العنوان أمام المخاطر التي تهدد الجميع ... ألم يحن وقت التصالح والتوحد؟!
الكاتب د. علي محيي الدين القرة داغي
تاريخ النشر السبت 26-يناير-2002
مشاهدات 102
نشر في العدد 1486
نشر في الصفحة 31
السبت 26-يناير-2002
اليوم.. يعرف الجميع أن الإسلام يتعرض لهجمات شرسة من قبل أعدائه الحاقدين في جميع الجبهات من الصهاينة والصليبيين، والوثنيين والملحدين والعلمانيين الحاقدين، الذين يحاولون جميعًا تشويه وجهه الجميل وإيجاد عوائق وموانع بينه وبين الناس وتدعمهم في هذه الحملة الشرسة جميع وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة في معظم بقاع العالم، فما أكثر الأفلام التي تتحدث عن الإسلام لتشويهه من خلال وصفه بالقسوة والإرهاب والتخلف والهمجية.
وأما المسلمون اليوم فحدث ولا حرج حول ما يراد لهم من السوء والقضاء على استقلالهم وسلب مواردهم، والهيمنة على اقتصاداتهم وثرواتهم الطبيعية والمعدنية إضافة إلى محاولات تمزيقهم، وحصارهم، ولا أريد أن ألقي بكل اللائمة على عاتق العدو الخارجي، فنحن المسلمين مسؤولون عن مصائبنا ومشكلاتنا وتخلفنا وتفرقنا.
وقد كشفت الأزمة الأخيرة عن حقائق عدة أهمها:
أن الهجمة الأخيرة لم تفرق بين الحكام والشعوب المسلمة، بل وضعت الجميع في سلة واحدة، ولم ترض أمريكا عن كثير من الأنظمة التي تعتبر صديقة لها وساعدتها ووقفت معها، وذلك لأن بعض هذه الأنظمة لا يمكن أن يقبل بكل الشروط التي تريد أمريكا فرضها عليه، فقد أرادت أمريكا أن تفرض على بعض الدول تغيير مناهجها التربوية التي قامت عليها الدولة، وتريد أمريكا باسم الإرهاب التدخل في كل شيء ضارية عرض الحائط بما يسمى بالسيادة والاستقلال وغير ذلك، فقد طلبت من بعض الدول أسماء خطباء المساجد وسوف تطلب من الجهات الخيرية أسماء الجهات والأشخاص التي تساعدها، بل إنها تراقب حركة التحويلات بكل دقة، وأمام هذه المطالب الكثيرة لا يمكن لأي نظام يحترم نفسه أن يستجيب لها، وإلا سقط شعبيًّا وقد يسقط سياسيًا أيضًا.
ومن هنا نشعر أن معظم الحكام قد اقتربوا من شعوبهم وعلمائهم، وكاد الخطاب لدى الطرفين في هذه المرة أن يكون واحدًا وعبر أكثرهم عما يريده الشارع العربي والإسلامي.
وأمام هذا الوضع لماذا لا تقدم هذه الحكومات خطوة جادة نحو التصالح بينها وبين شعوبها وبينها وبين الجماعات الإسلامية والسياسية وبالمقابل ما الذي تريده التنظيمات الإسلامية؟
إنني أقول: المطلوب من التنظيمات والجماعات الإسلامية ليس الوصول إلى الحكم، وإنما إصلاحه وقيامه بتطبيق شرع الله تعالى، فالغاية الأسمى لكل مسلم هي تطبيق شرع الله وتعمير الكون على ضوء منهج الله تعالى، فإذا نفذ ذلك فيجب على الجميع السمع والطاعة في المنشط والمكره.
إذا فالفجوة في حقيقتها ضيقة يمكن سدها بخطوة جادة لذلك أنادي بإنجاح هذه الخطوة الإصلاحية من الطرفين بأن تفتح الحكومات صدورها للجماعات الإسلامية وتمنحها حريتها في الدعوة والإصلاح وتسمح لها بالعمل جهرًا وعلنًا حسب القوانين واللوائح المنظمة للعمل الجماعي والسياسي بعيدًا عن العمل السري.
وبالمقابل تلتزم هذه الجماعات بتحقيق الأمن وعدم الخروج عن الأنظمة واللوائح التي لا تخالف شرع الله، وتسعى جاهدة لتوحيد الصف الداخلي وتقويته والوقوف صفًا واحدًا أمام الأعداء الذين لا يفرقون بين الحكام والشعوب والجماعات، فالجميع في سلة واحدة.
ومن هنا فالواجب هو الدعوة إلى حوار شامل وجدي مدروس لتحقيق هذا الغرض المنشود، وأرى أن في ذلك الخير الكثير، لأن الشر كل الشر في الصراع بين الحكومات وشعوبها. فقد قالت مسز تاتشر حينما قدمت استقالتها عن رئاسة الحكومة: لا أريد الصراع بين حكومتي وبين الشعب، لأن في ذلك هلاك الطرفين.
ومعظم البلاد الإسلامية عاشت فترة ليست وجيزة في ظل الصراع الداخلي، والكره المتبادل بين الحكام وشعوبهم، وبالأخص الجماعات الإسلامية بتحريض خارجي ووشايات كاذبة للنيل من الجماعات الإسلامية المخلصة.
ولم يقف الأمر عند الكراهة والحقد الداخلي، والبغض الدفين، بل تجاوز إلى صراعات داخلية وحروب قاتلة أكلت الأخضر واليابس كما في الجزائر، وكانت النتيجة خسران الجميع وتدمير البنية، وتقتيل الأبناء والانشغال بالصراعات الداخلية، والمساهمة في مزيد من التدمير، والتخلف والتمزق والتشرد، فمن المستفيد من هذه الصراعات لا مستفيد إلا أعداء الإسلام ولذلك، حان الوقت، وآن الأوان لهذا التصالح والتعاون البناء على الثوابت والأسس وقبول الآخر وتوجهاته وكما نعلم فإن الجماعات الإسلامية ليست كلها على منهج واحد، فالجماعات الكبرى كالإخوان والسلفية، والتبليغ ونحوها جماعات معتدلة تحترم الأنظمة واللوائح مادامت لا تخالف شرع الله تعالى، حيث يمكن التعاون معها. فالإخوان في مصر منذ سبعين سنة لم يدعوا إلى حمل السلاح ضد السلطة ولا إلى العصيان الشعبي على الرغم من كل الإجراءات القاسية ضدهم، بدءًا من اغتيال مرشدهم وإعدام كثير من كوادرهم المتقدمة، والتعذيب الشديد الذي طال آلافًا منهم، وكانوا وما زالوا يبحثون عن مخرج قانوني الإنشاء حزب سياسي علني بعيدًا عن السرية.
هذا التصالح سيؤدي إلى قوة الدولة والشعب والقدرة على الوقوف أمام هذه المخاطر، بل إن هذا التصالح فريضة شرعية وضرورة واقعية، تدل على فرضيته الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة ويفرضه الواقع الذي نمر به.
ومن جانب آخر، فإن هناك دعوة مُلحة التصالح الجماعات الإسلامية، بل توحدها على المبادئ والثوابت واحترام كل جماعة للأخرى في الوسائل والمتغيرات ويؤكد إمكانية ذلك أنه يلاحظ خلال الأزمة الأخيرة أن الخطاب الإسلامي لمعظم الجماعات والحركات الإسلامية، وبالأخص الإخوان والسلفية، والتبليغ كان خطابًا واحدًا حيث التنديد بإرهاب الآمنين والمدنيين، ووجوب نصرة المسلمين والولاء لهم، فالبيانات والخطب والنشرات التي صدرت عن هذه الجماعات تكاد تتفق في مضامينها ومحتوياتها.
وبالمقابل واجهت أمريكا الحركات الإسلامية كلها تقريبًا مواجهة واحدة، ونظرت إليها بعين واحدة، ولم تفرق بين جماعة وأخرى، حيث وسعت دائرة ما تسميه بـ الإرهاب، لتشمل الجهاد وحماس، وحزب الله، وبعض الجماعات الإسلامية ولا تزال تتسع لتشمل الآخرين، بل إن الكلمة الأولى التي صدرت عن الرئيس بوش هي الحرب الصليبية المقدسة.. أي ضد المسلمين جميعًا وإن كان قد تراجع عنها.
وأمام هذه الظروف يكون توحد الجماعات الإسلامية كلها فريضة دينية تنفيذًا للآيات الكثيرة والأحاديث المتعددة التي تدل على فرضية الوحدة والتوحد، إضافة إلى هذه الظروف المحيطة التي تدل على أن الأجيال اللاحقة تلعن كل من تسبب باختلافه في إضعاف الإسلام والمسلمين، فقد قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران:۱۳۰)، وقال تعالى ﴿وَلَا تَنَٰزَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ (الأنفال:٤٦)
ولتحقيق هذا الهدف نحتاج إلى عقد حوارات على مستويات جيدة بين قادة هذه الجماعات ومفكريها للوصول إلى برنامج عملي لتحقيق هذه الوحدة المباركة، وإلا فسنقول كما قال المثل: أُكِلنا يوم أكل الثور الأبيض والله المستعان.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل