضور المسيحي سيؤدي إلى إخلال
التوازن في منطقة الشرق الأوسط، وكأن هؤلاء يشكلون 40 أو 50 بالمائة من سكان
المنطقة، مع أنهم في كثير من الدول لا يشكلون أكثر من 2 إلى 3 بالمائة، وحتى في
لبنان فإنهم يعتبرون أقلية قياسًا إلى الوجود الإسلامي في هذا البلد، فكيف يُربط
التوازن - بمعناه الواسع - بمصير أقلية محدودة؟
إن المسؤول الفرنسي يوحي لسامعيه أن
المسيحيين في الشرق العربي هم أقلية مضطهدة لأنهم لا يملكون هوية وخصوصية
سياسيتين، مع أنهم قياسًا إلى نسبتهم المحدودة، قد حصلوا في جميع الدول العربية
التي يتواجدون فيها على حقوق وامتيازات، لم تُمنح للأقليات الإسلامية في الدول
الغربية، التي تتعرض للاضطهاد الفكري والتمييز العنصري. وقد كبر هؤلاء حتى أصبحوا
رؤساء (لبنان) ورؤساء وزراء (سوريا) ووزراء ومستشارين سياسيين وسفراء وضباطًا في
الجيش (لبنان - سوريا - مصر - الأردن - والعراق)، إلى جانب نشاطهم في مختلف
المؤسسات والهيئات، بينما شهدت باريس في وقت قريب حملة عنصرية شعواء ضد العرب
والمسلمين، بسبب قيام فتاتين مسلمتين بارتداء الحجاب الإسلامي في المدرسة، فماذا
لو أن ذلك حصل في الشرق العربي؟!
إن فرنسا اليوم تستحضر خزينها من الحقد
الصليبي، على شكل موجات متتابعة، لتنفثه على العروبة والإسلام. كل ذلك يجري بصمت
وهدوء، بل وبمساعدة من بعض الغافلين العرب. فإلى متى ستبقى فرنسا تشهر
"صليبها" في وجوهنا ونحن نيام؟