; المجتمع الثقافي (1464) | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع الثقافي (1464)

الكاتب مبارك عبد الله

تاريخ النشر السبت 18-أغسطس-2001

مشاهدات 61

نشر في العدد 1464

نشر في الصفحة 50

السبت 18-أغسطس-2001

الجرأة والتهجم على الخالق «جل وعلا» عند شعراء الحداثة!

يحيى بن صديق يحيى حكمي 

بينت نصوص القرآن الكريم والسنن المطهرة أن الله سبحانه وتعالى واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره - هو الأول والآخر والظاهر والباطن – لا يعنى ولا يبيد، ولا يكون إلا ما يريد، لا تبلغه الأوهام، ولا ندركه الأفهام ولا يشبه الأنام حي لا يموت قيوم لا ينام «من متن العقيدة الطحاوية»، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: ١١), ولقد حرم الله الافتراء عليه وجعله من المهلكات والموبقات، حيث قال سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الاعراف:٣٣), والإيمان بالله أحد أركان الإيمان الستة، فمن كفر بواحد من هذه الأركان فقد كفر بالإيمان ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (المائدة:٥)، ولقد ظهر شعراء الحداثة في هذا العصر ببدعة الهجوم على الباري العظيم في أبياتهم الشعرية التي هي من وحي الشيطان. 

يقول عبد العزيز المقالح: صار الله رمادًا صمتًا رعبًا في كف الجلادين حقلًا ينبت سبحات وغمائم بين الرب الأغنية.. الثورة.. والرب القادم من هوليود.. كان الله قديمًا حيًا كان سحابة كان نهارًا في الليل أغنية تغسل بالأمطار الخضراء وتجاعيد الأرض المجلة العربية عدد شعبان ١٤٠٥هـ. 

إلى أي حد وصل بالشاعر التبجح على الله إن كفار قريش لم يقولوا بهذا وما عرفوا الله إلا خالقًا لهم والمخلوقات، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّىٰ يُؤْفَكُونَ﴾) الزخرف :٨٧), ثم يأتي المقالح فيقول كان الله قديمًا.. حيًا كان سحابة.. كان نهارًا في الليل.. فيفسح له المجال، ويكتب ما يريد، ثم يكون رئيسًا لجامعة صنعاء، كما أعطي طه حسين عمادة الأدب العربي بعد ما جنى عليه، هذه هي حرية الرأي التي ينادي بها أساطين الحداثة ها هي ذي تجني كفرًا بواحًا. 

والشاعر الآخر أدونيس يقول: «كاهنة الاجيال قولي لنا شيئًا عن الله الذي يولد... عن جماجم السماء»، وهذا شيوعي نصراني باتفاق وأدونيس: اسمه على أحمد سعيد ترك مذهبه واعتنق النصرانية ومنح درجة الدكتوراه في جامعة القديس يوسف في لبنان وهو هنا يقول عن الله إنه يولد من جماجم السماء! والله يقول:﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (الإخلاص ٣:٤)، ويقول: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ (الأنعام :١٠١) ، هذا أدونيس الذي يكتب وينادي أريد أن أقتل الله! «تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا» ومنهم صلاح عبد الصبور الذي يقول: «في الحميم دحرجت روح فلان يا أيها الإله كم أنت قاس وموحش... يا أيها الإله». 

ويقول: «أين؟ عطائي يا رب الكون؟ ... ها أنا أتعثر ما بين البابين.. ها أنا أسقط في البابين أين ملاكك ذو المنقار الذهبي.. كان يوافيني أعقاب الليل المسحور... وفي ألم كالهزة يا رب ينزعني ما بين ندامى دار الندوة» من ديوان الإبحار في الذاكرة / دار الشروق ١٤٠٦ هـ - ص ٤٣ – ٤٨. 

إن فكر صلاح عبد الصبور هو فكر المرحلة التي انبثقت من أوروبا على يد ماركس وسارتر اللذين كانا جسد الحداثة المنطلقة من الغرب سواء من السوربون أو غيرها إلى فلذات أكبادنا، وعبد الصبور أحد المراسلين الأذكياء الذين نقلوا الفكرة من أدق أبوابها من الشعر والرواية فكان شاعرهم وراويهم المترجم. وها هو ذا يصف الله بالقسوة في أسلوب ساخر «تعالى الله وتقدس»، ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾  (التوبة: 65-66)

ويقول نزار قباني: رأيت الله في عمان مذبوحًا... على أيدي رجال البادية غطيت وجهي بيدي يا تاريخ هذي كربلاء الثانية «نزار قباني ديوان لا ص ۱۱۹». هذا هو نزار يا من بجلتموه وأطريتموه, ها هو ذا يسب الله عدوًا بعلم، هذه هي حقيقته إن الذي يؤمن بالله عز وجل إيمانًا صادقًا سيعزف عن فكر نزار وعن شعر نزار إن قوله «رأيت الله في عمان مذبوحًا على أيدي رجال البادية»، أعظم من قول اليهود: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (المائدة:٦٤).

 لقد دخل نزار قباني إلى قلوب بعض ضعاف النفوس  من جهة شعره وغنائه للمرأة وأبياته الساخرة فيها، فأعجب المثقفون به، وما علموا أنه يدس السم في الدسم حتى نزع حجاب المرأة بشعره تبعًا لقاسم أمين الذي خلع حجابها بنثره.

 ويقول محمود درويش: «نامي فعين الله نائمة عنا... وأسراب الشحارير» ديوان أوراق الزيتون ص ٤٨، وهذا الأخير عضو الحزب الشيوعي الفلسطيني أيضًا يسيء الأدب مع الله بهذه المعاني البذيئة، إن هؤلاء الشعراء ومن سار على خطاهم واتبع نهجهم رسموا لشبابنا الفكر الماركسي والإلحادي فكتبوا بالعربية وفكروا بالفرنسية والشيوعية واللادينية: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ ﴾) الحشر:٢(.

إصدارات

المدينة المنورة واليهود

 أقام المؤلف كتابه على سبعة فصول، ضم الفصل الأول ما ورد في القرآن الكريم عن اليهود، وكان الثاني للبشارات التي تحدثت عن النبي r كله في التوراة والإنجيل، وتحدث في الثالث عن تاريخ المدينة بعد الطوفان أول من سكنها، أسباب نزوح اليهود إلى الجزيرة والحجاز، وخص الفصل الرابع بالحديث عن نظرة اليهود لغيرهم، وتعاملهم مع أنبيائهم. ومخططات حكمائهم، وأما الفصل الخامس فأورد فيه أسماء القبائل العربية التي سكنت مع اليهود أولًا، ثم الأوس والخزرج والعلاقة بينهما وبين اليهود واختص الفصل السادس بالحديث عن أحوال اليهود في المدينة المنورة بعد الهجرة ونقضهم للعهود، ثم إجلائهم عن المدينة في الجزيرة، وجعل الفصل السابع للحديث عن الآطام التي ابتناها اليهود في المدينة، ثم التي ابتناها الانصار والمهاجرون بعد ذلك. 

المؤلف: محمد أحمد ياسين الخياري 

الناشر: مؤسسة المدينة للصحافة بجدة – ١٤٢١هـ  

الإيمان بالقدر

 قضية القدر من القضايا الكبيرة التي اختلفت فيها الأنظار والتوجهات بين الأديان والفلسفات وتفاوتت فيها أنظار المسلمين أنفسهم تفاوتًا بعيدًا من إفراط الجبرية، إلى تفريط القدرية إلى تجاوزات الفرق المختلفة من المثبتين والنفاة، وقد اعتمد المؤلف في توضيح هذه العقيدة على ما جاء في محكمات الكتاب والسنة، بعيدًا عن مفهومات الفرق رادًا المتشابهات إلى المحكمات جامعًا بين النصوص بحيث يصدق بعضها بعضًا، ويفسر بعضها بعضًا. 

المؤلف: د يوسف القرضاوي 

الناشر: مكتبة وهبة بالقاهرة – ١٤٢١ 

مجتمع الذوق الرفيع

 تحدث المؤلف في هذا الكتيب عن انتقال كلمة الذوق من موضعها الأصلي الذي قيلت فيه إلى مواضع عدة استعيرت لها وغرست فيها، بحيث صار الذوق يستعمل في الإحساس العام الذي تشترك فيه جميع قوى الحسن من سمع وبصر ولمس وشم، وصار الذوق تعبيرًا عن الإحساس بالألم والحزن أو الفرح والهناء أو الجوع والخوف وما إلى ذلك فجاءت فصول الكتاب لتتحدث عن الذوق في العبادات والعلاقات الاجتماعية ومظهر الإنسان وحياته العامة كما أرشد إليها الإسلام . 

 المؤلف: يوسف العظم. 

الناشر: الدار الشامية ببيروت – ١٤٢١


واحة الشعر

ألم يتفجر

شعر: الدكتور عدنان على رضا النحوي

ماذا أقول وأي شيء أكتب
 

 

والساح تنأى والمنازل تغرب

 

لهفي على تلك الدماء تدفقت
 

 

والناس في لهو يضج ويصخب

 

الراقصون على الدماء على الأنين
 

 

على الجماجم! والغناء الأعجب

 

والغيد تلهو بالقلوب وحولها
 

 

سكرى! وأنغام الضياع تسرب

 

لله در فتى يفجر نفسه

 

 

ويحى! وامته غفاة غيب

 

فكأنما ملئت جوانبه أسي
 

 

غضبًا! ولم ير حوله من يغضب

 

وتلفتت عيناه! حين بدا له

 

 

زحف ونيران تصب وتسكب

 

فمنازل تهوي على أصحابها

 

 

ومصانع تطوى وأهل نحب

 

ودم تفجر في المرابع كلها

 

 

دوى هناك فمن يجيب ويعرب؟

 

ودم الطفولة يستغيث وأنة

 

 

الثكلى تنادي والدموع تشعب

 

وتلفتت عيناه! هل من مشفق

 

 

في الأرض يحنو؟ أو يلين فيحدب

 

وتلفتت عيناه تنطق بالأسى

 

 

وتقول يا دنيا أطلوا وارقبوا

 

أين النظام العالمي؟ وأين كل

 

 

لجانه؟ أين المنى والمطلب

 

وتلفتت عيناه والتفت الفؤاد!

 

 

أين أهلي والهوى والمـأرب

 

أين العروبة والسلام و أين أرحام

 

 

تقطع والوداد الأقرب

 

والمسلمون! وأين هم؟! أین الوعود؟!
 

 

وكم تبدل، ويحهم وتقلب

 

نادوا شعوب الأرض! قادتها استغاثوا
 

 

بالعدو وبالصديق وأوعبوا

 

وتوسلوا! وتضرعوا! وتذللوا!
 

 

من ذا يجيب نداءهم أو يصحب؟

 

قالوا: قلقنا! أوقفوا الإرهاب ويلكم
 

 

فمن ذاك الذي هو يُرهب؟

 

من قتل الأطفال؟! من قد أشعل النيران؟!

 

 

من يطغى هناك ويلهب

 

قالوا: سنبعث بالوسيط لكي يعالج

 

 

ما يرى من مشكل ويقرب

 

كم من وسيط يا فلسطين أرتدى

 

 

ثوب السلام ينال منك وينهب

 

المجرمون عصابة جمعتهم...

