العنوان عرفات: ماذا فعلت بشعبك «الفساد يستشري، الاقتصاد يختنق، المشروع السياسي يتراجع»؟
الكاتب أسامة عبد الرحمن
تاريخ النشر الثلاثاء 10-يونيو-1997
مشاهدات 77
نشر في العدد 1253
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 10-يونيو-1997
- هيئة رقابة تتبع مكتب «الرئيس» مباشرة تنشر تقريرًا عن فساد السلطة كيف؟
- (7600) دولار قيمة الفاتورة الشهرية للمحادثات الشخصية لأحد المسؤولين دفعت من ميزانية السلطة.
الحديث عن الفساد المالي في أجهزة السلطة الفلسطينية بات هو القضية الرئيسية التي تشغل اهتمام الأوساط الشعبية والسياسية على الساحة الفلسطينية، بعد نشر مقاطع من تقرير «هيئة الرقابة الفلسطينية» لعام ١٩٩٦م، وهي مؤسسة تابعة لمكتب الرئيس ياسر عرفات، ويرأسها جرار القدوة أحد أفراد عائلة عرفات «الاسم الحقيقي لياسر عرفات هو عبد الرؤوف القدوة» التقرير يتحدث عن هدر في المال العام بلغ (٣٢٦) مليون دولار، تشكل نحو نصف ميزانية السلطة الفلسطينية لعام ١٩٩٦م، وحسب التقرير الذي يقع في نحو (٦٠٠) صفحة فإن الهدر جاء على أشكال مختلفة: تم دفع فواتير هواتف دولية وحراسات وسيارات لكبار موظفي الدولة، فيما استغل آخرون مناصبهم لأغراض شخصية، مثل: فتح حسابات بنكية خاصة في بنوك إسرائيل لتحويل العمولات، وتلقي هبات ومساعدات خارجية دون إدراجها في موازنة الوزارة، وتعيين المقربين في وظائف لا يستحقونها، وصرف مبالغ طائلة دون مبرر والتلاعب بالعطاءات وترسيتها على شركات معينة لبعض المسؤولين في السلطة.
ومن أمثلة الهدر صرف فاتورة هاتف لمسؤول كبير في سلطة الحكم الذاتي تجاوزت (٢٣٠) ألف شيكل (٧٦٠٠ دولار) في شهر واحد، وكانت غالبية هذه المكالمات شخصية لا علاقة لها بعمل المؤسسة، بل إن جزءًا كبيرًا منها وصفت بأنها اتصالات غير أخلاقية مع أرقام هواتف في دول أوروبية تنشرها الصحف الإسرائيلية على شكل إعلان لراغبي المتعة الحرام عبر الهاتف.
وزير التخطيط الملياردير نبيل شعث خصصت له أربع سيارات للاستخدام الخاص، أما جميل الطريفي فقد خصصت له أربع سيارات أيضًا وتسعة خطوط هاتف.
وأشار التقرير الرسمي إلى تجاوزات خمسة من أبرز مسؤولي السلطة، هم نبيل شعث مسؤول التخطيط والتعاون الدولي، وأحد كبار مساهمي مجموعة تيم التجارية، إحدى الشركات الاحتكارية في مناطق الحكم الذاتي، وجميل الطريفي وزير الشؤون المدنية، وأحد أكبر تجار العقارات والأراضي في الضفة الغربية، وعلي القواسمي وزير المواصلات، وأبو علي شاهين وزير التموين واحد أبرز قادة حركة «فتح» في قطاع غزة، ومحمد زهدي النشاشيبي وزير المالية، والوزراء الخمسة إما كوادر في حركة فتح، أو مستقلون مقربون منها مثل محمد زهدي النشاشيبي.
