; في المقاصد والمنهج المقاصدي مناقشة ابن الجوزي للصوفية.. والشاطبي ونظريته | مجلة المجتمع

العنوان في المقاصد والمنهج المقاصدي مناقشة ابن الجوزي للصوفية.. والشاطبي ونظريته

الكاتب محمد شاويش

تاريخ النشر السبت 23-مارس-2002

مشاهدات 61

نشر في العدد 1493

نشر في الصفحة 44

السبت 23-مارس-2002

  • لأول مرة نجد عالمًا أصوليًايضع على عاتقه مهمة التقعيد لمقاصد الشريعة.

تستوقفنا مناقشة ابن الجوزي الحادة للصوفية في كتابه الشهير تلبيس إبليس لأنها بالفعل تعبير رائع عن رؤية هذا الفقيه الكبير للمقاصد العامة للشريعة الإسلامية من خلال نقد الرؤية السائدة بين متصوفة زمانه التي شطبت قسمًا كبيرًا من هذه المقاصد، مما أدى إلى خلل خطير في المجتمع الإسلامي آنذاك، وهذه أمثلة من السلوك والمفاهيم الصوفية التي انتقدها على أرضية من الفهم السليم للمقاصد الشرعية:

  1. احتقار العلم والعلماء:

قال بعض الصوفية المقصود العمل، مهملًا بهذا مقصد الشريعة الكبير في الحث على طلب العلم وإزالة الجهل ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (الزمر:۹) ولهذا التيار من الصوفية تبريرات لترك العلم الشرعي كقولهم إنه علم الظاهر، أما هم فمشغولون بعلم الباطن، وقالوا إنهم أخذوا علمهم عن الحي الذي لا يموت، بينما العلماء يأخذون علمهم ميتًا عن ميت ولجأ كثير منهم إلى إتلاف ما كان عندهم من كتب وفي الرد على هذا التيار يقول ابن الجوزي: العلم نور وإبليس يحسن للإنسان إطفاء النور ليتمكن منه في الظلمة ولا ظلمة كظلمة الجهل، ولما خاف إبليس أن يعاود هؤلاء مطالعة الكتب - فربما استدلوا بذلك على مكايده - حسن لهم دفن الكتب وإتلافها، وهذا فعل قبيح محظور وجهل بالمقصود بالكتب وبيان هذا أن أصل العلوم القرآن والسنة فلما علم الشرع أن حفظهما يصعب أمر بكتابة المصحف وكتابة الحديث.

وأوضح ابن الجوزي في هذا السياق أن العلم سبيل لمعرفة أحكام الله من أكبر المعاندة الله عز وجل الصد عن سبيل الله وأوضح سبيل الله العلم لأنه دليل على الله وبيان لأحكام الله وشرعه وإيضاح لما يحبه ويكرهه فالمنع منه معاداة لله وشرعه.

  1. ترك العمل وتفضيل البطالة:

ما أكثر الآيات والأحاديث التي تحض على العمل وتفضله على الكسل والتبطل قال عز وجل ﴿ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ﴾ (الجمعة:۱۰) وقال عليه الصلاة والسلام: «لأن يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها فيكف بها الله وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه»، ونعى ابن الجوزي على متصوفة عصره استباحتهم للتسول ومفهومهم الخاطئ للتوكل وينقل عن أحدهم أنه سئل عن التوكلفأعطى أخر درهم كان عنده ثم قال: «استحييت من الله أن أجيبك وعندي شيء».

وكان بعضهم يهب كل أمواله ثم ينصرف إلى التسول، ويوضح ابن الجوزي فهم الإسلام للتوكل الذي لا يتنافى مع ترك العمل والأخذ بالأسباب وهكذا فهمه الصحابة، ويقول: «لو فهم هؤلاء معنى التوكل وأنه ثقة القلب بالله عز وجل لا إخراج صور المال ما قال هؤلاء هذا الكلام، ولكن قل فهمهم، وقد كان سادات الصحابة والتابعين يتجرون ويجمعون الأموال وما قال مثل هذا أحد منهم وقد روينا عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال حين أمر بترك الكسب لأجل شغله بالخلافة، فمن أين أطعم عيالي؟، وهذا القول منكر عند الصوفية يخرجون قاتله من التوكل.

  1.  فهمهم الخاطئ لموقف الشريعة من المال:

تركيز الصوفية على مبدأ الزهد جعلهم يعتقدون أن المال شر لا خير فيه، وأن الشريعة مقصدها الأساس في موضوع المال محاربته والحث على عدم اقتنائه وتضييع الموجود منه بأي طريقة كانت حتى ولو كانت رميه في النهر!

وفي مناقشة ابن الجوزي الطويلة معهم لا ينفك يعيد أن الشريعة حثت على طلب المال من وجوهه المشروعة وتنميته بصورة مشروعة أيضًا وهو يرد على قول المحاسبي« إن الله عز وجل نهى عباده عن جمع المال وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أمته عن جمع المال، فيقول: «وقوله: ترك المال الحلال أفضل من جمعه ليس كذلك، بل متى صح القصد فجمعه أفضل بلا خلاف عند العلماء ويضرب لذلك أمثلة من حياة الأنبياء والصالحين فقد كان لإبراهيم عليه السلام زرع ومال وكذلك لشعيب وكان سعيد بن المسيب يقول: لا خير فيمن لا يطلب المال يقضي به دينه ويصون به عرضه.

  1. الإعراض عن الزواج وعن الزينة ومباهج الحياة المشروعة:

من المعروف في الشريعة أن الزواج من السنن المستحبة المندوب إليها لقوله صلى الله عليه وسلم «يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء» وقال (صلى الله عليه وسلم) - وقد أخبر عن نفر من الصحابة أراد أحدهم أن يقوم الليل فلا ينام والثاني أن يصوم فلا يفطر والثالث أن يعتزل النساء فلا يتزوج - «أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ولكني أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».

ولا شك في أن الإسلام جاء بالحنيفية السمحة التي لا رهبانية فيها، فامتناع الصوفية عن الزواج مناقضة لهذا المقصد العظيم من مقاصد الشريعة، يقول الصنعاني رحمه الله في سبل السلام، معلقًا على هذا الحديث: وهو دليل على أن المشروع هو الاقتصاد في العبادات دون الانهماك والإضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها، وإن هذه الملة المحمدية مبنية شرعتها على الاقتصاد والتسهيل والتيسير وعدم التعسير. 

أما الصوفية في زمان ابن الجوزي فقال أحدهم: إذا طلب الرجل الحديث أو سافر في طلب المعاش أو تزوج فقد ركن إلى الدنيا - فقال ابن الجوزي في الرد عليه: وهذا كله مخالف للشرع وكيف لا يطلب الحديث والملائكة تضع أجنحتها لطلب العلم وكيف لا يطلب المعاش وقد قال عمر بنالخطاب رضي الله عنه: لأن أموت من سعي على رجلي أطلب كفاف وجهي أحب إلي من أن أموت غازيًا في سبيل الله؟ وكيف لا يتزوج وصاحي الشرع يقول: «تناكحوا تناسلوا»؟ فما أرى هذه الأوضاع إلا على خلاف الشرع.

 وكما حرم هؤلاء الصوفية على أنفسهمالزواج حرموا طيبات أحلها الله لهم واختاروا لأنفسهم المظهر المزري وألزموا أنفسهم بما لا يلزم من لبس المرقع بلا ضرورة، قال أبو الفرج: وإنما أكره لبس الفوط المرقعات لأربعة أوجه أحدها أنه ليس من لبس السلف وإنما كان السلف يرقعون ضرورة، والثاني أنه يتضمن ادعاء الفقر وقد أمر الإنسان أن يظهر نعمة الله عليه والثالث أنه إظهار للزهد وقد أمرنا بستره، والرابع أنه تشبه بهؤلاء المتزحزحين عن الشريعةومن تشبه بقوم فهو منهم0

وأخذ أبو الفرج عليهم أنهم بهذا خالفوا السنة وتمسكوا بأمر شكلي وخالفوا مقصد الشرع في التواضع وعدم المراءاة وإخفاء الزهد وعدم إظهاره.

وبعد هذا الاستعراض لنقاط جوهرية في نقد ابن الجوزي للصوفية نقول إن هذا النقد يمثل لنا فهمًا للمقاصد العامة للشريعة الإسلامية وما تريده من نظام للسلوك الاجتماعي والفردي بالتناقض مع فهم خاطئ لم يزل لحد الآن موجودًا عند بعض المسلمين يتميز بأطروحة رئيسة تقول إن الدين يريد من الفرد أن يعرض عن العمل وعن الإقبال علىمباهج الحياة وينصرف إلى العزلة والتفكير في الآخرة فقط دون تفكير في تدبير أمر الدنيا.