 

 

فتن الهوى صفًا يشد ويدأب

 

وتلفتت عيناه: أين مفاوض

 

 

يسع؟! وأين الفارس المتوثب

 

كم قاعة قد زينت لمفاوض

 

 

لاه يمثل أو يراوغ ثعلب

 

وتدور فيها الشاة تثغو دونها

 

 

ناب يقطع أو يمزق مخلب

 

وتلفتت عيناه! ويحى لم يعد

 

 

في الساح من حجر يطير ويُرعب

 

وتلفتت عيناه! والأقصى يئن
 

 

وقيده قاس عليه مجرب

 

فإذا به متواثب! أحناؤه

 

 

غضب يفور مع الضلوع ويلهب

 

وخطاه تستبق الردي! حتى إذا

 

 

بلغ الميادين التي تتقلب

 

فتفجرت أحناؤه وتطايرت

 

 

أشلاؤه والأفق منه يُخضب

 

ليظل يشهد أن أمتنا هوت

 

 

وغفت وأطبق فوق ذلك غيهب

 

ويقول: إن أخطأت، إن هوان من

 

 

ترك الجهاد أشد منه وأصعب

 

أهلكت نفسي؟! غير أن سواي أهلك

 

 

أمة ومضى يهون ويُغلب

 

 

قصة قصيرة:

ومضى حيث انفجر!

بقلم: أسامة بدر

أذن الفجر دامعًا حزينًا كعادته منذ أيام!.. وتعالى صوت المؤذن شجيًا أسيفًا يدعو من تبقى من الأحياء: «الصلاة خير من النوم...» بينما انداحت «الأم»، همسًا لتوقظ ، «وليد» بين النيام كي يلبي نداء مولاه «لبيك يا أماه»...  ثم نهض خفيفًا باسمًا وحياها.. هل ستوقظينهم قبل أن أغادر... سألها قرنت إليهم في إشفاق وردت حرام طول النهار في هم تأمين القوت.. سأمهلهم ساعة أخرى، تأملهم قليلًا وأبتسم لهم ما أجملهم اللهم حسن أيامهم.. ثم اتجه نحو وصوته وهو يتمتم: «أما أنا فلا يجب أن أتأخر..» ثم مضى. 

الدروب الخالية ساكنة تترقب والجدران الخربة تخلت عن كل الوانها إلا الأحمر.... والبيوت... ما تبقى من البيوت... تنام منذ زمان في عتمة... «إنه زمن الظلمة قاتلهم الله هدموا كل ما لدينا.. وليس إلا الإيمان في القلوب يسكنها بقرب الفرج كل شيء منذ «سبتمبر» معطل ولم يبق إلا أرتال الشهداء... ونهر الدماء.. والمفاوضات..». 

هكذا فجأة وجد نفسه بين المتاريس.. «يا للغباء!.. هل يظن أهلها أنها تنجيهم من قدر الله.... وفي لحظة ما تبدى له كل شيء عاجزًا.... وكل الطاقات معطلة... ربما تكون تلك من إرادة الله حتى يرفع المتخاذلون أيديهم ويسلموا الراية للأيدي الطهورة فللمقدسات أهلها وهم وحدهم من يرعاها كما يرضى الله كما أن شرف الانتماء لا يؤتى لكل من يشتهي!. 

سخية كانت عين الشيخ وهو يتلو «بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ (العنكبوت:1-2), وخاشعة كانت نجواه إلى ربه وهو يدعو: «اللهم عيشة الكرماء.. أو ميتة الشهداء.....». وما بين هذه وتلك وجد نفسه يخطو باطمئنان إلى قدره الذي ارتضاه عن يقين. 

لم يبق من الزمن كثير.. فبعد الصلاة كان لزامًا أن يحمل «الحليب» إلى أمه كعادته كل يوم.. منحنية وجدها فوق كتاب ربها تجلو بنور تلاوته خيوط الظلمة التي حاكها الطغاة... لم يبق لأحد ما يتمسك به إلا ما يتراءى من نور السماء.. انتظرها ثم قدم لها كوب الحليب قبل يدها ونظر إلى عينيها وسألها في رجاء: «هل ستذكرينني يا أماه هل ستروين قصتي لإخوتي؟!....». عانقته بكت قليلًا على كتفه.. ولم تجد إلا أن تقول بل أنت فاذكرني عند ربك!.....». فانفلت منها مطرقًا.. ثم مضى. 

