; تحكم الجينات الوراثية والخلايا العصبية في سلوك الإنسان | مجلة المجتمع

العنوان تحكم الجينات الوراثية والخلايا العصبية في سلوك الإنسان

الكاتب وجدي عبدالفتاح سواحل

تاريخ النشر الجمعة 20-أغسطس-2004

مشاهدات 52

نشر في العدد 1614

نشر في الصفحة 42

الجمعة 20-أغسطس-2004

بدعة غريبة تحاول أن ترتدي ثوب العلم

• اكتشافات علمية مثيرة تحض على الفاحشة وارتكاب الجرائم بدعوى أن الجينات الوراثية تدفع إلى ذلك.

• يزعمون أن الدماغ البشري يتضمن منطقة مسؤولة عن الاعتقاد الديني، وبالتالي فالملحدون غير مسؤولين عن كفرهم.

• مادام الإنسان حر الإرادة فمن العدل أن يحاسب ويطبق عليه القانون.

• د. المطعني: الإنسان لا يولد مجرمًا، بل يولد على الفطرة، أما الإجرام فيكتسبه من البيئة.

أعلن بعض العلماء عن اكتشاف جينات وراثية تتحكم -حسب قولهم- في بعض سلوكيات وتصرفات الإنسان مثل الشذوذ والعنف والإجرام وغير ذلك، وعن وجود آلة عصبية في الدماغ مسؤولة عن الغريزة التي تدفع الإنسان إلى الاعتقاد الديني، مما قد يعد مبررًا حسب هذا القول لرفع المسؤولية الشخصية عن تصرفات الإنسان ومعتقداته.  ويقتضي الأمر أن نتعرف على هذه الاكتشافات العلمية وتأثيراتها الأخلاقية والاجتماعية، وأن تستعرض رأي الإسلام في القضية، ونناقش كيفية إساءة هذه الاكتشافات للإنسان من خلال سلبه شروط الإرادة وخيارات التكوين وطهارة النفس وتزكيتها، وقيم الفكر ومثله، ليبدو مسخرًا لتكوين حيوي بيولوجي لا إرادة فيه منقادًا لجينات وشبكات عصبية تطالعنا كشوفها كل يوم، تحكم سلوكه وتصرفاته، بل تجعله عبدًا لفكر لاهوتي من نوع آخر، ربما يكون لاهوت العلم في زماننا.

• الجينات والسلوكيات البشرية: 

اكتشف العلماء جينات تتجاوز في نشاطها -حسب قولهم- مسألة تحديد لون عيون الشخص، إلى التحكم في وظائف المخ، مثل: العنف، والاكتئاب، والإدمان، وحتى الطلاق والانحراف الخلقي أو الاختلاط، والذي يشجع -على ما يبدو- الرجال والنساء على إقامة علاقات جنسية مع أكثر من شريك، وهو ما أعلن عنه في مؤتمر علمي عقد في فيلاديلفيا في شهر فبراير ۱۹۹۸م، ووفقًا لهذا الاكتشاف المثير فإن الرجال الذين لديهم جين طويل الشكل هم أكثر ميلًا للانحراف الخلقي عن الذين لديهم جين قصير الشكل، ولو صحت قوة الجينات فإن المجتمع سيواجه مشكلات جمة، وقد اختلفت وتناقضت الآراء وردود الأفعال تجاه نتائج هذه الأبحاث، ففريق يرى أن العالم يشهد مزيدًا من التقدم الممزوج بالمخاوف فيما أسماه العلماء بثورة علمية جديدة يتم خلالها عمل خريطة الجينات الوراثية لكل إنسان، وتتضمن هذه الخريطة كل الأمراض الوراثية للإنسان ومستقبله الصحي كما تحدده جيناته التي تتحكم في تركيبه وسلوكياته منذ اللحظة التي تتكون فيها أول خلية في جسمه، وسوف تلازمه هذه الخريطة طوال حياته، وتشبه خريطة الجينات الوراثية بكتاب مفتوح تقرأ فيه كل الصفات الوراثية، وهذا الكتاب يتكون من (٤٦) جزءًا كروموسوم، والجزء يتكون من عدة آلآف من الصفات، وكل صفة عبارة عن التركيب الجيني، والتوصل إلى هذه الخريطة لن يكون هو النهاية، فهناك عوامل البيئة التي تتحكم مع العوامل الوراثية في حدوث الأمراض وتحديد السلوك.

كما أن هناك رأيًا آخر يرى أن الجينات ليست الكأس المقدسة لعلم الحياة البيولوجية، كما يعتبرها العديد من الناس، كما أنها ليست قدرًا بيولوجيًا عصبيًا وسلوكيًا، فالجين لا ينتج سلوكًا ولا انفعالًا ولا أفكارًا، إنه ينتج بروتينًا، فكل جين عبارة عن سلسلة محددة من المادة الوراثية. DNA، ترمز لبروتين محدد وبعض هذه البروتينات يعمل مع السلوك والمشاعر والأفكار.

فالبروتينات تحتوي على بعض الهرمونات التي تحمل الرسائل بين الخلايا العصبية وتحتوي أيضًا على مستقبلات تتلقى رسائل هرمونية ومحولات عصبية، والإنزيمات التي تصنع وتحلل تلك الرسائل، والعديد من الرسائل الواقعة ضمن الخلية تنطلق بواسطة هذه الهرمونات، وهكذا فإن كل هذه البروتينات حيوية للمخ لأداء عمله، ولكن نادرًا جدًا ما تسبب بروتينات كالهرمونات والمحولات العصبية حدوث سلوك ما، وفي المقابل تنتج ميولًا للاستجابة إلى البيئة بطرق معينة؛ أي أنه بالرغم من أن المعلومات البيولوجية تبدأ مع الجينات فإنها ليست الآمر الناهي، ولا تسبب الأشياء، إنها فقط تجعلك أكثر حساسية للبيئة.

• الدماغ البشري والإيمان بالله:

     انتهى عصر المعجزات، ولم يبق سوى العقل البشري المبدع، المعجزة الإلهية الأبدية، فقد تمكن فريق علمي في جامعة كاليفورنيا بأمريكا من اكتشاف المنطقة الخاصة في الدماغ البشري للإيمان بالله، وهي منطقة يمكن اعتبارها مسؤولة عن الغريزة التي تدفع بالإنسان إلى الاعتقاد الديني.

 وقد تم التوصل إلى هذا الاكتشاف بعد دراسة أجريت على عدد من المصابين بداء الصرع الذين عرف عنهم تمرسهم في تجارب روحية عميقة، وذلك عن طريق تسجيل النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام جهاز يطلق علية مخطط كهربائية الدماغ - Electro encephalogram  وهو عبارة عن جهاز معين صغير يثبت على جلد الرأس، ويعطي نتائج على شكل رسم بياني أو مخطط متعدد يسمى مخطط الدماغ الكهربائي، وينتج الرسم بمرور تيار كهربائي خلال أداة الرسم مثل قلم السمة أو إبرة التسجيل، وقد تم ملاحظة أن هناك شبكة من الأعصاب التي تقع في مقدمة الدماغ تصبح مشحونة كهربائيًا كلما تم التفكير العميق في خلق الله.

 وقد قدم الفريق العلمي ورقة بحثية بهذا الخصوص في مؤتمر علمي عقد في فيلاديليفيا بأمريكا جاء فيها: من المحتمل وجود آلة عصبية في الدماغ تعنى بالدين، وأوضحت نتائج البحث أن إيمان المرء بدين ما، أو حتى بوجود الله ربما كان يعتمد على مدى نشاط الشبكة العصبية المكهربة والمخصصة للاعتقاد الديني، كما يعتقد هؤلاء أنه إذا صدقت نتائجهم، وكانت منطقة الإيمان بالله موجودة بالدماغ فعلًا، فإن هذا يعني أن الملحدين ربما كانت لديهم شبكة عصبية كهربائية مختلفة، وقد تباينت آراء العلماء والباحثين حول هذا الاكتشاف، فالبعض يرى فيه دليلًا على قدرة الخالق في تصميم الجهاز العصبي وفي كيفية عمل الدماغ البشرى، ولكن هناك فريقًا آخر يدق جرس إنذار معلنًا أنه حتى مع افتراض صحة نتائج هذا البحث وإسفارها عن وجود آلة عصبية في الدماغ خاصة بالاعتقاد الديني فلا بد أن يكون الشحن الكهربي لهذه الآلة تحت سيطرة وتحكم الإنسان؛ أي أننا نختار أفعالنا ونكون مسؤولين عن اعتقاداتنا الدينية.

 كما يشير هذا الفريق العلمي أيضًا إلى أنه إن لم تتخذ إجراءات وقائية الآن، فإنه لا يمكن توجيه اللوم إلى أي شخص ملحد؛ لأنه سيقول ببساطة لا تلمني؛ إن اعتقادي الديني ناتج عن نشاط عصبي في دماغي ولا دخل لي به، وذلك لأن البشر يبحثون دائمًا عن مبرر لأفعالهم القبيحة بدلًا من توجيه اللوم إلى أنفسهم أولًا، وربما يجد الملحدون ضالتهم في هذه الشبكة العصبية.

• التأثير الاجتماعي والأخلاقي:

 حقق العلماء اكتشافات ملحوظة حول كيفية عمل الدماغ البشرى، لكن النتائج التي توصلوا إليها تهدد بتقويض جميع القيم والأحكام والنظم التي يسير على هديها المجتمع البشري.

 وما لم تتخذ إجراءات وقائية الآن فلا يمكن توجيه اللوم إلى أي شخص يرتكب جناية؛ لأنه سيقول ببساطة إن أفعالي ناتجة عن تفاعلات كيماوية في دماغي، ولا دخل لي بها؛ إنها الجينات، وحتى الآن فإن نشاط المجتمع البشري محكوم بحرية الإرادة؛ أي أننا نختار أفعالنا ونكون مسؤولين عما يحدث، وعندما يكون الشخص حر الإرادة فإنه من العدل أن يحاسب ويطبق عليه القانون الذي يفصل الصواب عن الخطأ، وعندما قال هاملت في مسرحية شكسبير الشهيرة أكون أو لا أكون وهو يهم بالانتحار، فقد وضع ملاحظة جوهرية حول الحياة الإنسانية، إننا نعتقد أن لدينا الاختيار، ففي حالة هاملت فإنه إما أن يقتل نفسه، ويواجه الجحيم بالتالي أو يظل حيًا ويواجه الضياع، وكلا الخيارين لهما عواقب وخيمة.

لكن شكسبير كان سيواجه مشكلات جراء حديث هاملت لو كان بيننا الآن، فقد اكتشف مشروع تحديد الجينات البشرية الأمريكي جين الانتحار، فإذا كان هناك شخص يحمل هذا الجين في جسمه، فإن هناك احتمالًا بنسبة أن يقدم على الانتحار مقارنة بالذين لا يحملون هذا الجين، لذا كيف تستطيع توجيه اللوم إلى شخص يلقي بنفسه من فوق شاهق قصد الانتحار إذا كان المحفز على ذلك موجودًا في حمضه النووي DNA  وهي المادة الجينية التي تحدد من تكون؟

وخلال العام الماضي تم تحديد الجينات المرتبطة بالسلوك العدواني، وأظهرت الدراسات أن الأشخاص الذين يحملون هذه الجينات أكثر عرضة لارتكاب الجنايات خاصة عندما يستثارون، وهناك أمر مؤكد وهو أن محامي الدفاع عن المتهمين سوف يستغل هذه الاكتشافات لصالح موكليه، وسيطالب بخضوعهم لاختبار جيني قبل خضوعهم للمحاكمة، وإذا تبين أنهم يحملون جين العنف فإنهم سيطالبون بإسقاط التهمة عنهم لكونهم غير مسؤولين عن أفعالهم، وهذا كابوس مخيف يظهر أن المجتمع في طريقه إلى دخول عصر عدم المسؤولية عن الأفعال الإجرامية، فهل نقول شكرًا للجينات التي اكتشف فيها المجرمون حليفًا؟ بالطبع لا.

لقد اكتشف علماء الجينات أن بإمكانهم معالجة الهيكل الجيني للإنسان حتى في مرحلة تقدم السن، وذلك عن طريق استبدال الجين السيئ بآخر حسن، وهذا النوع من المعالجة قد يحدث ثورة تجاه القضاء على أمراض، مثل: السرطان، وتليف المثانة، ويؤكد الأطباء أنهم سيتمكنون قريبًا من تحقيق هذا الحلم، وحتى يتم ذلك فإن المجتمع مطالب بإقرار ما إذا كان من الممكن استخدام نظرية استبدال الجينات في صنع مواطنين صالحين من بين المجرمين، وهل نحن مستعدون لوضع قوانين تجبر المجرمين الذين يحملون جينات عدوانية على الخضوع للمعالجة الطبية؟

وثمة تساؤل آخر: هل يمكن في حالة تطور علم اختبار الجينات أن يتم إجهاض امرأة تحمل طفلًا ذا جينات عدوانية؟ إن هذه ليست نظرة تشاؤمية للعالم الجديد، ولكنها حقيقية؛ ففي الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعتقد عدد من دعاة الإصلاح أن لا أحد يتحمل مسؤولية شخصية تجاه الفعل الإجرامي، تم تقديم الجينات كأداة دفاع في جرائم قتل واغتصاب وقيادة سيارة تحت تأثير الكحول، إن الوقت قد حان للوقوف بجدية ومسؤولية أمام مثل هذه الحقائق، وهذا الأمر لا يقتصر على الجوانب العلمية والتقنية فحسب، وإنما الجوانب القيمية والأخلاقية أيضًا، إما عن طريق إيقاف الأبحاث حول الجينات المسؤولة عن السلوك، إلى أن يتمكن المجتمع من التعامل مع الأشخاص الذين يحملون جينات. رسميًا تجعلهم غير مسؤولين عن أفعالهم، أو اتخاذ قرار بأن حمل جين سين ليس سببًا وجيهًا لارتكاب سلوك سيئ.

إن أهم ما يميز الإنسان عن الحيوان هو الإرادة الحرة التي تعطيه الغلبة على كل كائن وليس الجينات فقط، فالبشر كما أسلفنا يبحثون دائمًا عن مبرر لأفعالهم القبيحة بدلًا من توجيه اللوم إلى أنفسهم أولًا، ويبدو أنهم وجدوا في الجينات ضالتهم، وقد يكون هذا الاكتشاف المسمار الأخير في نعش المسؤولية الشخصية.

• الجينات لا تبرر الجريمة:

     بعد الإعلان عن فك رموز الجينات البشرية بدأ علماء الهندسة الوراثية يعلنون أن العلم الآن بصدد تحديد وتوظيف طبائع كل الناس وميولهم السلمية والعدوانية، عن طريق دراسة ما تحمله الجينات من مؤثرات تنعكس على تصرفات الإنسان، وإنه من المتوقع في الألفية الثالثة أن تشمل البطاقات الشخصية على بيانات دقيقة عن الميول الغريزية لدى حامل البطاقة، وأنه على هذا الأساس ينبغي أن يعامل الشخص بناء على تصرفاته أمام القانون وفي ساحات القضاء، كما يعامل مرضى الاكتئاب النفسي بعدم تحملهم مسؤولية ما يصدر عنهم من جرائم.

 وفي هذا السياق قال د. عبد العظيم المطعني -أستاذ الدراسات العليا بجامعة الأزهر- مسألة الجينات هذه مفادها أن الإنسان قد يولد مجرمًا بطبعه فيكون هذا عذرًا له في إعفائه من المسؤولية عما يقع منه من جرائم، وهذا غير صحيح؛ لأن الله -عز وجل- يخلق الإنسان صفحة بيضاء نقية، وهي الفطرة التي فطر الناس عليها، وفي ذلك يقول الله -تعالى-: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (سورة الروم: 30) ومفاد ذلك أن الإنسان لا يولد مجرمًا بطبعه، وإنما يكتسب الإجرام من البيئة التي ينشأ فيها، ومن سوء التربية ومناط المسؤولية والتكليف هو العقل، ولا يسقط التكليف إلا بزوال العقل، وكل عاقل بلغته الدعوة مسؤول عما يفعل، وهب أن بعض الجينات تحبب إلى حاملها الميل إلى الشرور والإجرام، فإنه مع وجود العقل لا تسقط المسؤولية، ولا تعدو أن تكون هذه الجينات نوعًا من المغريات، فعليه -إذن- كبح جماحها، والتغلب عليها، فلا عبرة إذن لما يتوقعه بعض علماء الهندسة الوراثية، وما أكثر المزاعم التي تطالعنا بها الحضارة المادية الحديثة، وبناء على هذا وغيره كثير، لا يصح أن تثبت في البيانات الشخصية أعذار تعفي أصحابها من المسؤولية عن جناياتهم؛ لأن في هذا دعوة إلى الفوضى وشيوع الجرائم المتعمدة، وهي جبرية جديدة تدعو إليها حضارة الغرب المادية الحديثة، وتضخم بها قاموس بدعها المدمرة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 14

158

الثلاثاء 16-يونيو-1970

خير أمـة أُخرجت للنـاس!

نشر في العدد 14

140

الثلاثاء 16-يونيو-1970

مع القراء- العدد 14

نشر في العدد 63

147

الثلاثاء 08-يونيو-1971

العقيدة.. أولًا