الظاهرة تمتد إلى أبعاد عشائرية وإقليمية.. والعديد من المشاركين فيها يأتون من خارج الجامعة
حملة «ذبحتونا »: الجامعات شهدت العام الماضي 58 مشاجرة كبيرة بالأسلحة النارية والبيضاء!
مظاهرات حاشدة واعتصامات مفتوحة لإجبار المسؤولين على ردع مرتكبيها
مطالب بضرورة إعطاء مساحة حقيقية لحرية العمل الطلابي
لم تعد معظم الجامعات الأردنية في منأى عن إحدى أكثر الظواهر خطورة، ليس على المجتمع الجامعي والتعليمي فحسب، بل على المجتمع الأردني كله، حيث أصبحت ظاهرة «العنف الجامعي » منتشرة بشكل كبير في الجسم الجامعي بمختلف أطيافه، حتى أصبح من الصعب توصيف المشاجرات والاشتباكات التي تقع داخل الجامعات بأنها طارئة أو تصرفات فردية غير مسؤولة!
وقد كانت أحدث وأخطر حلقات مسلسل «العنف الجامعي » المشاجرة الكبيرة التي جرت قبل نحو ثلاثة أسابيع في حرم الجامعة الأردنية، كبرى الجامعات الأردنية وأقدمها، والتي حدثت بين طلب ينتمون لعشيرتين كبيرتين، استخدمت فيها كافة أنواع الأسلحة النارية والبيضاء، ونجم عنها أضرار كبيرة بممتلكات الجامعة، ونقل عدد من الطلبة إلى مستشفى الجامعة بعد إصاباتهم بإصابات بالغة ومتوسطة!
وسبق هذه الحادثة، مشاجرات متعددة بين طلبة جامعيين في مختلف الجامعات الأردنية، وعلى فترات متقاربة، وكانت تأخذ شكل العنف الجماعي رغم بساطة أسبابها، ما يشير إلى تحول هذه المشاجرات إلى «ظاهرة .»
وقد رصدت الحملة الوطنية من أجل حقوق الطلبة «ذبحتونا » في تقريرها السنوي لعام 2011 م، 58 مشاجرة كبيرة خلال العام الماضي، وبنسبة زيادة وصلت إلى نحو %100 مقارنة بالعام 2010 م، ونوهت إلى أن 90 % من هذه المشاجرات تضمنت تدمير مرافق الجامعات، ناهيك عن ارتفاع حالات استخدام الآلات الحادة والأسلحة، وأشار إلى أن هذه المشاجرات كانت غالباً ما تنتقل إلى خارج أسوار الجامعة، كما أن العديد من الذين شاركوا في هذه المشاجرات، التي تمتد إلى أبعاد عشائرية وإقليمية، يأتون من خارج الجامعات.
غضب طلابي وشعبي
أثارت المشاجرة الطلابية التي وقعت في الجامعة الأردنية مؤخراً، ردود فعل غاضبة من قبل القوى الطلابية والنقابية والحزبية، خصوصاً وأنها تأتي بعد سلسلة مشاجرات وقعت في الجامعة الأردنية، تم فيها الاعتداء على الطلبة والممتلكات، لكن ما أثار الاحتقان والغضب هذه المرة هو استخدام الأسلحة النارية، وكأن هذه الجامعات أصبحت ميادين حرب وقتال، لا ميادين تعليم!..
هذه المشاجرة دعت القوى الطلابية وعلى رأسها الاتجاه الإسلامي للدعوة إلى تنظيم مظاهرات حاشدة ومنددة، إضافة إلى الدعوة إلى اعتصامات مفتوحة لإجبار وزارة التعليم العالي وإدارات الجامعات على اتخاذ إجراءات رادعة بحق كل من يعيث تخريباً وفساداً في الجامعات الأردنية. النظام يحاول الاحتواء بعد هذه التطورات شعرت إدارة الجامعة الأردنية بأنها وإن لم تسارع باتخاذ إجراءات رادعة وحازمة بحق الطلبة الذين تسببوا بالمشاجرة، فإن «ثورة طلابية » من الممكن أن تندلع، لذا بادرت إدارة الجامعة - ولأول مرة- بفصل الطلبة المتشاجرين دون «الخوف » من الجهات المتنفذة التي يتستر خلفها هؤلاء المتشاجرون.