«أسمع يا «وليد».. الخطوة التالية تحتاج منك إلى تركيز تركيز.. مع سرعة وخطف...

أرواحنا في سبيل الله رخيصة، نعم ولكنها أبدًا ليست هينة.. هل فهمت.. أمسك بهذا الحزام... شد به حول وسطك قرب القلب، فذاك أحرى الا ينفلت أو يكتشف... ومكانك أنت هذه المرة هناك.. عند الجادة العاشرة وأمام المجمع الأوسط.. هناك وقبل مسافة مناسبة تقدرها بنفسك تنطلق... مثل البرق تنطلق... وتصيح بأعلى صوتك الله أكبر... سيلتفت نحوك المتسوقون ستتوقف وتتصنع الدوار ستوجه نحوك من شدت هيئتك فضولهم.. لن تنتظر. .... لن تنتظر.. ستنطلق من جديد وتنقض على أكبر تجمع فيهم وبكل ما لديك من عزيمة.. هل هذا واضح يا «وليد»... هل هناك سؤال؟!....». 

أنفاسه تتلاحق مسرعة مبهورة فلم تسمح له إلا أن يتمتم: «لا... ليس هناك شيء».... فأمسك به «أبو عمر» من كتفيه وقال: «أما أنا فلي عندك حاجة.. أن تعانقني... عانقني يا أخي علي ألحق بك..». تعانقا بمحبة.. ثم مضى. 

وكان في الوقت بعض سعة.. فاشتهي أن يتمشى يستعرض الأحياء ويتأمل الناس الذين يمرون به.. لكم يحبهم ويشفق عليهم.. وهذه البيوت والحواري التي كثيرًا ما استهوته وهو صغير لكم يتعشقها راح يحدث نفسه: «كيف ستكون الدنيا بعد ساعة.. كيف ستكون الأيام القادمة.. ترى هل ستشرق الشمس على هذه الأرض الغالية من جديد؟.. هل سيغدو إخوتي يومًا إلى مدارسهم دون أن تخشى أمي الطيبة أنهم قد لا يرجعون؟!.... هل سيعود مشايخنا ليعلمونا ديننا وتاريخنا ولغتنا..؟!.. ماذا سيقولون في المدارس عني؟!.. ماذا سأكون في نظرهم؟!.. هل سيتأخر زمان يصبح فيه الطغاة-  تاريخًا مضى لا يذكر إلا باللعنة؟!.. وهذه البيوت الغالية والمساجد الصابرة والأرض الطيبة هل ستجد قريبًا من يعتني بها فيصلحها ويرعاها؟!.. أه.. ماذا يفيد أن أفكر بكل هذا الآن؟... ولكنني أتألم بل أكاد انفجر.. أنفجر». 

«ها.. إنها هناك اعتقد أن اللحظة المناسبة قد أزفت... بسم الله توكلت على الله.. الحمد لله رب العالمين.. الرحمن الرحيم..» مسح وجهه براحتيه النديتين.. ثم مضى. 

سريعة مرت الأحياء أمامه وكل العوالم.. شاحبة حزينة كأنها تشكو من ألم أو تعاني من حرقة.. ألقى عليها النظرة الأخيرة، ثم انطلق.. وبكل همته وما يعتمل في صدره من ثورة أطلق الصيحة الخالدة قوية مدوية الله أكبر.. هبت رياح الجنة!. 

