العنوان رباني يتحدث للمجتمع عن: فتح مزار شريف.. ثاني أكبر مدينة في أفغانستان
الكاتب رأفت يحيى العزب
تاريخ النشر الأحد 29-مارس-1992
مشاهدات 59
نشر في العدد 995
نشر في الصفحة 12
الأحد 29-مارس-1992
▪ رغم علمنا بأن هناك ضغوطًا تمارس على باكستان إلا أنه ليس من مصلحة باكستان أن تغير سياستها تجاه المجاهدين.
«سكان مدينة مزار شريف- البالغ تعدادهم أكثر من مليون نسمة- يستقبلون
المجاهدين بالتهليل والتكبير»: هذا هو نص الرسالة التي تلقاها البروفيسور رباني من
القائد أحمد شاه مسعود من داخل مدينة مزار شريف المحررة يوم الأربعاء 15 رمضان
الحالي.
جاءت هذه الرسالة تتويجًا لسلسلة من العمليات العسكرية التي نفذها
المجاهدون الأفغان بقيادة أسد بانجشير القائد أحمد شاه مسعود في القطاع الشمالي
منذ مطلع شهر رمضان الجاري.
وقد أسفرت هذه العمليات عن تحرير 18 مديرية بولايات سمنجان وتخار وبلخ
في شمال البلاد، وبهذا الانتصار يصبح القطاع الشمالي الأفغاني المتاخم لجمهوريتي
طاجيكستان وأوزبكستان في آسيا الوسطى، وبعرض سبعين كيلومتر تحت السيطرة الكاملة
للمجاهدين الأفغان. كان طبيعيًا أن يضطر رئيس نظام كابل أمام هذا الانتصار الضخم
إلى إعلان استعداده للتنازل عن السلطة وتسليمها لحكومة انتقالية، «إن نجيب وهو
يرفع الراية البيضاء لا يرفعها رمزًا للسلام كما سماه البعض، وإنما رمزًا
للاستسلام والهزيمة».
كيف حدث هذا الانتصار الكبير، ومن هم المجاهدون الذين وقفوا وراءه..
وما دلالات هذا الانتصار وأبعاده.. وهل سيستثمر المجاهدون هذا النصر التاريخي
لتحقيق هدفهم المنشود؟ تساؤلات وتساؤلات عديدة طرحتها المجتمع على أمير الجماعة
الإسلامية البروفيسور برهان الدين رباني.
- المجتمع: كيف سقطت مدينة مزار شريف؟
- رباني: منذ فترة
طويلة والمجاهدون يتعرضون لضغوط شديدة على كل المستويات، أبرزها توقف
المساعدات العسكرية والاقتصادية، وطرح حلول ومشروعات تسوية للقضية من قبل
الأمم المتحدة وغيرها تستهدف حرمان المجاهدين من قطف ثمار جهادهم. هذا الأمر
دفع المجاهدين للتفكير جدياً في الخروج من هذا المأزق.
ورأى قادة الشمال أن القيام بعملية عسكرية كبيرة سوف يعيد ترتيب أوراق
القضية من جديد، وكانت مزار شريف وولاية سمنجان هما الهدف الذي حدده المجاهدون
لتنفيذ هذه العملية نظرًا لاعتبارات استراتيجية عديدة أهمها:
إن مزار شريف وسمنجان تتحكمان في الطريق الرئيسي الذي يربط آسيا
الوسطى الإسلامية بالعاصمة كابل عبر ممر سالنج الشهير، وهذا يعني عزل القطاع
الشمالي كله من البلاد عن العاصمة كابل. وكانت مدينة مزار شريف مرشحة لأن تكون
العاصمة البديلة لكابل في حالة سقوطها، مما دفع نظام كابل منذ فترة مبكرة إلى
تحصين المدينة عسكرياً وتزويدها بقواعد عسكرية وجوية ومخازن ضخمة للذخيرة والمواد
الغذائية. وفي الآونة الأخيرة اتجهت قيادة الحزب الشيوعي في كابل إلى نقل أسرها من
كابل إلى مزار شريف نظرًا للحماية القوية التي تتمتع بها، وفضلاً عن ذلك كله فإن
المدينة يسكنها أكثر من مليون نسمة من الأفغان.
وبدأ الهجوم أولًا على المديريات الصغيرة المحيطة بالمدينة، فسقطت 18
مديرية من بينها خوام وفايز آباد وشاديان وشركنت وتشكرغان ودولت آباد خلال الأسبوع
الأول من العمليات التي بدأت مع مطلع شهر رمضان.
وبسقوط هذا العدد الكبير وبسرعة هائلة أصبح الطريق ممهدًا لفتح مزار
شريف، حيث دخل المجاهدون المدينة وسط مقاومة كبيرة من القوات الشيوعية التي أصيبت
بانهيار كبير من جراء سرعة سيطرة المجاهدين على المديريات الثماني عشرة، لكن ما
تزال هناك بعض الجيوب الصغيرة التي ما تزال تحت سيطرة القوات الشيوعية، حيث يواصل
المجاهدون عملياتهم لتطهير هذه الجيوب من فلول القوات الشيوعية.
- المجتمع: ما حجم الغنائم التي استولى عليها
المجاهدون؟
- رباني: على الرغم
من أنه لم يصلنا تقارير حول حجم الغنائم إلى الآن، إلا أنه من المتوقع أن
تكون حصيلة الغنائم المئات من العربات المدرعة والدبابات والمواقع والصواريخ
نظرًا لأهمية المدينة واحتوائها على عدد ضخم من مخازن الذخيرة، هذا بالإضافة
إلى مخازن الذخيرة في ميناء حيرتان الذي أصبح معزولًا عن سيطرة القوات
الشيوعية. لكن الخطورة تكمن في أن القوات الشيوعية بدأت تقصف بضراوة بالغة
هذه المخازن لحرمان المجاهدين من هذه الأسلحة على أية حال، فمن المتوقع رغم
ذلك أن يحصل المجاهدون على كميات كبيرة من الغنائم، خاصة وأن أهالي المدينة
يتعاونون تمامًا مع المجاهدين.. وقد تلقيت رسالة تفيد بأن أهالي المدينة قد
استقبلوا المجاهدين بالتهليل والتكبير.
- المجتمع: كيف استقبل المجاهدون هذا
الانتصار؟
- رباني: أنا قلت
إن هذا الانتصار فرصة لنا جميعًا.. وقد أبلغت قادة المجاهدين من الأحزاب
الأخرى أن هذا الانتصار ليس للجمعية فحسب، بل لكل المسلمين، وقد طلبت منهم أن
يكون هناك تنسيق في العمليات العسكرية القادمة.
- المجتمع: أغلب الأنظار كانت متجهة نحو جلال
آباد لتحريرها أولًا، وقد جاء تحرير مزار شريف ليشكل عنصر مفاجأة للجميع..
فهل كان ذلك مناورة من جانبكم لخداع القوات الشيوعية؟
- رباني: ليس كذلك،
فقد كنا نستعد لهذا الهجوم قبل فترة طويلة كما أشرت آنفاً، ونحن نرى أنه لا
بد من الاتجاه نحو جلال آباد وبعض المناطق الأخرى غير المحددة، ونسعى حاليًا
للقيام بعمليات عسكرية مشتركة.
- المجتمع: كيف سيتم إدارة المناطق المحررة
الجديدة في الشمال؟
- رباني: لقد بدأنا
بالفعل في إدارة المناطق المحررة، ونأمل أن يكون ذلك بالتنسيق والتعاون مع
الأحزاب الأخرى في المنطقة، وأحب أن أؤكد أن الأمم المتحدة والعديد من
السفارات قد أشادت بموقف المجاهدين داخل المدينة، فلم يحدث أن رصدت مخالفة
واحدة من جانب المجاهدين تجاه الأهالي أو الممتلكات الخاصة بالمدينة.
والمجاهدون حريصون على توفير الأمن والحماية الكاملة للسكان
وممتلكاتهم، وكما قلت فإن الأهالي قد رحبوا كثيرًا بالمجاهدين عند دخولهم المدينة
مما يعكس الحالة النفسية والأمنية التي يتمتع بها السكان في مزار شريف.
- المجتمع: كيف ترى مستقبل خطة الأمم المتحدة
في ضوء هذه الانتصارات؟
- رباني: نحن لا
نرفض التعاون مع الأمم المتحدة إلا أن خطتها كما أشرت مرارًا غامضة والنقاط
غير عملية، فمثلًا تجميع 150 مندوباً يمثلون كل القوى الأفغانية في البلاد،
أي مندوب عن كل جماعة صغيرة كانت أم كبيرة، يعني أن الجماعات والقوى التي ليس
لها وزن يذكر، سوف تتساوى مع كبار أحزاب المجاهدين، فضلاً عن أن تجميع مختلف
التيارات الفكرية المتناقضة من شأنه أن يزيد من تعقيد القضية وليس حلها، ومن
هنا فإن الأساس الذي تقدم عليه خطة الأمم المتحدة يحتاج إلى إعادة نظر من
جديد.
لقد علمنا مؤخرًا أن بينون سيفان ممثل الأمين العام للأمم المتحدة قد
جمع أسماء 100 مندوب إلى الآن، على أية حال فإن انتصار المجاهدين في مزار شريف سوف
يختصر طريق حل القضية، وهذا من شأنه أن يلفت نظر الأمم المتحدة إلى أهمية إعادة
النظر في موقفها بما يتواءم وطبيعة القوى الأفغانية.
- المجتمع: ما تصوركم لموقف باكستان بعد
انتصار المجاهدين في مزار شريف؟
- رباني: من
المتوقع أن يؤثر الوضع الجديد على مواقف مختلف القوى المعنية بالقضية
الأفغانية، ومن غير المستبعد أن تعيد حساباتها.