أحد أعضاء المجلس التشريعي للسلطة الفلسطينية علق على التقرير بقوله إنه لم يفاجأ بالتجاوزات التي تضمنها، وقال إن ما ورد في التقرير ليس كل شيء، وأن هناك أسرارًا مخفية لم تعرف بعد، وتساءل ماذا نتوقع من سلطة فيها تسيب إداري ومالي وأمني؟ فهذا النوع لا يفرز إلا فسادًا وأنواعًا مختلفة من التسيب على حد قوله.
أما نبيل شعث الذي كان أحد أبرز المتهمين فقد نفى ما ورد في التقرير، وقال إنه عار من الصحة تمامًا، واتهم أعضاء المجلس التشريعي الذين ناقشوا التقرير بأنهم ركزوا على وزارات معينة، وأغفلوا محاسبة وزارات أخرى، وأعلن شعث أنه قرر إعادة السيارات الأربع التي بحوزته.
وعقب نشر التقرير صدرت مطالبات من عدة جهات بمحاكمة المسؤولين عن الفساد في أجهزة السلطة وإقالتهم من مناصبهم، خاصة بعد أن قرر رئيس السلطة ياسر عرفات تشكيل لجنة خاصة مكلفة بالبحث في قضايا التجاوزات المالية في أجهزة السلطة، وخاصة ما ورد في تقرير هيئة الرقابة، ورفع توصيات واقتراحات محددة لرئيس السلطة لاتخاذ الإجراءات اللازمة.
وقد طالبت الجبهة الديمقراطية في قطاع غزة باستقالة ومحاكمة من قالت إنهم نهبوا مال الشعب، ومصادرة الأرصدة والشركات الخاصة بهم، وبإحالة المتلاعبين بأموال وقوت الشعب إلى المحاكم بصورة فورية.
ولكن عدة مصادر استبعدت أن يتم محاكمة أو إقالة أي من المتهمين الرئيسيين بالفساد، أحد أعضاء المجلس التشريعي قال إنه لن تكون هناك محاكمات؛ لأنه لو وجدت محاكمات نزيهة فإنها ستطال كبار المسؤولين، ورجح أن يتم التضحية بالصغار لجعلهم قربانًا لمن هم أكبر منهم، وأكد مستشار عرفات الإعلامي مروان كنفاني أنه لن يتم إقالة أي وزير في قضايا الفساد ما لم تثبت التهم الموجهة إليه، معربًا عن اعتقاده بوجود مبالغات في الحديث عن إهدار المال العام، بل إنه حاول تبرير بعض أشكال التجاوزات.
وكان المجلس التشريعي قد شهد جدلًا حادًا لدى مناقشته لقضايا الفساد، وتبادل أعضاء المجلس والوزراء الاتهامات القاسية، ولكن المجلس أقر في نهاية المطاف أول ميزانية للسلطة الفلسطينية منذ قيامها على أراضي الحكم الذاتي، وقد بلغت ميزانية السلطة للعام الماضي نحو (٨٥٠) مليون دولار، وذهب منها نحو (٢٥٠) مليون دولار للأجهزة الأمنية المتعددة، وهو ما يعادل نحو (30%) من الميزانية، في حين بلغت مخصصات مكتب الرئيس عرفات (۱۰۰) مليون دولار فقط؛ أي ما يعادل (۱۲٪) من ميزانية السلطة، وقد فشلت المحاولات التي بذلت داخل المجلس لتقليص مخصصات مكتب رئيس السلطة، حيث دافع رئيس المجلس أحمد قريع دفاعًا مستميتًا لإبقاء المخصصات كما هي، وقالت مصادر في المجلس التشريعي إن قريع احتد غاضبًا، ووجه ألفاظ سباب يعاقب عليها الشرع والقانون.
