; الاهتمام بالسنن الكونية الشرعية „٩„ | مجلة المجتمع

العنوان الاهتمام بالسنن الكونية الشرعية „٩„

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988

مشاهدات 62

نشر في العدد 867

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 24-مايو-1988

د. جاسم المهلهل آل ياسين
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأسلوب الخامس: العمل على تقوية القول بالعمل دائمًا:

 

إن صاحب النشاط والإنتاج والاندماج مع أحداث الدعوة اليومية تشفع هفواته إذا ما زل، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث، والخطأ وارد من الجميع كما قيل: «ما كل قائل يسلم، ولا كل سامع يصيب» ولكن من ثبتت عدالته لا ينسب إليه إلا ما يليق بحاله وبطريقته من الخصال الحميدة (13) فما من شريف ولا عالم ولا ذي فضل إلا وفيه عيب ولكن من الناس من لا ينبغي أن تُذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِب نقصه لفضله (14) فإنه ليس من شرط أولياء الله المتقين ألا يكونوا مخطئين في بعض الأشياء خطأً مغفورًا لهم، بل ولا من شرطهم ترك الصغائر مطلقًا بل ولا من شرطهم ترك الكبائر أو الكفر الذي تعقبه التوبة (15) فهذه الأمور تمثل قاعدة جليلة كما قال السخاوي: من ثبتت إمامته وعدالته، وكثر مادحوه ومزكوه وندر جارحوه، وكانت هناك قرينة دالة على سبب جرحه من تعصب مذهبي، أو غيره، فإنا لا نلتفت إلى الجرح فيه، ونعمل فيه بالعدالة، وإلا فلو فتحنا هذا الباب وأخذنا بتقديم الجرح على إطلاقه، لما سلم لنا أحد من الأئمة إذ ما من إمام إلا وقد طُعن فيه الطاعنون، وهلك فيه هالكون (16) فهو ميزان العدل في الإسلام من غير إفراط أو تفريط فإذا غلبت محاسن الرجل على مساوئه لم تُذكر المساوئ، وإذا غلبت المساوئ على المحاسن لم تُذكر المحاسن (17).

 

وقد أنشدوا:

 

وإذا الحبيب أتى بذنب واحد ** جاءت محاسنه بألف شفيع (18)

 

وهذا الإثبات لمحاسن الأئمة القادة لا يعني متابعتهم فيما أخطأوا فيه بل فضلهم محفوظ وصوابهم مقتدى به وخطؤهم مردود، قال الإمام الذهبي: إن الكبير من أئمة العلم إذا أكثر وعلم تحريه للحق واتسع علمه، وظهر ذكاؤه وعرف صلاحه، وورعه واتباعه يغفر له زلـله، ولا نضلله وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه ونرجو له التوبة من ذلك (19) وملاك ذلك الحب الصادق قال عمرو بن عبيد: في المؤمن ثلاث خصال: يسمع الكلمة التي تؤذيه فيضرب عنها صفحًا كأن لم يسمعها ويحب للناس كما يحب لنفسه، ويقطع أسباب الطمع عن الخلق (20).

 

هذه سياحة في أقوال العلماء- رحمهم الله- تبين ضرورة السعي والحركة لموافقة القول وأن نتوقع الخطأ والوقوع فيه من غير قصد لا يؤثر ولا يحبط، ومع ذلك فنحن ندعو الصفوة القيادية لأن تُكمل من بنائها الظاهر والباطن، وإظهار الدليل عليه حيث دليل كمال الظاهرة تناسب أعضاء البدن وحسن صورتها وتناسقها، ثم حسن السمت والهدى، ودليل كمال الباطن حسن الطبائع والأخلاق، والنزاهة والأنفة من الجهل، ومباعدة الشر، وستر العيوب وابتداء المعروف، وسلامة القلب والحلم عن الجهل والتسليم لمقادير الله تعالى ظاهرًا وباطنًا، فهذه تقريبًا الأسباب الموصلة إلى الكمال، فمن رُزق هذه الأشياء أُخذت به إلى الكمال، وإن نقصت خصلة من هذه الخصال أوجبت النقص (21) ويبدأ هذا الضبط في موافقة القول العمل من داخل الإنسان، قال عبد القادر الجيلاني: إذا كنت منكرًا على نفسك قدرت على الإنكار على غيرك، فعلى قدر قوة إيمانك تزيل المنكرات وعلى قدر ضعفه تقعد في بيتك وتتخارس عن إزالتها (22) ومن وثق قوله بعمله ختم الله له بالشهادة وكلمة التوحيد، فهذا سعيد بن جبير العظيم جهاده للظلم والظالمين عندما قتله الحجاج سنة 95 هـ وبان رأسه عن جسده قال: «لا إله إلا الله» مرتين ثم بدأ الثالثة ولم يتمها وفاضت نفسه ولم يكن سعيد رحمه الله يومئذ نكرة في المجتمع بل كما ذكر الإمام حمد بن حنبل رضي الله عنه: مات يوم مات وما من أحد من أهل الأرض إلا وهو محتاج إلى علمه (23) وفي ذلك حجة على من تخارس عن الحق بحجة أن الناس بحاجة إليه!! فالقائد يتعلم ليعمل لا ليظهر بين الناس أو يوقع بينهم. فمن يسلك هذا السبيل فلن يفلح قال أبو سنان زيد بن سنان الخزاعي: إذا كان طالب العلم لا يتعلم أو قبل أن يتعلم مسألة في الدين يتعلم الوقيعة في الناس، متى يفلح؟! (24).

