; المجتمع المصري بين الحكم المتسلّط ومعارضيه | مجلة المجتمع

العنوان المجتمع المصري بين الحكم المتسلّط ومعارضيه

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 22-يناير-1980

مشاهدات 79

نشر في العدد 466

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 22-يناير-1980

لوموند الفرنسية تناولت في أحد تقاريرها الأوضاع الداخلية في مصر ركزت فيه على عنصرين:

الأول: وجود كثير من الدلائل داخل المجتمع المصري تشير إلى أن النار الآن تشتعل تحت الرماد وأن المواجهة بين الفئات المختلفة (أجهزة الدولة- وفئات الشعب) على وشك الظهور بأعنف أشكالها.

الثاني: اعتبرت الصحيفة أن المشكلة المصرية التي قد تفجر المجتمع المصري إنما هي مشكلة طائفية قوامها الخلاف بين المسلمين والأقباط.

فما صحة ما ذهبت إليه الصحيفة الفرنسية؟

إن صحافة الغرب بشكل عام ما زالت في معظم الأحيان مشدودة في تقاريرها ودراساتها السياسية إلى العواطف الصليبية واللوموند هنا تتجاهل المشكل الأساسي في مصر لتقول:

«إن صراعا طائفيا يخفي تحته ألف سبب سيقود المجتمع المصري إلى حرب أهلية» وهي تحاول هنا إخفاء حقيقة الواقع المصري والوصول إلى غايتين. 

  1. إظهار فئات الشعب المصري المختلفة تعاني من مشاكل ليست من نتاج الصلح المصري الإسرائيلي بالضرورة الأمر الذي يسهم في تحويل الأنظار عن العداء الحقيقي بين الشعب والسلطة في مصر.
  2. استعداء العالم المسيحي على الشعب المسلم في مصر ليقف في صف أجهزة الدولة التي تقف طبعا مع الجانب النصراني في كبح جماح التحرك الإسلامي.

واللوموند مستاءة جدًا من تحول زمام المبادرات الطلابية في الجامعات المصرية من أيدي الشيوعيين والناصريين والاشتراكيين إلى أيدي الطلبة المتدينين حيث يحلو لها أن تصفهم (بالأقلية المتعصبة) على الرغم من اعتقادنا أن التيار الإسلامي في الجامعات المصرية هو التيار الكاسح كما وكيفا.

الصورة الحقيقية للواقع السياسي في مصر:

من خلال استقراء الأحداث المصرية يستطيع المراقب تحديد هوية النظام أولا ومن ثم يتمكن من رصد القوى المؤيدة والمعارضة للتيار السياسي داخل المجتمع المصري، أما عن هوية النظام فنعتقد أنه لا يختلف اثنان في المجتمع الدولي أبدا على أنه نظام أمريكاني تحكمه قرارات البيت الأبيض ورسائل السي أي إيه الأمريكية.

فعلى الصعيد الخارجي (عربيا ودوليا) بين الفكين المفترسين لكل من مناحيم بيغن رئيس الحكومة اليهودية، وجيمي كارتر رئيس الولايات المتحدة، ولعل السادات منذ اليوم الأول لتسلمه الحكم لم يكن لديه المانع الذي يجبره على إخفاء هويته السياسية، فهو صاحب الميثاق.. وورقة أکتوبر.. والانفتاح الأمريكي.. وكامب ديفيد وتطبيق العلاقات مع الدولة اليهودية.. و.. و.. الأمر الذي يجعل المراقب لا يشك قيد أنملة بأن التوجيه السياسي على كافة الأصعدة الخارجية في مصر إنما هو توجيه أمريكي مدروس ونعتني به، ويؤيد ذلك ما كسبته أمريكا من وجود السادات من مكاسب كثيرة أهمها:

  1. جعل مصر قاعدة عريضة لحلف أمريكي- يهودي بعد اتفاقات كامب ديفيد وما تلاها من مباحثات خيانية.
  2. تثبيت القواعد العسكرية الأمريكية على الأرض المصرية في زمن وصل فيه الوفاق الدولي بين الدول الكبرى إلى اقتسام مكشوف للعالم الثالث..
  3. اتخاذ مصر قاعدة لنشاطات وكالة ال (سي أي إيه) في أفريقيا والشرق الأوسط والخليج وآسيا.

وإذا كان الخط الأمريكي من المكتسبات في مصر يكون في العادة كسبا استراتيجيا محضا للوجود اليهودي في قلب الوطن الإسلامي، فإن اليهود حصلوا خلال السنتين الآخرتين من حكم السادات على مكتسبات كثيرة منها:

  1. اعتراف حاكم عربي بشرعية الوجود اليهودي في دولة ذات حكومة على الأرض العربية المحتلة، (وهذا الباب فتحه السادات لدخول الآخرين منه).
  2. تهوين العداء الذي يحمله الشعب المسلم في سائر أنحاء العالم لليهود، وكسر زخم المشاعر التي تمتنع نفسيا عن قبول أي وجود يهودي في قلب العالم الإسلامي.
  3. المرور والتعامل فيما كان محرما على اليهود (قناة السويس- المياه الإقليمية العربية المصالحة، الاقتصادية- وخطوات نحو التعامل الثقافي).

ويبقى بعد ذلك الرئيس المصري على رأس العصابة التي تزيف الوقائع للشعب فتسمى الهزيمة نصرا والاستسلام سلاما.