ونقول باختصار: إن هذه المناقشة تدخل في صميم الرؤية المقاصدية العامة التي كان عليها أئمة الفقه عبر العصور والخلاف الشهير بين الفقهاء والمتصوفة كان خلافًا بين من يرى في الإسلام دينًا جامعًا لمصالح الدنيا والآخرة (وهم الفقهاء غالبًا) ومن يرى في الإسلام دينًا يهمل الدنيا لصالح الآخرة، وعبر عن هذا تيار المتصوفة الذي استطاع مع الأسف أن يجتذب عقلًا كبيرًا من أعظم عقول المسلمين بل من أعظم عقول البشرية هو أبو حامد الغزالي رحمه الله وكتاب ابن الجوزي حافل بالرد على أبي حامد وانتقاد تراجعه في مرحلته الصوفية عن المتعارف عليه، والبديهي في الفقه الإسلامي الذي كان هوبالذات من أعلامه العظام.

خامسًا - الشاطبي ونظريته المقاصدية:

مع الشاطبي نحن حيال نقطة تحول نوعية في النظر الأصولي المقاصدي إذ إننا لأول مرةنجد عالمًا أصوليًا وضع على عاتقه مهمة التقعيد لمقاصد الشريعة، فهو في كتابه الموافقات وفي القسم الذي عنوانه «بكتاب المقاصد»، يقدم «نظرية للمقاصد»، على حد تعبير د. أحمد الريسوني.

وهو في هذه النظرية يدافع عن مبدأ تعليل الشريعة دفاعًا مقنعًا مستندًا إلى القرآن الكريم مخطئًا رأي الفقهاء المنكرين لتعليل الأحكام أمثالالرازي.

والشاطبي يرحمه الله يبدأ كتاب المقاصد بجملة قاطعة جازمة: وضع الشرائع إنما هولمصالح العباد في العاجل والأجل معًا.

والشاطبي يتجاوز المماحكات التي سادت الفكر الإسلامي بين تياري المعتزلة والأشاعرة حول مبدأ التحسين والتقبيح العقليين ليعود إلى الفهم السلفي القرآني السليم الذي علمنا أن الله عز وجل علل لنا أحكامه فأرشدنا بهذا إلى جواز البحث عن هذه العلل، يقول أبو إسحاق: والمعتمد إنما هو أنا استقرينا من الشريعة أنها وضعت لمصالح العباد استقراء لا ينازع فيه الرازي ولا غيره، فإن الله يقول في بعثة الرسل وهو الأصل ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ (النساء:١٦٥)، ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (الأنبياء:107) وقال في أصل الخلقة ﴿ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (هود: ۷) ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾  (الذاريات:56) ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ﴾ (الملك: ۲) وأما التعاليل لتفاصيل الأحكام في الكتاب والسنة فأكثر من أن تحصى، كقوله في آية الوضوء ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُ(المائدة:6) وقال في الصيام﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ (البقرة:183) وفي الصلاة ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ (العنكبوت:٤٥) وقال في القبلة ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ (البقرة:١٥٠) وفي الجهاد ﴿ أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (الحج:3٩) وفي القصاص ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (البقرة: ١٧٩) وفي التقرير على التوحيد ﴿ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ ﴾ (الأعراف:172) والمقصود التنبيه، وإذا دل الاستقراء على هذا وكان في مثل هذه القضية مفيدًا للعلم فنحن نقطع بأن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة.

ونلاحظ في هذه الاستشهادات شمولها لأبواب العبادات والمعاملات معًا وهذا ما يبرر قول أبي إسحاق يرحمه الله «إن الأمر مستمر في جميع تفاصيل الشريعة»، وهو في هذه النقطة على طرفي نقيض مع ابن حزم الذي رفض التعليل رفضًا باتًا بل عده تطاولًا على الخالق عز وجل والعياذ بالله، ومن الطريف في هذا السياق رؤية التقاء طرفين هما في الأصل غير ملتقيين في رفض التعليل هما الرازي وابن حزم ذلك أن الأول هو من أبرز الأصوليين القاتلين بالقياس، على حين أن الثاني كتب ما كتب ضد التعليل والمعلمين انسجامًا مع ظاهريته التي تتميز أول ما تتميز برفض القياس رفضًا باتًا، وفي رأينا أن المنسجم مع نفسه وبنيانه النظري في هذا الخلاف كان ابن حزم ولا أعرف كيف استطاع الأشاعرة أمثال الرازي أن يوفقوا بين قولهم بالقياس في الفقه - والقياس يتضمن في بديهياته مبدأ العلة، التي هي ببساطة الوصف الظاهر المنضبط المناسب الذي يكون علامة على حكمة الحكم ومظنة لوجود هذه الحكمة.

والشاطبي في كتاب المقاصد منسفره النفيس الموافقات له نظرة تاريخية رائعة لعلاقة الشريعةالإسلامية بالقوم الذين اصطفاهم الله لحمل هذه الشريعة وإيصالها للعالم، فهو يكرس فصلًا خاصًا لكون الشريعة عربية ولكونها أمية أيضًا فالشريعة جاءت إلى قوم كانوا - رغم انحرافهم - على بقية باقية من ملة إبراهيم عليه السلام وقد أقرت الشريعة الصالح من علومهم وأخلاقهم ومحت الطالح منها، يقول: «واعلم أن العرب كان لها اعتناء بعلوم ذكرها الناس، وكان لعقلائهم اعتناء بمكارم الأخلاق واتصاف بمحاسن شیم، فصححت الشريعة منها ما هو صحيح وزادت عليه، وأبطلت ما هو باطل وبينت منافع ما ينفع من ذلك ومضار ما يضر منه»، ومن العلوم النافعة التي أقرتها الشريعة ما كان عند العرب من علوم النجوم والأنواء والطب والتاريخ وأخبار الأمم الماضية وفنون البلاغة والفصاحة ومعرفة أساليب الكلام وضرب الأمثال، ومن العلوم الضارة التي أبطلتها الشريعة علم العيافة والزجر والكهانة وخط الرمل والضرب بالحصى والطيرة، وأقرت الشريعة مكارم أخلاق كانت عند العرب ونهت عن مساوئ ومن قوانينهم أقرت أشياء عددها الفقهاء مثل القراض وتقدير الدية وضربها على العاقلة وتوريث الذكر مثل الأنثيين وغير ذلك.

وأبو إسحاق يقسم المقاصد إلى قسمين:

قصد الشارع وقصد المكلف ويقسم قصد الشارع إلى أربعة أنواع:

  1. قصد الشارع في وضع الشريعة.

  2.  قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام. 

  3. قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها 4

  4.  قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة.

 أما قصد الشارع في وضع الشريعة فهو حفظ المقاصد التي هي الضروريات والحاجيات والتحسينيات بحفظ ما يحقق وجودها ويرعاه وإبعاد ما يفسدها أو يعطلها، وأما قصد الشارع في وضع الشريعة للإفهام فيشرحه بأن هذه الشريعة عربية أمية، وأما قصد الشارع في وضع الشريعة للتكليف بمقتضاها فهو أن الشريعة لا تكلف بما لا يطاق وتتجنب المشقة والإحراج ولكنها تقر مشقة مخالفة الهوى، وأما قصد الشارع في دخول المكلف تحت أحكام الشريعة فيعني به أن الشارع شمل كل الناس بالتكليف دون فرق بين غني وفقير أو حاكم ومحكوم وشمل كل السلوكيات والحوادث فلكل منها حكم في الشريعة، وهو يقسم المقاصد في هذا القسم إلى مقاصد أصلية ومقاصد تبعية وأما الأصلية فهي الضروريات الخمس وأما التبعية فهي المقاصد الخادمة للمقاصد الأصلية.

وأما القسم الثاني من المقاصد وهو مقاصد المكلف فيعني به مبدأ الأعمال بالنيات، وهو يقول إن قصد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقًا لقصده في التشريع وأبو إسحاق يقف وقفة صارمة ضد الحيل الفقهية.

كيف نعرف مقاصد الشريعة؟

يعدد الشاطبي أربع جهات يعرف منها مقصود الشارع:

  1. الأمر والنهي في النصوص.

  2. معرفة علل الأمر والنهي.

  3. معرفة المقاصد التابعة.

  4. مجرد سكوت الشارع مع توفر داعي البيان.

والشاطبي في الحقيقة يتبع جهة خامسة في معرفة المقاصد هي الاستقراء من النصوص

الشرعية.

ونحن نؤثر الاكتفاء بهذه الخلاصة عن نظرية الشاطبي المقاصدية، ويلاحظ القارئ أنها استفادت من كتابات السابقين وأضافت عليها، كما أنها أثرت في كل من كتب في موضوع المقاصد من اللاحقين.

الرابط المختصر :