; هل هناك باطنيون وراء اليسار التركي؟! | مجلة المجتمع

العنوان هل هناك باطنيون وراء اليسار التركي؟!

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

مشاهدات 68

نشر في العدد 888

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-أكتوبر-1988

هل هناك باطنيون وراء اليسار التركي؟!

 انتهت عملية الاستفتاء الشعبي العام في تركيا والتي جرت بتاريخ ٢٥/٩/١٩٨٨ من أجل تعديل مادة في الدستور والتي تنص على تقديم موعد إجراء الانتخابات البلدية قبل موعدها بأربعة أشهر، هذا وقد أظهرت نتيجة الاستفتاء أن نسبة ٦٥% من الذين اشتركوا في الاستفتاء قد رفضوا تعديل المادة، ونسبة ٣٥٪ وافقوا على تعديل المادة المذكورة، وبقي موعد إجراء الانتخابات البلدية على حاله لم يتغير، ولن نقف طويلاً عند أهمية التعديل أو تحليل النتائج، ولكننا نقوم بتحليل حملات الدعاية السياسية التي جرت قبيل الاستفتاء وأهميتها السياسية بشأن مستقبل تركيا والمنطقة الإسلامية كلها، فلقد تحولت حملات الدعاية السياسية إلى تظاهرة سياسية طائفية وعملية تحد بين الحزب الحاكم والأحزاب المعارضة كلها. لقد كان موقف الحزب الحاكم والذي يرأسه رئيس الوزراء طورغوت أوزال ويضم في صفوفه بعض الأجنحة الليبرالية والمحافظة والقوميين والمتدينين مع تعديل الدستور، أما بقية الأحزاب مثل حزب المعارضة الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري) والذي يرأسه أردال اينونو نجل عصمت اينونو ويشغل (۹۹) مقعدًا في البرلمان، وحزب الصراط المستقيم اليميني ويرأسه رئيس الوزراء السابق السيد سليمان دميرال، والحزب الديمقراطي اليساري ويتزعمه رئيس الوزراء السابق بولند اجويد، وحزب الرفاه ويرأسه الدكتور نجم الدين أربكان، وحزب العمل القومي ويرأسه الب اصلان توركس - والحزب الديمقراطي الإصلاحي ويرأسه ايقوت اديب على، وقد اتفقوا جميعًا ضد تعديل الدستور. لقد كان واضحًا من خلال حملة الدعاية السياسية للأحزاب المعارضة مجتمعة التركيز على نقطة واحدة ألا وهي بأن قول (لا) في الاستفتاء يعني سقوط الحكومة، وهكذا تحولت عملية الاستفتاء على تعديل الدستور إلى عملية سحب الثقة من الحكومة.

 ولكن نتيجة الاستفتاء أثبتت بأن الحزب الحاكم يحظى بدعم شعبي بنسبة ٣٥% من مجموع الأصوات، وهي قريبة جِدًّا من النسبة التي حصل عليها في الانتخابات النيابية العامة والتي جرت قبل ستة أشهر وهي نسبة ٣٦% من مجموع أصوات الناخبين، وحصل على الأكثرية المطلقة (۲۹۲) مقعدًا في البرلمان من أصل (٤٥٠) مقعدًا، هذا وقد لاحظ المراقبون السياسيون أن حملة الدعايات السياسية للحزب الشعبي الديمقراطي اليساري آخذة شكل حملة سياسية طائفية لصالح الطائفة التركية النصيرية. 

من المعروف أن رئيس الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري السيد اردال اينونو لا يتمتع بأية سلطة في الحزب، وأن الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري قد وقع في قبضة الطائفة النصيرية اعتبارًا من المؤتمر العام الثاني للحزب، والذي عقد في ٢٧/٤/١٩٨٨، وأن السلطة الفعلية في الحزب تحت سيطرة النصيري دنيز بايقال الذي تسلم منصب السكرتير العام ورئيس المكتب الإداري المركزي، وأن (٣٥) عضوًا من أعضاء المكتب هم من انتصار دنيز بايقال، أما بقية الأعضاء وهم خمسة من مجموعة الأكراد اليساريين (مجموع أعضاء المكتب الإداري ٤٠ عضوًا).

 بعد هذا الإيضاح نعود ثانية إلى الحملة الدعائية للحزب الشعبي الديمقراطي اليساري والتطرف الطائفي، لقد جرت العادة على رفع صور رؤساء الأحزاب في الاحتفالات والتحشدات واللقاءات الحزبية، وخاصة أثناء الحملات الدعائية الانتخابية، إلا أن الندوات واللقاءات والتحشدات الحزبية للحزب الشعبي الديمقراطي اليساري تميزت عن كل الأحزاب وذلك برفع صور السكرتير العام دنيز بايقال إلى جانب صور رئيس الحزب اردال اينونو، حتى إن صور اردال اينونو لم ترفع في الندوات السياسية الحزبية التي لم يحضرها، بل رفعت صور دنيز بايقال وحده، وفي بعض الندوات رفعت صور دنيز بايقال إلى جانب صور اردال اينونو بالرغم من معارضة بعض النواب، وقد حصلت مشادة كلامية في مدينة تكرداغ بين أنصار بايقال ومعارضيه في داخل الحزب، وذلك عندما رفع أنصار دنيز بايقال صوره وهو غير موجود في الندوة الحزبية.

 لذلك اعتبر المراقبون السياسيون بأن الاستفتاء الشعبي كان مناسبة طيبة من أجل القيام بحملة دعاية سياسية للنصيري التركي دنيز بايقال، وأنه من المتوقع قريبًا أن يتسلم قيادة الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري في المستقبل. وبالتالي سوف يصل إلى منصب رئاسة الوزراء، لأن الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري من أكبر الأحزاب المعارضة في البرلمان، وأنه الحزب البديل لتسلم الحكم في حال انهيار حكومة طورغوت اوزال، وحتى إن بعضهم يقول: إن دنيز بايقال سوف يتزعم كل اليسار في تركيا. 

والسؤال من هو دنيز بايقال؟!! ولماذا تسلط الأضواء عليه؟!!

دنيز بايقال تركي نصيري وأستاذ في علم السياسة المقارن بجامعة أنقرة كلية العلوم السياسية، قاد المظاهرات الطلابية اليسارية ضد حكومة عدنان مندريس في نهاية الخمسينيات، ومشهور أنه صرخ في وجه عدنان مندريس في ميدان الهلال الأحمر في أنقرة قائلًا: نريد حريتنا... أعطنا حريتنا... فتقلد مناصب حكومية عليا في حكومة بولند مويد في عام ١٩٧٤، وعمل كوزير للمالية والجمارك، وكان من أشد المعارضين لبولند اجويد داخل حزب الشعب الجمهوري، ولعب دورًا كبيرًا من أجل إبعاد بولند اجويد عن الساحة السياسية فيما بعد. وبعد انقلاب ١٢/٩/١٩٨٠ منع من مزاولة السياسة كغيره من السياسيين القدامى، ولكن بعد السماح لجميع السياسيين القدامى بمزاولة السياسة من جديد في العام الماضي عاد دنيز بايقال إلى ساحة السياسة وانضم إلى الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري، إلى جانب النصيري مصطفى تميسي الذي كان من قبل رئيس حزب نصيري، استطاعا بتجميع صفوف جميع العلويين النصيريين في تركيا تحت لواء الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري، واستطاعا دخول البرلمان مع (۳5) نائبًا  علويًا آخرين معهم، وفي المؤتمر الكبير الثاني للحزب الشعبي الديمقراطي اليساري الذي عقد في ٢٧/٩/١٩٨٨ انتخب دنيز بايقال سكرتيرًا عامًا للحزب وبدأ فورًا بتعيين أنصاره من العلويين في المراكز الحزبية المهمة وغير عابئ باحتجاجات المجموعات اليسارية الكردية والتركية داخل الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري. وهكذا لم يعد خافيًا على أحد بأن النصيريين يسرعون الخطى لإحكام السيطرة الكاملة على الحزب الشعبي الديمقراطي اليساري لتحقيق - أهدافهم الطائفية، وتمهيدًا للوصول إلى الحكم في تركيا بمفردهم باسم اليسار، طبعًا بعد تصفية الأحزاب اليسارية الأخرى من المراكز القيادية في الحزب واستقطاب جميع العلويين تحت راية اليسار، الظاهر بأنهم يساريون ولكن في حقيقتهم طائفيون باطنيون، وأن اليسار مجرد وسيلة لإيصالهم لأهدافهم الطائفية. حتى إنهم لم يعودوا يخفون طائفيتهم في الفترة الأخيرة، فلنستمع إلى النصيري مصطفى تميسي رئيس حزب الوحدة التركي النصيري سابقًا في تصريحه إلى مجلة تمبو التركية الأسبوعية العدد ٣٧ تاريخ ١٤/٨/١٩٨٨ أن جميع العلويين سيجتمعون بعد الآن تحت راية الحزب الديمقراطي اليساري، ولن يبق علويًا خارج الصف، وأنه يوجد في تركيا حوالي ٣٠ مليون علوي). 

أما النصيري (العلوي) دنيز بايقال فقد قال في خطابه الذي ألقاه في ميدان السلطان أحمد بإستانبول بتاريخ ٢٣/٩/١٩٨٨: إننا نسير بخطوات سريعة نحو الحكم، وإن حكومة اوزال سوف تسقط قريبًا، وأننا سوف نهدم حكومة اوزال كما هدمنا الدولة العثمانية من قبل، وأننا سنحصل على حريتنا كاملة وننهي الظلم الذي يعاني منه شعبنا منذ قرون. وكانت مهرجانات الطريقة البكتاشية، وهي طريقة علوية هذا العام تظاهرة علوية من أجل دنيز بايقال ومصطفى تميسي والزعماء النصيريين الآخرين، ومناسبة للتهجم على العثمانيين والإسلام والسنة، وهكذا تتضح أطماع النصيرية في تركيا ألا وهي الانقضاض على الحكم على أكتاف اليسار، وأن اليسار ما هو إلا حصان طروادة لإيصال النصيرية إلى الحكم. ولا بأس من أن نذكر كلام أحد النصيريين حسن فهمي كوناش قائلاً: إننا عندما نستلم الحكومة سنقوم بتعيين والٍ جديد في كل ولاية وقائمقام جديد في كل منطقة ورئيس أمن جديد في كل بلدة. ونحن نتساءل إذا كانت النصيرية تسرع الخطى بكامل كوادرها للانقضاض على مقاليد الأمور، فماذا يعد المسلمون لمواجهة هذا الخطر؟!... وهل يدرك المسلمون مدى جسامة الخطر على المسلمين من قدوم هؤلاء الطائفيين على أكتاف اليسار؟.. ولا غرابة أيضًا عندما يرفع القنصل الأمريكي في إستانبول تقريرًا مطولاً إلى حكومته يطلب فيه دعم النصيري دنيز بايقال على المدى الطويل من أجل ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة مستقبلاً. أعتقد أن الأمر أصبح واضحًا أمام الجميع، وما اليسار إلا حصان طروادة الأجوف يحمل النصيرية لتنفيذ المخططات التي بدأوا بها في أحد الأقطار منذ عام ١٩٦٣ وأن الأمريكان أدركوا هذا الأمر.

الرابط المختصر :