وتوقع المراقبون أن يؤدي الفساد المالي والإداري المتزايد في أجهزة السلطة وما نشر حوله من تقارير إلى التأثير على المساعدات الدولية التي تتلقاها السلطة من الدول المانحة للمساعدات، لكن السلطة الفلسطينية -وعلى لسان وزير التربية والتعليم ياسر عمرو- استبعدت هذا الأمر، حيث عبر الأخير عن اعتقاده بأن الدول المانحة لن تتأثر بمثل هذه التقارير، ولكن النرويج التي ترأس لجنة الاتصال الخاصة بالدول المانحة أكدت أنها طلبت من السلطة تفسيرًا للاتهامات التي وجهت لبعض أعضائها بإساءة استخدام المال العام، وقال نائب وزير خارجية النرويج جان إيجيلاند إنه من المهم أن تتعامل الإدارة الفلسطينية مع الموقف بجدية؛ لأنها مسألة تتعلق بكسب السلطة لثقة الدول المانحة، مشيرًا إلى أن عليها أن تجيب عن عدد من التساؤلات قبل الاجتماع القادم للجنة الاتصال في واشنطن، ولكن أوساطًا سياسية رجحت أن تستمر المساعدات الدولية للسلطة كما هي رغم الفساد الحالي المستشري في أجهزتها؛ لأن الدول المانحة معنية بالدرجة الأولى بموقف السلطة السياسي في المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي، مع إمكانية أن تشدد هذه الدول رقابتها على صرف أموال المساعدات والقيام بالإشراف على صرفها مباشرة على المشاريع.
وكان فاروق قدومي رئيس الدائرة السياسية لمنظمة التحرير وزع تقريرًا في ۳۰ نوفمبر 1995م أشار فيه إلى «انتشار الفساد والرشوة» في أجهزة سلطة الحكم الذاتي، وقال قدومي في مذكراته التي وزعت على وسائل الإعلام آنذاك إن أداء السلطة الفلسطينية في الداخل سيء للغاية؛ فقد عجزت السلطة عن إقامة المؤسسات المركزية وإدارة المؤسسات القائمة مسبقًا إدارة حسنة، فاستخدام الموظفين وتعيينهم يتم بشكل مزاجي وبدون الأخذ في الاعتبار مؤهلاتهم وكفاءاتهم بالنسبة للوظائف التي يشغلونها.
ويضيف القدومي وتلعب المحسوبية والأغراض الشخصية دورها في التعيين، وتعمل السلطة الفلسطينية في تجارة توزيع البترول والسجائر والأسمنت، وتبيعها للمستهلكين بأسعار مرتفعة، وإذا أراد مستثمر أن يقيم مشروعًا في الداخل أخذت منه السلطة (١٠%) (من قيمة كلفة المشروع) نظير موافقتها».
ويشير القدومي المعروف بمعارضته لاتفاقات أوسلو إلى أن كبار المسؤولين والموظفين في السلطة درجوا على الاتجار واحتكار السلع الأساسية «فانتشرت الرشوة والفساد، وهذا ما ينذر بعواقب وخيمة (..) كما أن الأموال توضع تحت توقيع منفرد»، مؤكدًا أن «الأموال (كانت) ولا زالت كما هي الحال في السلطة الفلسطينية تصرف دون تحديد وفي اتجاهات لا تخدم إلا من يصرفها، كما أنها تصرف لجهات وأشخاص كثير منهم لا يستحقها».
من هو صاحب التوقيع المنفرد الذي ينفق وحده كما يشاء؟ تشير مذكرة القدومي التي حصلت المجتمع على نصها إلى أن التوقيع المنفرد هو توقيع رئيس سلطة الحكم الذاتي الذي أمر في أعقاب الكشف عن تقرير الهيئة حول هدر نصف ميزانية السلطة بتشكيل لجنة تحقيق لتقصي الحقائق.
غير أن عرفات نفسه كان عرضة في الآونة الأخيرة لاتهامات بالفساد المالي، فشركة البحر التي يملكها وزوجته سها الطويل تعد مجموعة احتكارية ضخمة تسيطر على سوق الدواء والمناقصات الحكومية، والكثير من السلع، مثل: المحروقات، والأسمنت، وكانت تقارير صحفية نشرت مؤخرًا أشارت إلى المكانة الخاصة التي تحظى بها الشركة في المناقصات الحكومية وعمليات الاستيراد والتسويق (المجتمع عدد ١٢٤٨).
