العنوان سر النجاح
الكاتب أبو الأعلي المودودي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-فبراير-1975
مشاهدات 78
نشر في العدد 235
نشر في الصفحة 26
الثلاثاء 04-فبراير-1975
سر النجاح
إذا أردنا أن نحصن أنفسنا من الظلم والفساد ونبعدها عن الفتنة والدمار فما علينا إلا أن نؤمن بالله العلى العظيم وأن نعيش تحت حكمه مطيعين له وأن نكون على يقين أن الله- سبحانه وتعالى- مطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأنه مجاز يوم تقف بين يديه حيث نلقى كتابنا الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها وهذا هو الطريق الوحيد لسعادة الإنسان وأمن حياته.
ما منا اليوم إلا ويسأل نفسه ويردد في فكره هذا السؤال: أين الأمن؟ أين الراحة؟ لماذا تلم بنا ملمات وتنزل علينا نازلات؟ هل فينا أو معنا من يستحق ذلك؟ تتخاصم الأقوام وتلتحم البلدان ويتذأب الإنسان لأخيه؛ آلاف وآلاف يقتلون ويشردون وآلاف يحرمون من العمل.. يخرب العمران، يأكل القوى الضعيف، يسلخ الغني الفقير وفي الغناء انحراف وفي الإمارة تكبر وجبروت وفي الصداقة غدر وفي الأمانة خيانة وفي الأخلاق اعوجاج وفي الاعتماد ريب وفي المذهب لا مذهبي وفي ذرية آدم تشتت وافتراق؛ كلٌ يريد أن يغير على الآخر ويلحق به الضرر كلما وجد إلى ذلك سبيلًا وهو يظن أنه يحسن صنعًا.
لماذا هذا الفساد والخراب؟ الكون فيه هدوء وأمن فالنجوم مثلًا فيها نظام وهدوء والماء والهواء فيهما أمن والأشجار والحيوان فيها هدوء كل منها يجرى لأجل مسمى لا فساد ولا اختلال إلا الإنسان فيه ما فيه من الظلم والفساد وهو الوحيد المحروم من نعمة الأمن والسعادة- هذا السؤال يهم الجميع ومن الصعب أن يجيبوا عليه ولكني أتولى الجواب وأوجزه لكم: لا شك أن الإنسان يحارب الحقيقة ويجعل مدار الحياة على ضدها، لذا يتحمل جزاء عمله ولا يمكن أن يقر له بال حتى يعيد الحياة إلى حقيقتها
«الخروج على الحقيقة وأثره في الحياة»
تفتح باب القطار وهو في سيره معتقدًا أنه باب دارك مزمعًا الخروج منه إلى بهو دارك فاعتقادك هذا لا يغير من الحقيقة شيئًا بل عزمك يؤدى إلى هلاكك وهكذا إذا اعتقدت أنه ليس هناك من يدبر الكون أو جعلت نفسك أهلًا لذلك أو اتخذت بين ذلك سبيلًا فهذا لا يغير الحقيقة فالرب رب والخالق خالق والمالك مالك وأنت مخلوقه في ملكه زمامك بیده فتفكيرك الخاطئ واعتقادك الفاسد جعلك تتحمل هذه المصائب وإذا بقيت بعد تحملك إياها على ما كنت عليه فالأسف الأسف. فكر؛ هل الله سبحانه وتعالى في حاجة إلى أن تقول جعلناه خالقًا لهذا الكون؟ كلا إنما هو خالق دون أن تكلف نفسك ذلك اعترفت بذلك أم لم تعترف فالكون قائم بقدرته وإرادته والعالم منه وحده هذه الأرض وما فيها تحت تصرفه- سبحانه وتعالى- وجميع الطاقات المتحركة في الكون خاضعة لقدرته- جل وعلا- والأشياء التي هي مدار حياتك في قبضته- عز وجل- حتى روحك التي تظن أنها ملك لك لا تقدر أن تغير من تلك الحقائق شيئًا وإن أغمضت عينك جميعها. ونقطة التحول إما تجعل حياتك ضمن إطار الحقيقة فتجد عند ذلك ما ترغبه وما تتمناه وإما أن تعارض الحقيقة وتعكسها فالويل والهلاك هما حظك في الكون- كما سبق أن جررت على نفسك الهلاك حين خرجت من باب القطار ظانًا أنه باب دارك حيث أصبت بكسر في رجلك وشق في رأسك بينما الحقيقة لم يصبها أذى.