لقد كانت أغلب الأطراف الخارجية التي لها علاقة بالقضية الأفغانية
تستبعد الخيار العسكري لحسم القضية بعد توقف المساعدات العسكرية عن المجاهدين-
وكانت باكستان أحد الأطراف الخارجية التي أسقطت من حساباتها مؤخرًا الخيار العسكري
في ضوء المتغيرات الدولية. على أية حال فإن باكستان ليس من مصلحتها مطلقاً تغيير
سياستها تجاه المجاهدين.. نعم نحن ندرك أن هناك ضغوطًا تمارس ضدها، لكن ذلك لا
يعني أن تغير باكستان من سياساتها بنسبة 180 درجة. وعمومًا فقد طرأ تغيير ملحوظ
على موقف باكستان في أعقاب هذا الانتصار.
- المجتمع: هل حدثت لقاءات بين المجاهدين
والقيادة الباكستانية عقب انتصار مزار شريف؟
- رباني: نعم حدثت
عدة لقاءات التقينا خلالها بمسؤولين في الخارجية والجيش كذلك، وقد اتسمت هذه
اللقاءات بالتفاهم الكامل فيما بيننا.
- المجتمع: يتردد في هذه الآونة وبصورة لافتة
للنظر الصراع المتوقع بين البشتون والطاجيك في حالة سقوط كابل، ما تعليقكم؟
- رباني: إن أعداء
الإسلام هم الذين يثيرون هذه القضية، لكن المجاهدين الذين يؤمنون بأن الإسلام
هو أساس أي تحرك لا يسمحون بأية حركة انفصالية تقوم على أساس عرقي.
وأعداء الإسلام يريدون إثارة هذه القضية عن طريق نبش الخلافات بين
المجاهدين، لكننا يقظون لهذه المخططات، ولن نسمح بتمريرها. إن الإخوة المجاهدين في
الشمال مثلًا من الأوزبك والطاجيك والبشتون يقاتلون جميعًا جنبًا إلى جنب ضد
القوات الشيوعية.
- المجتمع: بعض المراقبين هذه الأيام بدأوا
يرددون من جديد خاصة بعد انتصار مزار شريف إمكانية تقسيم أفغانستان بين
الطاجيك في الشمال مع جمهورية طاجيكستان والبشتون في الجنوب؟
- رباني: كما قلت
هناك مؤامرات لحرمان أفغانستان من أن تحظى بالاستقرار. نعم كانت هناك محاولات
قديمة لتقسيم البلاد بحيث تكون هناك دولة بشتونية في الجنوب يحكمها عناصر
شيوعية، وكانت هناك مهمات خارجية وراء ذلك، ولكن بعد إعلان الجهاد الأفغاني
قبل 15 سنة فشلت هذه المحاولات، واستطاع المجاهدون أن يحبطوا هذه المحاولات.
أما عن موقف جمهوريات آسيا الوسطى وطاجيكستان خصوصًا، فنحن حريصون على
إحياء الإسلام في هذه البلاد، وتقديم كل سبل الدعم ما أمكننا ذلك، وأود أن أوضح
نقطة هامة تتعلق بشعوب هذه الجمهوريات، ففي مؤتمر علماء المسلمين الذي عقد بطشقند
مؤخرًا قال قاضي طاجيكستان الشيخ طورجان زاده: «إننا يجب أن نتحدث فيما بيننا باسم
الإسلام بعيدًا عن أية نعرة قومية» وقال طورخان زاده: «نحن نرفض أن تسمى بلادنا
باسم تركستان؛ لأن هذا الاسم يعكس الجانب العرقي، إننا يجب أن نحتفظ بالاسم القديم
الذي أطلقه أسلافنا المسلمون على هذه البلاد وهو بلاد ما وراء النهر. إن شعوب تلك
المنطقة لن يقبلوا بالشعوبية ونفس الشيء ينطبق على أفغانستان المسلمة التي ستظل بشتونها
وطاجيكييها دولة واحدة إن شاء الله».
- المجتمع: في ختام لقائنا ماذا نقول للمسلمين
في العالم بمناسبة هذا الانتصار؟
- رباني: إنني أهنئ
المسلمين جميعًا بهذا الانتصار الباهر الذي أبطل كل الدعاوى الباطلة التي
كانت تروج بأن الجهاد الأفغاني قد اعتمد أساسًا على الدعم الغربي. لقد جاء
انتصار اليوم بعد فترة طويلة من انقطاع كل ألوان المساعدات عن المجاهدين، ومن
هنا فإننا نطالب إخواننا المسلمين ألا ينسونا من الدعاء في هذه المرحلة، وألا
ينسوا أن هناك عشرات المدارس والمستشفيات قد توقفت من جراء توقف المساعدات
عنا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل