; الهروب الكبير من البوسنة والهرسك | مجلة المجتمع

العنوان الهروب الكبير من البوسنة والهرسك

الكاتب بدر الغانمي

تاريخ النشر الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

مشاهدات 67

نشر في العدد 1019

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 06-أكتوبر-1992

 

البوسنة والهرسك: أوروبا في صيف عام 1992

موجات الهجرة والبطش الصربي

أوروبا في صيف عام (1992)م الحار تعيش صورًا لم تُر من قبل. مئات الألوف تتعذب من شدة إلى شدة. تيارات من الهجرة الجماعية الشعبية لشعب البوسنة تغادر إلى أوروبا الغربية التي تنعم بالرخاء، شعارهم: أي مكان سوى العودة، هربًا من البطش الصربي الذي أكل الأخضر واليابس في بلادهم على مرأى ومسمع من العالم أجمع.

 

لكن أوروبا التي تعيش مرفهة تحاول أن تدفع عن نفسها تيار المُنْتَزَعِين من ديارهم في البلقان عبر حاجز تأشيرة الدخول «فيزا»، ثم إغلاق الحدود والعنت البيروقراطي إلى المساومة على حصص قبول اللاجئين، في تصرفات مخجلة تُعَبِّرُ عن السخرية والازدراء بالإنسانية، لِأكبر دراما للاجئين منذ الحرب العالمية الثانية.

 

أرقام الهاربين الصادمة

أكثر من (2.4) مليون شخص حسب إحصائية الأمم المتحدة في حالة هروب، من بينهم ربع مليون طفل. مئات الآلاف لا يمكن لهم الإقامة حتى بين أقاربهم، أو يجدون لهم ملجأ من ضياع وسط ركام إمبراطورية تيتو. مليون شخص محاصرون شمال البوسنة. بل إن في الصرب نفسها التي تشعل الحرب وتقودها أكثر من (382,000) هارب لحقهم من نار الحرب والتخريب والدمار، حتى أن شوارع بلغراد أصبحت مليئة بالمتسولين.

 

وفي كرواتيا التي نالت استقلالها في يونيو الماضي أكثر من سبعمائة ألف مشرد يجب إطعامهم والعناية بهم في هذه الدولة الوليدة المثقلة بالديون، والتي يكلفها تواجد هذا العدد الضخم من اللاجئين أربعة ملايين مارك يوميًّا للطعام والشراب فقط حسب الإحصائيات الرسمية. لذلك لم تجد غضاضة في فتح حدودها مع سلوفينيا لإيواء أعداد أخرى من المهاجرين الذين يفدون عليها يوميًّا.

 

سلوفاكيا، الجارة الشمالية للكروات، امتلأت بـ (63,000) لاجئ، وهي ليست أفضل حالًا من كرواتيا، لذلك تحاول أن تذهب باللاجئين إلى النمسا وإيطاليا، الجيران الأفضل حالًا.

 

الهاربون في القطارات لا يحملون معهم إلا أزهد المتاع، مما أنشأ في أوروبا طبقة جديدة من اللاجئين أطلق عليهم «Bag People»، أي الذين لا يملكون إلا شنطة من البلاستيك، وغالبًا لا يملكون شيئًا مطلقًا. وعن ذلك عرض التلفزيون النمساوي تقريرًا عن أحوال اللاجئين في أحد المخيمات الذي أقيم بأرض المعارض في فيينا، فقال أحدهم ويدعى منيب ليذوانفيتش، وهو يرتدي ملابس بالية: إن الصربيين أخذوا مني كل شيء، حتى سروال الخدمة العسكرية. الآن ليس أمامي إلا أن أتسول هنا.

 

جروح عميقة وصور من الواقع

بعد (47) عامًا من انتهاء الحرب العالمية الثانية، يوجد الآن في أوروبا أطفال في حالة هروب. إنهم اليتامى الذين نجوا من حمم القتل والدمار في بلادهم بعد أن فقدوا بعد شهور من تواجدهم في الخنادق القدرة على التعرف على أنفسهم. ويخشى الطبيب النمساوي أيوب شتيك أن تظل في نفوس هؤلاء الأطفال جروحًا عميقة من مناظر الرقاب والحناجر المقطعة والتعذيب حتى الموت.

 

أكثر من خمسمائة طفل بوسنوي تم إخراجهم من سراييفو، كان عليهم أن يمروا بـ (17) حاجزًا أمنيًّا لعصابات الصرب في طريقهم من كوستة إلى سبليت. ظلت صور الموت والرعب تدور بهم من حاجز إلى آخر. هذا العدد من الأطفال استضافتهم إيطاليا لدى عدد من العائلات هناك في انتظار ما ستسفر عنه هذه المأساة.

 

صادوقا أوجاتا، مراقبة الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، بعد أن زارت قلب يوغسلافيا تقول: لقد استمعت وشاهدت صورًا غير إنسانية بل ومرعبة. إنها بشكل لم يُر منذ الحرب العالمية الثانية.

 

الموقف الأوروبي: لا مبالاة وبخل

أمام هذا الواقع، تغط أوروبا في نومٍ عميق وتتابع نتائج هذه الكارثة بصورة سلبية وصفتها جريدة جنوب ألمانيا Süddeutsche Zeitung بالعنوان الكبير: «أوروبا: لا مبالاة، بخل، جبن». فيما قالت مجلة دير شبيغل الألمانية، في عددها الواحد والثلاثين الصادر في (24) أغسطس من العام الحالي: إن اللامبالاة التي يبديها المسؤولون في أوروبا للاجئين لا تقارن بمدى الاهتمام والليالي الطويلة التي يقضونها لمناقشة حصص دولهم لبيع الألبان أو الحديد. في الدورة الأخيرة للمجموعة الأوروبية، قدم وزير الخارجية البريطاني دوجلاس هيرد بصفته رئيس الجلسة مشروع قرار فارغ من أي محتوى، وفي مستوى أقل مما سبق لدول المجموعة الأوروبية أن أصدرته عقب مؤتمر قمة الدول السبع الصناعية الذي عُقد في ميونيخ بخصوص الحرب الأهلية في يوغسلافيا.

 

وفي هذه الجلسة، قال وزير خارجية ألمانيا كلوس كينكل صارخًا في وجه وزير الخارجية البريطاني: «كل هذا هراء». ولكن هيرد احتمى بوزيري خارجية بلجيكا وإسبانيا، اللذين أوضحا أن مشكلة اللاجئين هي من اختصاص وزراء الداخلية ومصلحة الهجرة. ولم ينفع الوزير الألماني أن نظيره الفرنسي رولان دومًا وقف بشكل شكلي وعضدًا له، حين قال: إنه يجب التفكير كذلك في اللاجئين القادمين من لاوس وكمبوديا وهاييتي. وأضاف: إنه في كل مكان يوجد لاجئون.

 

رئيس الوزراء البريطاني جون ميجور تقمص دور المنقذ فأعلن أن بلاده تبدي استعدادها لاستقبال حتى (60) طفلًا من ضحايا الحرب إذا ما تم إخلاء البلد، يقصد البوسنة والهرسك. فيما كشفت صحيفة الأوبزرفر الذائعة الانتشار، في عددها الصادر في (24/9/92)م، التجاهل البريطاني تجاه أزمة اللاجئين. فيما تحاول بعض البلدان الأوروبية التأقلم مع الأزمة، حيث قال المحرر جون سويني:

 

على المستوى الرسمي، يبدو أن المفوضية العامة للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين سعيدة من بريطانيا لأنها ستؤدي دورها في امتصاص اللاجئين. أما على المستوى غير الرسمي، فمن المؤسف أن بريطانيا تجاهلت دورها في امتصاص اللاجئين وبررت خطأها برفض إعطاء حق اللجوء السياسي لـ (36) لاجئًا يوغسلافيًّا ببيان صحفي صدر يوم (21) يوليو يوضح أن الحكومة البريطانية لا ترغب في التخلي عن سياسة إعادة اللاجئين القادمين عبر دولة أخرى، وهو اتجاه غير مضياف لم تفعله دولة أخرى.

 

والحقيقة أن الموقف البريطاني مقارنة بغيرها من دول أوروبا يبدو شاذًا، خصوصًا أن بريطانيا استقبلت أكثر من (2,000) لاجئ نرويجي على ثلاث دفعات في العام الحالي، مما يلقي بمزيد من الغموض على هذا التصرف. فيما تمادت وزارة الشؤون الداخلية البريطانية في موقفها وأوضحت أنها تستقبل حوالي (4,000) شخص كل شهر، ولم توضح أنهم زوار وليسوا لاجئين.

 

خريطة توزيع اللاجئين ومخاوف المستقبل

وبإلقاء نظرة على أماكن تواجد اللاجئين يتضح أن حوالي (702,500) موجودون الآن في كرواتيا، وحوالي (681,000) في البوسنة. فيما ينتشر (55,000) ألف لاجئ في السويد، و (200,000) ألف في ألمانيا. فيما توزع العدد الباقي على ضوء الخارطة المرفقة على عدد من دول أوروبا الشرقية والغربية. وهناك مخاوف لدى الأمم المتحدة والدول الأوروبية من اتساع نطاق الحرب لتشمل مناطق سنجق وكوسوفو، حيث يواجه المسلمون الألبان الذين يشكلون الغالبية أوضاعًا سيئة من الصرب الذين يشكلون الأقلية. وإذا اتسعت الحرب إلى كوسوفو، فإن الملايين سيفرون إلى ألبانيا الفقيرة، وهي أقل الدول الأوروبية قدرة على تحمل مثل ذلك التدفق من اللاجئين.

 

وفي ذلك يقول فيلي برانت، المهاجر السابق: إن اللاجئين هم فلاحون فوق لوحة شطرنج الحروب الإقليمية والدولية الدامية في هذا القرن الذي يجب أن يسمى قرن الهجرة أو هجرة الشعوب.

 


 


 


الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

522

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

580

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8