; ربا النظام المصرفي العالمي في ميزان الشرع الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان ربا النظام المصرفي العالمي في ميزان الشرع الإسلامي

الكاتب أحمد بزيع الياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

مشاهدات 66

نشر في العدد 788

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-أكتوبر-1986

  • الفقهاء المسلمون المعاصرون أفتوا بحرمانية الفائدة البنكية لأنها من الربا المحرم شرعًا.

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين وهو المستعان سبحانه وتعالى.

الحمد لله رب العالمين خلقنا ورزقنا ويعيننا ثم يحيينا، لا إله إلا هو الحي القيوم، بديع السموات والأرض، والصلاة والسلام الأكملان على من اختاره ربه رحمة للعالمين نبينا محمد عبد الله ورسوله وعلى آله الطيبين الطاهرين وصحابته الكرام الغر الميامين أهل التقى والرشاد وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وبعد، فإن الربا في وقتنا هذا انتشر في المعمورة انتشارًا عامًا حتى لا تكاد تسلم منه قرية من القرى أو مغارة من المغارات وهو متمثل بالنظام المصرفي العالمي الذي يقنن له من قبل دول العالم كافة وكأنه ضرورة من ضروريات الحياة بينما هو شر مستطير وربما يكون انتشاره بهذه الطريقة سببًا في دمار العالم وفنائه وهلاكه، استنادًا إلى قوله تعالى: ﴿بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (الأحقاف: 35).

وأي فسق أعظم من أكل أموال الناس بالباطل؟ وأي خطر أعظم من إعلان جبار السموات والأرض الحرب على آكله؟ رباه لطفك ورحمتك وسترك الجميل.

وبعد هذه المقدمة أقول: ما هو الربا؟

الربا: المعنى اللغوي: هو الزيادة والمرتفع من الأرض.. يقال له رابية أو ربوة وأصل الكلمة المجردة ربا.. زاد، ربت الأرض بعد نزول المطر: ارتفعت وتشققت وأنبت وفي قوله تعالى: ﴿اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ (الحج: 5) الآية دليل على ذلك.

المعنى الفقهي:

كل زيادة بدون عوض بعقد.. معنى ذلك كل زيادة بدون مقابل في أي عقد من عقود المعاملات بين صنفين من نفس النوع فهو من الربا المحرم شرعًا وهو من الكبائر ومن السبع الموبقات جاء تحريمه نصًا صريحًا بالكتاب والسنة ويقينًا قطعيًا لا لبس فيه ولا شك في ذلك.

قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ (البقرة: 275-276).

وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ (البقرة: 278- 279) وقال جل اسمه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ (آل عمران: 130) وقال: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ (النساء: 161) وقال: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ (الروم: 39).

ومن أحاديث الرسول الكريم في الربا قوله:

«لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا تبيعوا منها غائبًا بناجز» (رواه البخاري).

قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: «جاء بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم بتمر برني، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: من أين هذا؟ قال بلال: كان عندنا تمر رديء فبعث منه صاعين بصاع لنطعم النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عندها: أوه! عين الربا! عين الربا! لا تفعل.. ولكن إذا أردت أن تشتري فبع التمر ببيع آخر ثم اشتره». (أخرجه البخاري).

وروى أبوسعيد الخدري وأبوهريرة رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استعمل رجلًا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» (أخرجه البخاري).

ما حكم الفائدة المصرفية؟

الجواب:

انشغل علماء الفقه الإسلامي أهل الاختصاص بعد أن تصوروا تصورًا تامًا ما هي الفائدة البنكية وكيفيتها وقواعدها وأصلها وفروعها وأسبابها ومسبباتها وآثارها بالبحث المتواصل الدؤوب بدون ملل وبتجرد من المؤثرات وبحرية تامة لما لهذا الموضوع من حساسية وخطورة تؤثر على الأمة الإسلامية جميعها، وحصيلة البحوث المتكررة، قرر الفقهاء المسلمون المعاصرون الباحثون أن الفائدة البنكية هي من الربا المحرم شرعًا. وإليك قراراتهم:

قرار مؤتمر مجمع البحوث الإسلامية القاهرة نقلًا عن مقال الدكتور أحمد النجار لسنة 1975:

المعاملات المصرفية في إطار التشريع الإسلامي في البلاغ الكويتية بتاريخ 6 جمادي الثانية سنة 1395هـ الموافق 15 يونيو 1975م العدد 209» نذكر ما اتفق عليه علماء مؤتمر البحث الإسلامية الثاني في شأن المعاملات المصرفية حيث قرروا ما يلي:

أ- الفائدة على أنواع القروض كلها ربا محرم لا فرق في ذلك ما يسمى بالقرض الاستهلاكي وما يسمى بالقرض الإنتاجي لأن نصوص الكتاب والسنة في مجموعها قاطعة في تحريم النوعين.

ب- كثير الربا وقليله حرام كما يشير إلى ذلك الفهم الصحيح في تحريم النوعين.

جـ- الإقراض بالربا محرم لا تبيحه حاجة ولا ضرورة والاقتراض بالربا محرم كذلك ولا يرتفع إثمه على المقترض إلا إذا دعت الضرورة.

د- أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتماد والكمبيالات التداخلية التي يقوم عليها العمل بين التاجر والبنوك في الداخل كل هذا من المعاملات المصرفية الجائزة وما يؤخذ في نظير هذه الأعمال ليس من باب الربا.

هـ- الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة كلها من المعاملات الربوية وهي محرمة.

و- أما المعاملات المصرفية المتعلقة بالكمبيالات الخارجية فقد أجل النظر فيها إلى أن يتم بحثها.

المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي

إن مؤتمر المصرف بدبي المنعقد بمقر بنك دبي الإسلامي بإمارة دبي بدولة الإمارات العربية المتحدة خلال المدة من 23 جمادي الثانية إلى 25 جمادي الثانية عام 1399هـ الموافق من 20 إلى 22 مايو 1979م قد تناول بالبحث والدراسة المواضيع الفقهية الشرعية والاقتصادية المتعلقة بأعمال المصارف الإسلامية وفحص هذه الأعمال وبحثها بحثًا مستفيضًا بما ارتاحت إليه قلوب المؤتمرين من فقهاء الشريعة الإسلامية والمفكرين الاقتصاديين ورجال الاقتصاد ورجال القانون من حيث سلامة تلك الأعمال والتحقق من نفعها الأكيد ومطابقتها لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

لذلك يؤكد المؤتمر أن ثقتهم في أن السلوك الذي تنتهجه المصارف الإسلامية وكذلك التطبيق الذي تلتزم به خليقان بأن يصححا المسار الاقتصادي للأمة الإسلامية وما تفرضه عليهم تعاليم دينهم الحنيف وما ترتاح إليه ضمائرهم وقلوبهم.

ولذلك يناشد المؤتمر دول العالم الإسلامي أجمع أن تبادر إلى إقامة مصارفها على أسس وقواعد المصارف الإسلامية وأن تقدم لهذه المصارف كافة المساعدات التي تمكنها من تسيير أعمالها بيسر وأن تباشر نشاطها بما يدعم اقتصاديات العالم الإسلامي وتحقيق تكاملها وبما يمكن من إتمام المبادلات التجارية الخارجية فيما بين تلك الدول بطريقة مباشرة وبدون وساطة وبما يطابق أحكام الشريعة الإسلامية الغراء.

كما يهيب المؤتمر بالمسلمين جميعًا في أرجاء العالم أن يساندوا هذه المصارف لتمكينها من تحقيق رسالتها الاقتصادية الإسلامية.

المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي

(6- 8 جمادي الثانية 1403هـ 21- 1983/3/23م)

جاء في التوصيات والفتاوي الثلاث الأولى للجنة العلماء ما يلي:

1- يؤكد المؤتمر إن ما يسمى بالفائدة في اصطلاح الاقتصاديين الغربيين ومن تابعهم هو من الربا المحرم شرعًا.

2- يوصي المؤتمر أصحاب الأموال من المسلمين بتوجيه أموالهم أولًا إلى المصارف والمؤسسات والشركات الإسلامية داخل البلاد العربية والبلاد الإسلامية ثم إلى خارجها وإلى أن يتم ذلك تكون الفائدة التي يحصلون عليها كسبًا خبيثًا وعليهم استيفاؤها والتخلص منها بصرفها في مصالح المسلمين العامة. ويعتبر الاستمرار في إيداع الأموال في البنوك والمؤسسات الربوية مع إمكان تفادي ذلك.. عملًا محرمًا شرعًا.

3- يوصي المؤتمر بتشجيع المصارف الإسلامية القائمة ودعم إنشاء المزيد من هذه المصارف لتعم منافعها على جميع المستويات.

المؤتمر الثالث للمصرف الإسلامي

(9- 11 صفر 1406- 1985/10/25 جاء في فتاوى لجنة العلماء بالمؤتمر في البندين 1 -2) ما يلي:

أولًا: إقامة المصارف الإسلامية على أسس شرع الله ودينه من تحريم الربا والغرر والجهالة وغيرها. ضرورة شرعية ومصلحة من مصالح الأمة الجوهرية.

ثانيًا: نظرًا للخدمات التي تؤديها المصارف الإسلامية من تيسير التجارة الدولية والمحلية وتسهيل استبدال العملات وجمع فائض الدول من المسلمين واستثمارها على الوجه المشروع وتوجيهها إلى مجالات التنمية الاقتصادية والاجتماعية التي لا غنى للمجتمع المسلم عنها.. تقرر أن:

إقامة المصارف الإسلامية- حيث يوجد تجمع للمسلمين- فرض كفاية إذا قام به البعض سقط الإثم عن الباقين.. وإذا لم يقم به أحد فالكل آثمون. ويحرم التعامل مع البنوك الربوية في جميع المعاملات المحظورة شرعًا.

ويتعين على المسلم التعامل مع المصارف الإسلامية إن أمكن ذلك توقيًا من الوقوع في الحرام أو الإعانة عليه.

(يتبع في العدد القادم)

الرابط المختصر :