إهدار المال العام ابتلع نصف ميزانية السلطة في عام ١٩٩٦م.
كما أشارت تقارير صحفية جرى تأكيدها رسميًا من قبل خالد سلام أحد مستشاري عرفات الاقتصاديين إلى أن اتفاقًا سريًا جرى التوصل إليه بين عرفات ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إسحاق رابين- يقضي بفتح حساب سري لعرفات في بنك هبوعليم الإسرائيلي في تل أبيب، على أن يتم تحويل أموال تقتطع من ضرائب العمل والضريبة المضافة للسلع الواردة إلى مناطق الحكم الذاتي، ومن أسعار المحروقات التي تبيعها إسرائيل لمناطق الحكم الذاتي للحساب من أجل مساعدة عرفات على تمويل أنشطة خاصة ومواجهة حالات الطوارئ.
وقد نفت السلطة وجود الحساب في البداية، ثم عادت لتؤكد وجوده وتبرر الحاجة له من أجل تحويل الأموال الواردة من الخارج كمساعدات إلى حساب السلطة في البنوك العربية، وكانت الفترة الماضية قد شهدت نشر عدة تقارير عن الفساد في أجهزة السلطة في الصحف الإسرائيلية الغربية.
ورجحت مصادر سياسية أن تكون هذه التقارير التي أثارت شبهات طالت في بعض الأحيان عرفات والمقربين منه، هي الدافع وراء نشر تقرير هيئة الرقابة الفلسطينية حول وجود تجاوزات مالية، وشككت هذه المصادر في حقيقة أهداف رئيس السلطة، ونشر هذا التقرير الرسمي الذي تحدث عن تجاوزات تعد مخففة جدًا قياسًا بما هو موجود على أرض الواقع، وقالت إن ما يثير الشكوك أن هيئة الرقابة التي أصدرت التقرير تتبع لمكتب الرئيس ياسر عرفات، وهو ما يطرح العديد من التساؤلات، وتوقعت هذه المصادر أن يكون هناك دافعان إضافيان وراء نشر تقرير هيئة الرقابة الذي تحدث عن تجاوزات محدودة:
الأول: حالة التذمر الشديد التي سادت الأوساط الشعبية بعد شيوع مظاهر الفساد وانتشارها بصورة واضحة في أجهزة السلطة، وخاصة بعد قيام الصحفي داود كتاب بنقل وقائع جلسة المجلس التشريعي تناولت موضوع الفساد على الهواء مباشرة على إحدى المحطات التلفزيونية، وقد تم اعتقال كتاب عدة أيام فيما بعد على هذه الخلفية، وقد جاء تقرير هيئة الرقابة كمحاولة لإقناع المواطنين بأن رئيس السلطة عازم على معالجة مظاهر الفساد بصورة جدية.
الثاني: محاولة صرف اهتمام الشعب الفلسطيني عن فشل السلطة في تحقيق إنجازات سياسية في مفاوضاتها مع الجانب الإسرائيلي بسبب المأزق الذي تعانيه المفاوضات، والذي فشلت كل الجهود التي بذلت للخروج منه في تحقيق نتائج إيجابية.
ولم تستبعد بعض المصادر وجود دافع آخر وراء نشر تقرير هيئة الرقابة، وهو محاولة إظهار جدية السلطة في معالجة الفساد والتجاوزات لإقناع الدول المانحة بأن السلطة جديرة بثقتها ودعمها.
وأيًا ما كان الدافع وراء ذلك فإن ما هو مؤكد أن السلطة الفلسطينية تفقد بصورة متزايدة ثقة الشارع الفلسطيني، فلا هي نجحت في تنفيذ برنامجها السياسي المستند إلى اتفاقية أوسلو، ولا هي نجحت في تقديم صورة إيجابية في إدارتها للشؤون الداخلية في مناطق الحكم الذاتي.