التفت نحو صيحته المتسوقون.. توقف بينهم لحظة كأنه أصيب بدوار.. فاتجه نحوه من شدهم الفضول أو قدرهم الأخير فانتفض على ساقيه بهمة الخيل الهائج الجموح وأنقض على أكبر تجمع منهم فتح صدره للعراء بينما ساقاه ما تزالان تقتحمان وفي لحظة أضاءت له فيها كل الأكوان وتفتحت أبواب السماء وزغردت كل الأمهات.. في تلك اللحظة أرتمى على الجموع المأخوذة بغبائها.. خلع حزام الانتقام من صوب قلبه.. سحب زند التفجير أطلق صيحة رددتها كل الأرجاء سلام عليك يا أمي!...».... فدوت في الأرجاء المحيطة صاعقة مدمرة.. ورفرت نحو السماء روح باسلة طال تشوقها.... مخلفة وراها عشرات الجثث المهترئة... ينبعث منها دخان أسود كريه..

اعترافات دافئة!

السيد علي إسماعيل

ألتحف غطاء إثر غطاء.. حين أشعر أن أعضائي تحولت إلى كتل جليدية جامدة.. في ليلتي المكفهرة الكالحة تلك.. أحاول جاهدًا أن أتماسك تداهمني الذكريات.. ترتعد فرائصي.. أغوص في الأغطية المتعددة لأنام لكنني أبدًا لا أنام.. فما زالت تثب إلى ذهني ذكريات مقاومتي لهؤلاء المحتلين بعد أن اشترطوا على ألا أفكر بها.. لكنها تعاودني.. أود التخلص منها.. دون جدوى.. لربما عرفوا ما يدور بخلدي الآن، أو يوشي أحد لهم بها, فيبعدونني مرة أخرى عن هنا.. بعد أن نصبوني حارسهم الأمين. 

يلف الرعد والبرق أجواء المكان.. ويشتد البرد القارس.. وتنهال على رأسي الذكريات ولم أعد أستطع وقفها... 

أرضي.. كانت أرضك!!

بيتي.. كان بيتك!!

أهلي كانوا أهلك!

شعبي... كانوا شعبك!!

تبعثرت مبادئي مع الرياح الدافئة، فلا أرض.. ولا بيت.. ولا شعب وأهل.. مشردون, ماذا أقول لمن ينتظرونني في الداخل، أو من يساعدونني بالخارج.. بعد أن خرس صوت سلاحي الذي كان يئن ويزأر وينتفض.. وأشهرت لساني بديلًا يتحدث ويصرخ ويهترئ.. أوزع القبلات, أهدي التحيات, أقبل الرؤوس!! وتناسيت الأرض.. نسيتها بعد أن أبعدت سلاحي.. ركنته.. غطيته بغطاء الموت, طمعًا في سلطان في شهرة.. في ضوء يخرجني للنور.. بعد التشريد الذي عانيته طويلًا.. طويلًا!، ووجدت.. وجدت النور.. عندما رأيت العالم يتناول مشكلتي، جميع قنوات الإعلام صارت تتحدث عني المراسلون كلهم يلتفون حولي.. ماذا استنفدت؟! ليتني صمدت, وصمدت معي مبادئي. 

هل تعبت! لم لم أدع القيادة التي سلبوها مني لغيري إنهم أبدًا لم يسودوني.. ولن يسودوني.. لقد استدرجوني إلى أسفل... هناك.. حيث العمق الطيني الهلامي اللزج.. الممزوج بالرياسة.. الذي غاص فيه قبلي كثيرون، ولم يخرجوا.. انزلقوا إلى حب الشهوات الطينية التي تنسي المبادئ والقيم والأخلاق... بل وتنسي النفس والحق والشرع... وها أنا أسقط مع من سقط.. بعد أن اصطحبوني إلى حافة الجبل.. جبل المقاومة ضد المحتلين.. ليدعوني أنزلق.. ولم أتوان في أن أنزلق إلى حيث الرفاهية والجاه والسلطان والشهرة والدعة.. مع من سبقوني، وها أنا الآن أتنهد بحرى.. حين أنغمس في هذا الذي ينسى.. ينسي الأهل والأرض.. اللذين بدونهما لا يمكن للإنسان أن يكون إنسانًا بل تائهًا.. ضائعًا.. حائرًا.. مفرطًا، مهما أوتي من جاه أو سلطان.. مثلي.. عندما خدعوني بذلك.. لكنهم بالنهاية سحبوا من تحتي بساط الخيال, فوجدتني لا أمتلك أيهما.. لا أمتلك أهلًا ولا أرضًا. 

فلقد أضعت أهلي حين اهتممت بنفسي.. التي أنستني كل شيء.. تركتهم يقاومون.. وليتني اكتفيت، إذ حولني المحتل عصاة شرطي تعيق الأبطال.. تترصدهم... توقف هجماتهم, أشاهدهم والكلاب يكسرون عظامهم.. ينتهكون حرماتهم يدمرون بيوتهم.. يمزقونهم... يغتالونهم.. يعتقلونهم حتى الأطفال لم يسلموا من بطشهم.. تتلقف رصاصة حاقدة صدر أحدهم.. أو رأسه.. فتمزقه، وتحوله أشلاء... يجمعها آخرون مع الجسد.. وينطلقون ليدفنوه.

مشهد يتكرر، ربما يوميًا، يراه العالم.. وأراه، لكن ما بيدي أن أفعل غير المصافحة.. أصافح.. أنحني أقبل الرؤوس، وبالمقابل أجد نشرات الأخبار تركلني.. تصفعني.. تقتلني آلاف المرات، وهي تكرر أصيب شاب إصابة خطيرة برصاصة في صدره وبعد نقله للمستشفى، أعلن الطبيب أنه فارق الحياة متأثرًا بجراحه. 

يقابل الرصاص بصدره.. صدره سبيله الوحيد ليحرر وطنه.. يلتهم الرصاص قلبه الذي حمل أهات أهله, وأحزان أرضه.. فدافع بأثمن ما لديه.. صدره. 

أتوقف.. أتأمل.. أتدبر.. أين أنا منه؟! قابل رصاص المحتل بصدره فاستشهد في سبيل دينه وأرضه.. وقابلت الملطخين بدماء الشهداء بالمصافحات والابتسامات! 

وأهدهد نفسي لأرضيها: وما على أن أفعله بعد أن استدرجوني.. لأنزلق إلى ذلك القاع الطيني.. الذي يربض فيه كثيرون غيري.. يبتسمون دون أن يعرفوا علام يضحكون. 

أما أرضي.. فيا حسرة عليها.. لقد ضيعتها مثلما ضيعت نفسي حينما صدقت كلام المحتلين بعدما أوهموني بأنها لي سأمتلكها.. وسأحكم.. نعم أحكم لكن من خلال ذلك المستنقع الطيني الهلامي اللزج.. الذي أغوص فيه.. أحكم جدارًا في بيتي الكبير العريق لكم كنت قبل أن أذهب إليهم شامخًا مرفوع الرأس وأنا أطالب بأرضي المغتصبة وأنادي بأعلى صوتي! الأرض لن تعود إلا بالدم، والآن, وبعد أن أعطوني الجدار، تحولت إلى حليف أليف.. أسمع وأطيع واستجيب لهم وأمتثل لأوامرهم.. وألبي رغباتهم. 

عليك تصفية المقاومة.. اعتقل من يقاومون!! 

لتجمع الأسلحة... أداهم المنازل بحثًا عن الأسلحة!. 

أتعقب من يريدون، فيسهل اغتيالهم أو تصفيتهم!! 

لا تحاول أن تنتقد قرارتنا.. فلنا الحق في كل شيء. 

ولا أملك أن أقول لا.. لا أملكها... بعد أن فرطت في سلاحي.. وأجهضت عناصر قوتي واحدًا تلو الآخر. 

لا أملكها.. إلا هنا حين اعترف فوق هذا الفراش.. وبين تلك الوسائد والأغطية.. وأنا أنتفض.. وأنتفض.. وأتداخل بنفسي رعبًا... تأكلني الأحزان.. ويداهمني البرد القارس.. وأصرخ.. لا.. لا.

الرابط المختصر :