«الإنسان ومركزه اللائق»
نتساءل ما حقيقتنا؟ أشرحها لك في أسطر، إذا استأجرت أجيرًا فما شأنه بين يديك؟ أليس شأنه أن يكون رهن إشارتك مطيعًا أمرك غير متجاوز حده؟ وهل له غير ذلك؟ إذا كنت رئيسًا فما عمل المرؤوس؟ أليس من مهنته الحفاظ على العمل وعدم التطلع إلى رياستك- إذا كنت ذا أملاك وعقارات فما رغبتك فيها؟ ألا ترغب أن لا يحرك فيها ساكن ألا بأمرك، إذا كنت في مملكة وليس بيدك حل أو عقد فما شأنك فيها؟ حسبك أن تكون عبدًا مطيعًا، إياك والخروج على حكمه وحذار أن تجعل الحكم لغير حاكمها ومالكها وإذا فعلت ذلك كنت خارجًا باغيًا والباغي حكمه لديك معروف؛ أعتقد أنك عرفت من سردي تلك الأمثلة مكانك وشأنك في هذا الكون فمن واجبك لمن خلقك أن تجعل حياتك كما يرتضيها لك، من خزائنه تعيش فكن له عبدًا مطيعًا، أنت في ملكه فكن له مملوكًا مرضيًّا، لا يحدث فيه إلا ما يريد ولا يمكن ولن يمكن أن يحدث فيه ما تريد وإذا تجرأت على ذلك جنيت على نفسك كالذي يحاول أن ينفخ في وجه القمر، فالكون وما فيه من شمس وقمر تحت قدرته وتصرفه سواء رضيت أم سخطت وليس شأنك ولا شأن غيرك إلا أن يكون عبدًا خاضعًا لحكمه ولا يحق له أن يتجرأ على دعوة الملك كما لا يحق لمجلس ولا لبرلمان أن يحكم فيه بغير حكمه بل عليهم جميعًا أن يفعلوا ما يؤمرون-
فلا يجوز لك أن تخضع لحكم من هو من جنسك، كما لا يجوز ذلك لحزب أو طبقة أن تطيع الأخرى وتعرض عن حاكمها الحقيقي وتتجه إلى حكام مزعومين ذلكم العمل خروج على الحكم فالداعي والمدعو كل منهما يستحق عذاب الحاكم الحقيقي سواء كان ذلك عاجلًا أم آجلًا-
ناصيتك وناصية غيرك في يد الله- عز وجل- يصرفها في أي وقت شاء، والأرض والسماء تحت قدرته فأنى الفرار ولا ملجأ إلا إليه وإن كنت عظامًا نخرة في الأرض أو كنت رمادًا على ظهرها أو كنت لقمة لسمك فالله قادر على بعثك وإخراجك من أي مكان كنت فيه، كل شيء من أرض وسماء وماء وسمك في طاعته فهو قادرٌ على إخراجك من مخبئك مهما اختلف نوعه، يسأل واحدًا تلو الواحد: كيف ادعيت الملك لنفسك والملك لي؟ أين الملوك اليوم لا مالك إلا الله، كيف نفذت حكمك وتركت حكمي؟ من أين لك القانون؟ كنت عبدًا لي؛ فكيف عبدت غيري؟ كنت كنودًا؛ فكيف وفيت الأجر لغيري؟ كنت تطلب الرزق منى؛ فكيف شكرت عليه غيري؟ كنت في مملكتي؛ فكيف رضيت بحكم غيري؟ فعلت ما فعلت؛ فكيف جاز لك ذلك؟ فهل لديك مبرر لهذا الجرم؟ من يدافع عنك فيه ويخرجك سالمًا بريئًا من معتمدك اليوم؟ يحميك من عذابي الأليم-
«سبب الظلم والفساد»