 

الأسلوب السادس: التدرب والممارسة على التخطيط ووضع السياسات:

فالأخ القائد يتدرب دائمًا على رسم الأهداف القريبة والبعيدة، مع وضع السياسات العليا والتحتية، وهو في عملية التدريب هذه وبعد أن ينتهي من كتابة أوراقه يقوم بحرقها، ويكرر هذا بعد إعادة نظر فيما كتب مرات ومرات.

 

وهذا ما عناه ياقوت الحموي عندما قال: إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابًا في يومه إلا قال في غده لو غُير هذا لكان أحسن ولو زيد كذا لكان يُستحسن، ولو قُدم هذا لكان أفضل ولو تُرك هذا لكان أجمل، وهذا من أعظم العبر وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر.(1)

 

فالمعارضة والمراجعة لا بد منها فمن لم يعارض لم يدر كيف يضع رجله (2) وهو بهذا العمل يحقق لنفسه أمرين:

 

الأمر الأول: تربيته لنفسه على أن يكتب لمن هم أعلى منه أو من هم في درجته من غير أن يأخذوا بما كتب أو أن ينظروا فيها، وهذا بالتالي سيؤول به إلى تنمية الإخلاص، فهو ليس مكلفًا بأن يؤخذ اقتراحه ولكنه مطلوب منه أن يتفاعل مع العمل الذي هو عليه ويسعى للأخذ به إلى الأحسن، وهذا هو الأمر الثاني والمهم والذي يعتبر عدم الوعي به سببًا رئيسيًا لوجود الإحباطات القيادية والفتن الشيطانية، كما أن الإكثار من الكتابة سيقلل من الأخطاء في الصياغة والأسلوب، ويقضي على رهبة الكتابة التي لا تقل عن رهبة الحديث والخطابة.

 

فلا بد من الممارسة وعدم التخوف من الخطأ فلولا ظلمة الخطأ ما أشرق نور الصواب في القلوب (3) وهذا يستلزم تواجده اليومي في العمل محصورًا في واجبات عمله كالجندي لا يكون جنديًا صحيحًا إلا إذا كان في وسط ميدانه (4) فمعظم الأشخاص الذين يتولون مراكز قيادية اليوم تعلموا كثيرًا مما يعرفون عن القيادة من ملاحظة من سبقوهم من القادة (5) وبهذا قيل: من التوفيق حفظ التجربة (6).

 

وعندما نذكر هذا الأمر نؤكد على أن الفارق بين القيادة والاتباع هو فارق في الدرجة لا النوع، وهذه الدرجة إنما أتت من خلال التدريب والممارسة، والابتكار عملية ذهنية منتجة لمعطيات جديدة قابلة للضبط. ومنهج التعود والتدرب أخذ به السلف رضوان الله عليهم فكان عبد الله بن مسعود يقول: تعودوا الخير فإنما الخير عادة (7) ومن تدرب وعزم فسيصل بإذن الله تعالى. قال الشافعي رحمه الله: كانت نهمتي في شيئين: في الرمي وطلب العلم فنلت من الرمي، حتى كنت أصيب من عشرة عشرة (8).

ــــــــــــــــــــــــــــــ


 

(13) المدخل لأبي عبد الله بن محمد الشهير بابن الحاج 3/89»

(14) ذيل التبر المسبوك للسخاوي «ص4»

(15) مجموع الفتاوى «11/16-67»

(16) قاعدة الجرح والتعديل لابن السبكي ص10»

(17) كلمة لعبدالله بن المبارك، سير أعلام النبلاء 8/302.

(18) خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر للمجبي 1/117.

 (19) سیر أعلام النبلاء «5/271»

(20) بهجة المجالس 1/139.

(21) صيد الخاطر لابن الجوزي 1/289.

 (22) الفتح الرباني لعبد القادر الجيلاني ص50.

(23) تذكرة الحفاظ 11/827.

 (24) ترتیب المدارك 2/14.

(1) مقدمة معجم الأدباء (ص9)

(2) المنهج لأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد أبي اليمن مجير الدين عبد الرحمن بن محمد العليمي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد (2/9)

 (3) البصائر والذخائر (4/186)

 (4) وحي قلم 2/272.

 (5) كيف نعد قادة أفضل، مالكرم وهولدا فولز - ترجمة د. حسين حمد الطوبجي

(26) (6) المجتبى للإمام أبي بكر محمد بن الحسن بن دريد الازدي

(7) البصائر والذخائر (3/436)

 (8) أدب الشافعي ومناقبه للحافظ أبي محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم الرازي قدم له وحققه عبد الغني عبد الخالق 44.   

الرابط المختصر :