وعلى الصعيد الداخلي:

إذا كان السادات قد باع نفسه لليهود والأمريكان على الصعيد السابق، فإنه باع نفسه لهم أيضا في صوغ السياسة الداخلية لمصر أيضا، وإذا كانت لسياسته الخارجية انعكاسات على الصعيد السياسي في الداخل، فإن ذلك يتجلى في المعارضة التي يشكلها معظم أبناء الشعب المصري، ويبقى السادات حاكما يحكم مستعينا بأقلية لا تذكر من الأقباط أو العملاء من أمثاله وأقاربه، بينما فئات الشعب المصري تقف في صف المعارضة، وإن كان كل منها يغني على ليلاه.

خطوط المعارضة السياسية:

وتأخذ المعارضة داخل مصر خطوطا ثلاثة تنحصر في:

  1. المعارضة الحزبية، وهي تعبر عن موقفها من خلال صحفها ومنشوراتها وهي تمتد من اليسار إلى اليمين، وإذا كان لهذا النوع من المعارضة من فعلية حقيقية، فإن ذلك ينحصر في تعبئة حيز قليل من أبناء الشعب المصري ضد السياسة الساداتية.
  2. المعارضة الإسلامية: وهي محط أنظار العالم منذ بدأ السادات يكشف عن حقيقته الخيانية، ومهما اختلفت ردات فعل هذه المعارضة، فإنها لا تخرج عن إدانة الحكم الساداتي الخائن للأسباب التالية:

أ- الحكم اللاسلامي وطغيان الجاهلية السياسية على كافة مرافق الإدارة.

ب- الاستسلام للعدو اليهودي وجر الأمة جمعاء إلى التنازل عن حقوقها الشرعية.

ج- إشاعة الفتنة والفجور والفساد في مرافق الحياة العامة.

وقد ترددت سلوكيات المعارضة الإسلامية بين النصح تارة والعنف تارة أخرى، وتعتبر مجلة الدعوة الناطقة بإسم الإخوان المسلمين هي الصوت الحقيقي للمعارضة الإسلامية الصلبة لحكم السادات.

وتستحوز المعارضة الإسلامية على معظم طبقات الشعب وفئاته في مصر، ولا سيما فئات الطلبة الجامعيين الذين يتميزون الآن بحدة المطالبة لتطبيق الشريعة الإسلامية وتحكيمها في مجالي الحياة كافة.

3- المعارضة العسكرية:

فقد ظهر في صفوف القوات المسلحة المصرية كثير من رجال الجيش ممن يقفون في صف المعارضة، وكلما تقدم السادات في علاقاته المعلنة مع اليهود برزت من جديد فئات معارضة ومن ماهية المعارضة العسكرية، فقد أكدت مجلة الوطن العربي التي تصدر في باريس في عددها الصادر يوم الجمعة 18/1/1980 أن ۱۷۲ من كبار الضباط في الجيش المصري قد أحيلوا إلى التقاعد قبل بلوغ السن القانونية قبيل نهاية عام ١٩٧٩.

وأضافت المجلة أن السادات يقوم الآن بعملية تطهير لأشكال المعارضة العسكرية لسياسته في صفوف الذين يبدون تحفظا إزاء سياسة تطبيع العلاقات مع إسرائيل.

ومما سبق يستدل أن كافة فئات الشعب المصري ناقمة على سياسة السادات لأسباب أهمها خيانته لأمته فيما فعلت يداه لإرضاء سادته اليهود والأمريكان.

السادات بين المعارضة والتدابير الأمنية:

ذكرت وكالات الأنباء مرارا أن السادات قد تعرض لمحاولات اغتيال متكررة، كما ذكرت أن كبار رجال الإدارة المصرية من معاوني الرئيس المصري قد تعرضوا لمثل ذلك، وإذا كان من تفسير لهذه الأخبار فذلك هو أن الشعب المصري يرفض سياسة السادات وهو يخطط بكافة فئاته للخروج من المأزق الذي وضعه فيه رئيسه، ولعل تفكير المعارضة هو الذي يوحي لها بأن أقصر الطرق للتخلص من الخيانة هو اغتيال الخائن وثلته، وهذا تعبير صارخ للمعارضة، فضلا عن المعارضة المعلنة التي تأخذ شكل التظاهر وتوزيع المنشورات وبيانات مجلات الحائط في الجامعات.

هذا وتتوقع الآن السلطات المصرية أن تفلت زمام الأمور من ضبط الأجهزة الأمنية فقد ذكرت مجلة الوطن العربي في برقية لها من القاهرة بتاريخ 11/1/1980 أنه «كان من المؤشرات على أن السلطات المصرية تتوقع موجة من الاضطرابات الشعبية أن جميع أفراد دورة ضباط الشرطة الذين تخرجوا في نهاية سنة ۱۹۷۹ ويبلغ عددهم (٣٦٠) ضابطا قد ألحقوا بالقوة المركزية لشرطة الطوارئ المشهورة بقسوتها والتي تعد أكثر من (۱۰) آلاف ضابط وجندي زودوا مؤخرا بأحدث الأسلحة الأمريكية لفض التجمعات».

  • فالتدابير الأمنية تقتضي تسريح كل من يشتم منه رائحة المعارضة في صفوف الجيش.
  • والحفاظ على النظام يقتضي تكثيف دوريات الأمن وتزويدها بأحدث الأسلحة لتفريق التجمعات.
  • وضرب المعارضة يقتضي دائما زج التهم الباطلة بالمعارضين.

ولعل المجتمع العالمي الذي يعرف مقدار الانحراج الساداتي داخليا يعرف تماما أن السادات لم يعد مقبولا من كافة فئات الشعب، بل إن كافة فئات المجتمع المصري تنتظر الآن الساعة التي سيلقي فيها السادات حسابه جزاء خيانته وما الإرهاصات التي نسمع عنها يوميا والتي تأخذ أشكالا مختلفة من العنف داخل مصر إلا بدايات للغيث الكبير وصدق من قال: «أول الغيث قطرة».

الرابط المختصر :