ليس السؤال سؤال حق فحسب بل ثَمَّ سؤال: هل يحق للإنسان أن يكون أهلًا للحكم والتشريع في الكون؟ تعرف لو أن جاهلًا اشتغل بآلة لأفسدها، قل لجاهل بالسياقة أن يسوق سيارة ثم انظر ما سيحدث في لحظات فإذا كانت الآلة تفسد بحركة جاهل فكيف بالنفس البشرية المعقدة الحياة المختلفة الأطراف فلكل جزء منها آلاف من الأجهزة تريد أن تديرها وأنت جاهل عن نفسك؛ فكيف بغيرها؟
فضرر من يشرع في الكون لا يقل خطورة عن الذي يريد أن يسوق السيارة وهو جاهل بها؛ إذن لا أمن ولا استقرار في مملكة يحكم فيها بغير حكم مالكها ويعبد غير خالقها ويلتمس الهدى في غير هديه فأنى ما يطلبه الإنسان ويتمناه ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم:٤١) يسفك الإنسان دم أخيه، تحطم القيم الأخلاقية، تبذل القوى الإنسانية في غير محلها، يجنى على نفسه ويهدي نفسه إلى جهنم كالذي دفعه حبه الساذج إلى تحريك آلة وهو جاهل بها فالذي صنع هذه الآلة هو أعلم بها فهو يجعلها في مكانها اللائق إذا علم هذا ترك الأمر له؛ فكيف بخالق الكون؟ ألا يستحق أن يترك له الأمر كله وبه يمكن إصلاح ما أفسد وإلا فليس ثّمَّ حل لذلك-
«لماذا الجور؟»
إذا أمعنت النظر وجدت سببًا آخر لهذا الفساد يفهمه من عنده شيء من العقل وهو أن الإنسان ليس شعبًا أو عشيرة وإنما هو عنصر مشترك بين الناس كلهم والجميع يرغبون في العيش وفي قضاء مصالحهم ويتطلعون إلى العزة والكرامة فمثلًا الرخاء ليس لفرد دون آخر وإنما هو للجميع فإذا وجد فرد في يسر والآخر في عسر لما استطعت أن تحكم أن الإنسان في رخاء وكذلك ما يسمى بالرفاهية ليست لشعب دون شعب فإذا كانت الرفاهية لأسرة والشقاوة لأخرى لا يحكم على الإنسان أنه في رفاهية، إذا كنت تؤمن بهذه الفكرة ففكر كيف تصل إلى الرفاهية؟ وكيف تحصل على هذا الرخاء؟ لدي حل وحيد هو أن يخضع لقانون كلهم في نظره وميزانه سواء يعطى الحقوق بعدل ليس فيه انحراف وليس فيه غرض ذاتي يخرج الحكم عن القسط ليس فيه جهل ولا غفلة ولا تفريق بين صديق وعدو لا ميل ولا انحراف؛ كلهم سواء؛ فالقانون على المستوى المذكور يمكن به إقامة العدل والأمن وبه يصل الحق إلى الجميع وبه يمكن محو الظلم والاستبداد من ظهر الأرض، أسألكم بعد هذه الفكرة المعقولة: هل من الممكن أن يوجد مخلوق منزه عن نزعة نفسية متطهر من الضعف والعجز؟
أعتقد أنكم كلكم تقولون لا- هذا من شأن الله- عز وجل-.. وإن وجد في مخلوق قوي الإرادة عظيم الهمه فيستحيل أن يكون منزهًا عن أغراض ذاتية فهو قد يحب رجلًا ويبغض آخر ولا يخلو من ضعف ومع هذا كله إن حكم غير حكم الله وأطيع دونه فلا بد وأن يوجد فيه ما بالجور والظلم يعطى هذا أكثر مما يستحق ويمنع هذا وقد ينزل عن الدرجة الإنسانية وليس هناك من يجلس من المخلوق للحكم إلا وقد راعى مصلحة أهله وعشيرته ولا يستطيع أن يعدل في حق الجميع، والخضوع للواحد القهار كلهم في ميزانه سواء لا تفريق لديه إلا بالعمل الصالح والقيم الأخلاقية وليس على حساب الطبقات أو الشعوب ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ﴾ (الحجرات:١٣)
«كيف يمكن إقامة العدل والأمن؟»
تعرفون أنه لا بد لضبط الإنسان من إشعاره بالمسؤولية وإبلاغه أنه ليس حرًّا، كما يظن حيث لا حساب ولا سؤال ولا جزاء ولا عقاب فمتى اعتقد أنه حر بمعنى الكلمة، خرج من الإنسانية إلى الفرعونية؛ إذا اعتقد وصدق هذا فرد وتبعه أفراد أغار كل على الآخر؛ فإذا لم يصدق بالقوة المسيطرة عليه ولم يؤمن بالجزاء والعقاب أدى ذلك إلى الاضطراب والقلق، لقد حاولت أوروبا منذ زمن حل هذه العقدة؛ حيث كونت مجلس الأقوام ولكن سرعان ما تسرب إليه التشتت والتفرق والتعصب حتى أصبح مجلس البيض كأنه كرة تحرك بأيدي بعض الخونة[ - مثله الآن هيئة الأمم المتحدة الدول الكبرى تلعب فيها كما تشاء] بعد هذا العرض أعتقد لم يبق ريب أنه هناك طاقة فوق طاقة الإنسان لضبطه فإن أحببنا أن نعيش في أمن وسعادة فما علينا إلا أن نؤمن بالقوة الجبارة التي تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؛ كلٌ يلقى كتابه ولا تظلم أحدًا-
«شبهة لا بد من إزالتها»
قد تستشكلون... إذا كان الكون ملكًا لله- تعالى- والإنسان ما هو إلا خلق من خلقه؛ فكيف جاز له الخروج عليه ويعاقبه؟ فالجواب: نفترض أن ملكًا ما أمر رجلًا من قبله على جزء من ملكه مع حفاظ مع تصرفه فيه ولكنه يريد أن يختبر هذا الرجل بتركه له الحرية الكاملة ورفع السيطرة عنه أيكون وفيًّا حيث يشعر بالمسؤولية وينفذ ما أمر به فإذا أثبت بعمله الوفاء وأظهر الإخلاص اقترب من الملك وفتح على نفسه طريق التقدم والنجاح ولكن إن خرج على حكمه معتقدًا أن الحكم بيده وبدأ يعذب هذا ويقتل هذا عاقبه الملك عقابًا لا يعاقبه أحدًا؛ ولهذا الاختبار لا بد من قسط كبير من التحمل والصبر حتى يظهر خبثه تمامًا ولله المثل الأعلى فالله- سبحانه وتعالى- لا يخشى على زوال ملكه من ازدياد الطغيان ولا يخاف أنهم يتفلتون على قدرته لذا لم يكن في حاجة إلى الإسراع بهم وإنما يملى لهم ليزدادوا إثمًا ويظهروا ما عندهم من الخبث والمكر حتى لم يبق لهم شر إلا وقد ظاهروا به عاقبهم الله في وقت لم يبق مجال للتدبر والتفكير.
نحن وأنتم أمراء مبتلون في هذا الاختبار وهو صعب نظرًا إلى مسؤوليتنا وما علينا إلا أن نحكم على نفسنا؛ هل نحن مطيعون أم عاصون؟
تعريب: شريف أحمد حافظ
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل