; وأذن في الناس بالحج.. هل للحج منافع سياسية؟ | مجلة المجتمع

العنوان وأذن في الناس بالحج.. هل للحج منافع سياسية؟

الكاتب محمد علي الخطيب

تاريخ النشر السبت 30-ديسمبر-2006

مشاهدات 68

نشر في العدد 1733

نشر في الصفحة 50

السبت 30-ديسمبر-2006

  • اتفق علماء التفسير على أنه ليس على الحاج حرج إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج إذا كان لا يشغله عن أداء مناسكه
  • موقفان في السيرة النبوية يؤكدان منافع الحج السياسية

       من نافلة القول، أن منافع الحج ليست محصورة في أداء النسك والشعائر التعبدية ومغفرة الذنوب، بل في الحج منافع دنيوية متعددة، وهي التي ذكرها الله سبحانه في قوله: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (سورة الحج: ۲۸)، عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أسواقًا كانت لهم ما ذكر الله منافع إلا الدنيا! وروي عن ابن عباس أيضًا أنها منافع في الدارين، قال: منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الآخرة فرضوان الله، وأما منافع الدنيا فما يصيبون من منافع البدن والربح والتجارات.

وفصل الألوسي في «أضواء البيان» فيها فقال: اتفق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾ (سورة البقرة: ١٩٨) أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج، إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء، من أداء مناسكه (۲).

وتفسير المنافع بالبيع والشراء والأسواق والتكسب وحصول الأرباح الدنيوية، لا خلاف فيه، ولكن المنافع الدنيوية المادية ليست محصورة فيها، بل في الحج منافع دنيوية اجتماعية وثقافية وعلمية وغيرها.

وذكر «في ظلال القرآن»: والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة -فالحج موسم ومؤتمر- الحج موسم تجارة وموسم عبادة، والحج مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة... أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقًا رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء... من أطراف الأرض، ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم... يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد، فهو موسم تجارة ومعرض نتاج وسوق عالمية تقام في كل عام.

وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح..!.ه (۳).

وهذه المنافع المذكورة آنفًا منافع دنيوية عملية متنوعة كما رأيت، وكذلك في الحج منافع سياسية، وهي بيت القصيد، قبل ذلك لا بد من وقفة سريعة عند مصطلح السياسة.

السياسة في القرآن والسنة

لم يرد ذكر مصطلح أو لفظ «السياسة» في القرآن الكريم، ولكن ذكر الله نماذج.. لبعض الساسة، بعضهم صالح كذي القرنين مثلًا، وبعضهم الآخر طالح فاسد كسياسة فرعون المتمثلة في قول الحق سبحانه: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ﴾ (سورة الزخرف: 54)، ولكن لفظ السياسة جاء في السنة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون»، قالوا: فما تأمرنا؟ قال: «فوا «أي وفوا» ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم»، و«تسوسهم» تتولى أمورهم كما تفعل الأمراء والولاة بالرعية، والسياسة: القيام على الشيء بما يصلحه.

السياسة في اللغة

هو لفظ عربي فصيح، وقد وهم من ذهب إلى أنه معرب، في «العين»: السياسة: فعل السائس الذي يسوس الدواب سياسة، يقوم عليها ويروضها، والوالي يسوس أمرهم، وجاء في لسان العرب والسوس الرئاسة.

وقال الجوهري في الصحاح:  سُست الرعية سياسة، وسُوس الرجل أمور الناس، إذا مُلك أمرهم، ويروى قول الحطيئة:

 لقد سُوِّست أمر بنيك حتى                     تركتهم أدق من الطحين

السياسة عند الفقهاء

ورد في «معجم لغة الفقهاء»: السياسة: رعاية شؤون الأمة بالداخل والخارج وفق الشريعة الإسلامية، أي أنها مشتملة على سياسة الأمة ومعرفة معاقد الشريعة وضبط الجيوش وولاية الأكفاء وعزل الضعفاء ومكافحة الأضداد والأعداء وتصريف الأموال وأخذها من مظانها وصرفها في مستحقاتها.. إلى غير ذلك مما هو معروف وداخل في مهام الإمامة الكبرى (٤). 

وهناك وجه آخر لمعنى السياسة، ورد في معجم لغة الفقهاء: يقال: «الحكم سياسة»: أي العمل بمقاصد الشريعة عندما يؤدي العمل بالنص إلى إضرار بمصالح الرعية لظروف طارئة، وهذا المعنى الأخير أدنى إلى معنى السياسة المعاصر، ولكنه مبرَّأ مما لصق بها من المكر والغدر والظلم والكذب والنفاق.

وعود على بدء، فإن السياسة في الحج تدخل في معنى السياسة السالف الذكر من حيث رعاية مصالح الأمة، والعمل بمقاصد الشريعة، وقد أشار في «الظلال» إلى بعض منافع الحج السياسية في قوله: «والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة، مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماق الزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل: ﴿مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ﴾ (سورة الحج: 78)، ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعًا إليه: هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعًا، ويلتقون عليها جميعًا... ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها.. راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان.

ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينًا، قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين، الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد، راية العقيدة والتوحيد.

وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة كل عام، في ظل الله بالقرب من بيت الله وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة والذكريات الغائبة والحاضرة في أنسب مكان، وأنسب جو، وأنسب زمان.. فذلك إذ يقول الله سبحانه: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ (سورة الحج: ۲۸)، كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته..!ه (5).

ويمكن الوقوف في السيرة النبوية على موقفين يستشف منهما استفادة الرسول -صلى الله عليه وسلم- من موسم الحج في جوانب سياسية وإعلامية:

الأول: قبل الهجرة، وهو عرض الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه على العرب في مواسمهم ليس للدعوة إلى الله ونشر الإسلام فحسب، بل طلبًا للحماية والنصرة، وهو معنى سياسي خالص، وقد تكلل هذا الجهاد السياسي بالنجاح، وقطف الرسول صلى الله عليه وسلم ثمرته بعقد بيعتي العقبة الأولى والثانية، والبيعة -كما هو معروف- عمل سياسي محض، وخاصة البيعة الثانية التي تضمنت اشتراط النصرة والحماية، روى الحاكم في المستدرك عن جابر بن عبدالله الأنصاري، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لبث عشر سنين يتبع الناس في منازلهم في الموسم ومجنة وعكاظ ومنازلهم من منى يسألهم: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي فله الجنة؟».

أما الموقف الآخر، فهو بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية، إذ أعلن رسول الله صلى الله عليه وسلم في موسم الحج، مبادئ الإسلام وتعاليمه من خلال خطبة يوم عرفة، وخطبة يوم الحج الأكبر، إضافة إلى قرارات سياسية مهمة تمس علاقات الدولة الإسلامية بغيرها، ولا تزال هذه الخطبة منبرًا دينيًا ذا طابع سياسي حتى أيامنا هذه، ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال: بعثني أبوبكر في تلك الحجة «أي التي كان أمير الحج فيها أبوبكر، وذلك في السنة التاسعة للهجرة» في مؤذنين «يوم النحر» نؤذن بمنى: ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ثم أردف رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًا فأمره أن يؤذن بـ«براءة»، فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان. وزاد الترمذي: «ولا يجتمع المسلمون والمشركون بعد عامهم هذا، ومن كان بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عهد فعهده إلى مدته ومن لا مدة له فأربعة أشهر».

وفي حجة الوداع في يوم الحج الأكبر، وقد اجتمع حوله مئة ألف وأربعة وأربعون ألفًا من الناس، فقام فيهم خطيبًا، وألقى خطبة جامعة، تضمنت أول إعلان عام لحقوق الإنسان عرفته البشرية، أعلن فيه المساواة والعدل وحرمة الدماء والأموال وحقوق النساء، ووضع دماء الجاهلية وأموالها الربوية، ففي صحيح البخاري عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه في حديث طويل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ليبلغ الشاهد الغائب، فإن الشاهد عسى أن يبلغ من هو أوعى له منه». 

فهذان مثالان أو موقفان يظهران منافع الحج السياسية، والسياسة في الإسلام لا تنفصل عن الدين أو هي جزء أصيل منه، وذلك لأن الإسلام دين ودولة في آن واحد. 

وأعود لأؤكد أن الحج من أعظم التجمعات لو عرف المسلمون كيف يستفيدون منه. 

الهوامش

(۱) تفسير ابن كثير  ٥/٤١٤  .

(۲) أضواء البیان ٥ /۱۳۳ .

(3) في ظلال القرآن 5/ 191.

(4) أنوار البروق في أنواع الفروق ٤/ ٨٢ .

(5) في ظلال القرآن 5/ 192- 193.

الرابط المختصر :