; مع شاهد أنقذه الله من زلزال "مدينة الأصنام" | مجلة المجتمع

العنوان مع شاهد أنقذه الله من زلزال "مدينة الأصنام"

الكاتب د. نجيب الرفاعي

تاريخ النشر الأربعاء 03-يونيو-1981

مشاهدات 79

نشر في العدد 531

نشر في الصفحة 24

الأربعاء 03-يونيو-1981

﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ (الحج: 2) ... «العمارات في الجزائر تهتز وتموج موجًا، وكأنها بندول ساعة، وأحس بنفسي أموج مع هذه العمارات، ومن شدة ذلك أصبح مخ الإنسان بحالة غير متزنة... مضطرب... كالسكران تمامًا... بحيث نسي ما لابد أن يفكر فيه مضافًا إلى هذا ذلك الدوي المرعب الشديد الصادر من باطن الأرض... لقد كان يومًا مرعبًا حقًا».

كان هذا كلام الأستاذ ابن قربه مسعود المدرس في معهد الفيزياء في جامعة هواري بومدين، ويتابع كلامه وهو يتذكر هذا الحادث المؤلم؛ إذ كان هو من الناجين من الزلزال: تصور يا أخي لقد ظللت شهرًا كاملًا بعد الزلزال فزعًا خائفًا حقًّا.. ترى الناس سكارى هائمون على وجوههم، نسوا أعمالهم، ونسوا أقرب الناس إليهم.. زوجاتهم وأولادهم وآباءهم وأمهاتهم... وما هم بسكارى، ولكنها صدمة الزلزال، عذاب شديد... يهدأ الحال وتخف حدة الزلزال، وبعدها بفترة أحس بدوار في رأسي؛ مما يخبرني أن دورة أخرى للزلزال قادمة إلينا... لقد ظننت والله أنه يوم القيامة... دخلت العمارة التي أقطن فيها في ذلك اليوم أربع مرات، وفي كل مرة تهتز العمارة.. نخرج لا ندري أين نذهب، كل منا يقول: نفسي... نفسي...

*  يا أستاذ مسعود، وهل لفت نظرك شيء في ذلك اليوم سواء هنا في الجزائر أو في مدينة الأصنام؟

- نعم... معجزة نبهت الكثير أن هناك ربًا، وآمن على إثرها الكثير من الناس الذين ضلوا عن جادة الهدى... تصور أن بيوت الله لم تتهدم ولم تتساقط كبقية العمارات... أحد المساجد مع أنه كان مفرق مركز الزلزال إلا أنه لم يتأثر، ترى البيوت والعمارات من حوله متهدمة ومتساقطة ومتشققة وغائصة في باطن الأرض، ولكنه لم يسقط، وصدق الله العظيم ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ (النور: 36) لقد كانت المساجد هنا وهناك في الجزائر وفي مدينة الأصنام آية من آيات الله تدعو الإنسان أن يتعظ ويعتبر!!

ما حال الناس هنا في الجزائر وهناك في “مدينة الأصنام”؟

- معظم الناس داخل العاصمة بات في الساحات العامة، ومنهم من هرب إلى أعالي الجبال... كان يومًا مفزعًا، وفي مدينة الأصنام بالذات ترى أحدهم كالسكران هائما على وجهه لا يدري أين يتجه؟ أو ماذا يفعل؟ ومنهم من كان جثة هامدة لا ندري أهو من الأحياء أم من الأموات؟ ومنهم من كانت دماؤه تسيل على وجهه وجسمه ولا يشعر بها، بل لا يشعر أهو في الدنيا أم هو في ساحة الحشر؟ ومنهم من ووري بالتراب، وانهالت عليه الأنقاض، فكان من الأموات، كل ذلك في جو من الصراخ والعويل والبكاء، ودموع تغسل تلك الوجوه الملوثة بالغبار.