ولم يقف الأمر عند بقاء القضية في الإطار الطلابي، بل تجاوزته لتصبح قضية سياسية ومجتمعية، فالتقى الملك «عبدالله الثاني » برؤساء اتحادات الطلبة في الجامعات الأردنية، وحثهم على الانخراط في مسيرة الإصلاح والتطوير وبناء الوطن ونبذ ظاهرة العنف، مؤكداً أن هذه الظاهرة لا تمثل أخلاق الأردنيين، وهي مرفوضة وتهدد مسيرتنا التعليمية، ودعا إلى أخذ زمام المبادرة في وضع إستراتيجية خلال الأسابيع القادمة تتضمن برامج وحلولاً عملية للعنف
في الجامعات التي باتت ظاهرة مقلقة، وذلك بالتنسيق مع القائمين على الجامعات والتعليم العالي.
وقال الملك: «نعول عليكم كثيراً، والوطن بحاجة إلى دوركم ومشاركتكم في بنائه، مشدداً على دور الطلبة في التصدي لظاهرة العنف الجامعي من خلال تعزيز ثقافة الحوار وتقبل الرأي الآخر .»
أسباب «العنف الجامعي »
تناول عدد من الخبراء السياسيين والاجتماعيين ظاهرة «العنف الجامعي » في كتاباتهم، وأجملوا أسبابها بالنقاط التالية:
- في ظل الحراك الشعبي الأردني والثورات العربية، وفي ظل الادعاءات الرسمية بالعمل على الوصول إلى حكومات
حزبية، استمرت إدارات الجامعات بوضع كافة العراقيل لمنع العمل الحزبي، بل إن الأمر تعداه ليصل إلى تحريض هذه الإدارات طلبتها ضد الحزبية، فقد نصت أهداف الجمعيات الطلابية لجامعة البلقاء وعدد من الجامعات الخاصة على «دعم منع الحزبية ،» علماً بأن هذه الأهداف يتم وضعها من قبل إدارة الجامعة دون الرجوع للطلبة.
- على صعيد التشريعات والقوانين المتعلقة بالحريات الطلابية، استمر عمل مؤسسات التعليم العالي بالقوانين والأنظمة المقيدة للحريات دون أي تعديل أو محاولات تطوير هذه القوانين.
- لا يزال «الصوت الواحد » هو قدر طلبة الجامعات الأردنية، على الرغم من توصيات لجنة الحوار الوطني وتصريحات كافة الجهات الرسمية بإلغاء هذا النظام في أي انتخابات برلمانية قادمة.
- اتسمت فترة التقرير بتغول إدارات الجامعات على مجالس الطلبة، مع استمرار قانوني الجامعات والتعليم العالي بتجاهل أي ذكر لإلزامية وجود مجالس طلابية منتخبة.
- لا تزال موازنات مجالس طلبة غالبية الجامعات الأردنية تخضع لمزاجية عمادة شؤون الطلبة ورئيس الجامعة، دون تحديد ميزانية واضحة لهذه المجالس، ودون إعطائها صلاحية استخدام هذه الميزانية إلا بإذن وموافقة إدارة الجامعة المسبقة، والأمر نفسه ينطبق على الأندية الطلابية.
- استمرار نفوذ الأمن الجامعي، حيث واصل هذا الجهاز سطوته على الطلبة، كما لاحظ التقرير أن الأمن الجامعي في بعض الجامعات هو صاحب القرار في قضايا الحريات الطلابية.
ولا يزال حجم التدخلات الأمنية كبيراً في انتخابات مجالس الطلبة، وذلك على الرغم من قرار رئاسة الوزراء بإغلاق كافة مكاتب الأجهزة الأمنية في الجامعات، حيث تم الالتفاف على هذا القرار من خلال تعيين موظفي هذه المكاتب بوظائف إدارية وحرس جامعي، واستمرار الاستدعاءات الأمنية للمرشحين لانتخابات مجلس الطلبة، حيث
يتم استخدام أسلوب التهديد والوعيد لهم؛ وذلك للخروج بتركيبة مجلس طلبة تنسجم والرؤية الحكومية.
- استمرار رقابة إدارات الجامعات على الطلبة من خلال زيادة انتشار كاميرات المراقبة أفقياً على مستوى عدد الجامعات، وعمودياً على مستوى عدد الكاميرات في الجامعة الواحدة، كما رصدت الحملة قيام بعض إدارات الجامعات بمراقبة الحسابات الشخصية على شبكات التواصل الاجتماعي للطلبة الناشطين والقوى الطلابية الفاعلة.
توصيات لحل المشكلة
في سياق مناقشتهم لظاهرة «العنف الجامعي »، أوصى الخبراء السياسيون والمجتمعيون بعدد من الإجراءات للحد من
هذه الظاهرة، و «المجتمع » تجملها بما يلي:
- يجب أن تحوي كافة التشريعات المتعلقة بالطلبة تمييزاً واضحاً بين «العنف الجامعي » والعمل الطلابي، كما يجب ألا يقوم المشرّع باستغلال ظاهرة «العنف الجامعي » لتغليظ العقوبات على الحركات والحريات الطلابية.
- إعادة النظر بأنظمة التأديب المعمول بها في الجامعات الأردنية من على أرضية إعطاء مساحة حقيقية لحرية العمل الطلابي، وإلغاء كافة أشكال العزلة التي تحاول هذه الأنظمة فرضها على الجامعات.
- تشكيل اتحاد عام لطلبة الأردن له استقلاليته التامة، ويضم كافة طلبة الجامعات وكليات المجتمع.
- إلغاء نظام الصوت الواحد في انتخابات مجالس الطلبة، لما له من أثر في تجسيد العشائرية والإقليمية، وزيادة حدة العنف في الجامعات، إضافة إلى أن نظام الصوت الواحد يخرج بمجلس طلبة لا يعكس توجهات الطلبة.
- العمل على تطبيق نظام التمثيل النسبي في انتخابات مجالس الطلبة.
- السماح للعمل الحزبي في الجامعات، لما للأحزاب من دور في الارتقاء بالوعي الطلابي، وبالتالي الحد من ظاهرة العنف، إضافة لدور الأحزاب في الحد من الانتماءات تحت الوطنية.
- وقف كافة التدخلت الأمنية في الانتخابات مجالس الطلبة.
- العمل على إلغاء جهاز الأمن الجامعي والاكتفاء بحرس جامعي للمحافظة على الأمن والممتلكات.
- تطوير مادة دراسية إجبارية تركز على تحديث الشخصية والانتماء الوطني، والثقافة المدنية.
- وضع برنامج إدماجي توجيهي، فتقوم الجامعة من خلال هذا البرنامج في بداية كل عام جامعي باستقبال الطلبة الجدد وتنظيم لقاءات جماعية، وجولات ومحاضرات توضيحية لهم.
- إعادة النظر في سياسة قبول الطلبة والتحاقهم في التخصصات التي يرغبون فيها.
- تنفيذ برامج تثقيفية للإداريين تهدف إلى تجذير مفاهيم المساواة والعدالة والقضاء على شيوع الواسطة وقيم المحسوبية.
- تفعيل قرارات الجامعة وعدم التهاون في تطبيقها بحق المخالفين.