* ألم تكن لديكم أجهزة لرصد هذا الزلزال قبل حدوثه وتنبيه الناس لهذا الخطر؟

- الأجهزة موجودة والعلماء والخبراء موجودون في مركز رصد الزلازل، ولاحظ أحدهم أن هناك مؤشرًا حادًا على ورقة رصد الزلازل، تنبأ أن زلزالًا سيحدث عن قريب، ولكن العلماء لم يكترثوا بذلك، ظانين أن هناك عطلًا في الجهاز، وأن الجهاز يحتاج إلى تصليح... لم يتوقعوا ذلك، وبعد عشرين دقيقة حدثت الكارثة الرهيبة، وقبل الزلزال هربت القطط والفئران إلى الشوارع والطرقات، وكأن أصابها مس من جنون، وزاد نباح الكلاب بصورة غير طبيعية، بل إن بعض الكلاب البوليسية قطعت السلاسل التي كانت مربوطة بها وهربت!

* هل لك أن تصف بعض الحوادث التي حدثت؟

- كان في مدينة الأصنام دار للشرطة غاصت بأكملها في باطن الأرض، فقامت الشرطة بالاتصال لاسلكيًّا من باطن الأرض طلبًا للنجدة، وحاول الناس إنقاذهم مما هم فيه، ولكن بعد ثلاثة أيام انقطع الاتصال؛ إذ قد ابتلعتهم الأرض تمامًا، ولم يعثر على أي منهم... ويحكى عن شيخ طاعن في السن حضر جميع الهزات الأرضية التي أصابت الجزائر في حياته في الأعوام 1922، وعام 1954 وعام 1980 لم يصب بأذى في كل هذه الزلازل، وأخيرًا تهدم بيته في الزلزال الأخير، ومات ساكنوه، ونجا بأعجوبة للمرة الثالثة، فسبحان مقدر الأرواح!!

* أستاذ ابن قربه هل تعتقد أن ما حدث لمدينة الأصنام له أسباب اقترفها أهلها؟

- نعم... فقد تناقل الناس الكثير مما صار في الأصنام، وأشهد الله إنني لم أر ما قالوه، ولكن أنقل إليك ما سمعته عما كان يحدث في هذه المدينة، فالمدينة كانت تقوم على كثير من الموبقات، مثل الخمر وأهلها يتعاطون الخمر، وهناك مشاهد سيئة من الفواحش، وغير ذلك وعلى سبيل المثال كان أهلها يخلطون الطعام بالخمر، وكان الزنى متفشيًا لدرجة أن المرأة تتفق مع زوجها أنه إذا رأى حذاء عند الباب، فلا يدخل عليها؛ إذ إنها تزني مع أحد الرجال.

* ألم تكن هناك فئة تدعو الناس إلى الإسلام؟

- أستطيع أن أقول بعبارة مختصرة كانت هناك فئتان: فئة تقيم الدين على حقيقته، تقيم الصلوات وتعمر المساجد بذكر الله وحلق العلم وتحث الناس على الخير، وفئة أخرى هي من حزب الشيطان أغناها عن ذلك السعي والجري وراء الملذات والشهوات المحرمة، وكانت الفئة الأولى الصالحة تدعو الثانية والناس أجمعين إلى الهدى؛ وذلك بإقامة الدروس الدينية والوعظ والإرشاد وحفظ القرآن بالمساجد، وغير ذلك من وسائل الدعوة.

* ما أثر الزلزال على نفوس الناس وخاصة العصاة؟

- حين هدأ الزلزال عاد كثير من الناس إلى ربهم، لقد بدأ شعور إيماني في قلوب أولئك الذين لم تطمئن قلوبهم من قبل إلى وحدانية وعظمة الله، لقد تجلت عظمة الله عن طريق هذا الرعب الذي ألقي في قلوب الناس، فأصبحوا يشعرون أنهم مخلوقات وعبيد لعظيم سبحانه وتعالى، لقد كنت ترى وجوههم، وقد علاها الحياء، منكسة خاشعة، بعد أن كانت سابقًا منكرة لله ولدينه ولرسوله، كانوا لا يستطيعون أن يرفعوا رؤوسهم إلى السماء حياء من عظمة الله، وحياء من أعمالهم المخزية السابقة، كانوا يعتقدون بعدم وجود خالق أو رسول أو إسلام، ولكن بعد الزلزال رجعوا إلى نظرتهم السليمة التي فطرهم الله عليها، فرجعوا إلى دينهم وازدادوا إيمانًا بربهم، وشعروا بوخز في نفوسهم يهديهم للتي هي أقوم، وتجسد ذلك الشعور بأنهم ساهموا في إنقاذ ضحايا الزلازل، طالبين من الله المغفرة والعون، وبذهابهم إلى بيوت الله التي لم يألفوها في حياتهم؛ كي يزيدوا من عدد المصلين الركع السجود، معاهدين الله على التوبة النصوح.

وأثناء الحديث دخل علينا الأخ حبار أحمد بن يوسف، وهو من سكان مدينة الأصنام، ومن الناجين من زلزالها المخيف، توجهت إليه بالسؤال هل لك أن تحدثنا عن حوادث ذات عبر صارت إبان الزلزال؟

فقال: حين ارتجت المدينة بالزلزال رفع الناس أصابعهم بالتوحيد مهللين مكبرين مرددين: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وفي نفس الوقت شاهدهم بعض السياح الأجانب فقالوا بالفرنسية: نحن أيضًا نقر بالتوحيد، ونقول كما تقولون!!

لقد بدأ الزلزال وقت صلاة الجمعة، وبالضبط حين أراد الإمام الصعود إلى المنبر للخطبة، والملاحظ أن جميع مساجد مدينة الأصنام لم تتهاو على المصلين، فلم يصب أي مصلٍ بأذى إلا أولئك الذين خرجوا من المسجد بعد حدوث الزلزال من الرعب، فبعضهم جرح أو مات من جراء الازدحام عند باب المسجد، وفي هذه حكمة، فلو حدث الزلزال في غير وقت صلاة الجمعة؛ لازداد عدد الجرحى والموتى، فكأن الله أراد إنقاذ الكثير منهم، وبالضبط الصالحين الذين يحافظون على الصلوات في المساجد، وخاصة صلاة الجمعة.

وهناك الحي المصري يحوي على 3500 شخص يسكنون فيه، سقط بكامله عندما سقط كان الناس في الطابق الأسفل، ولما جاءت سيارات الإسعاف والنجدة وجنود الجيش الشعبي لإنقاذهم؛ ظن الناس الذين كانوا يشاهدون هذه الجموع من الجنود أن ما حدث هو حرب وليس بزلزال!!

ومن القصص الطريقة التي يتناقلها الناس أنه كان هناك عرس يوم الجمعة، ومن عادة أهل الجزائر أن يأتوا بالعروس إلى منزل زوجها في هذا اليوم، فلما وصلوا إلى بيت العريس لم يجدوه موجودًا؛ إذ قد تساوى بالأرض من جراء الزلزال، فأخذوها إلى أحد البساتين، وحدث في هذا اليوم الكئيب الكثير من الولادات، ولاحظت وغيري من الناس أن الهلاك حدث للناس أجمعين، ولكن حدث بصورة أكبر لأولئك المفسدين الضالين العصاة.

وينتهي حديث الأخ حبار، وأتساءل مع نفسي ترى هل تعتبر الجزائر بما حدث لها؟ وهل تكف عما يغضب الله؟ مازالت الخمور تسقى وتوزع وتباع في الشوارع والطرقات والفنادق، فهذا ما شاهدته وبالذات في فندق الأوراسي الذي كنت ساكنًا فيه!! ومازال أحد دعائم اقتصادها قائمًا على توريد العنب الذي يصنع منه الخمر!! ومازالت الحانات والنوادي الليلية مفتوحة لطالبي اللذة المحرمة!!

فيا جزائر المليون شهيد، اتقي الله فيم أنت عليه، وارجعي إلى ربك راضية مرضية، وصدق الله العظيم حين قال:﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (الزلزلة: 1-8).  

الرابط المختصر :