; الملف الأسود للاستخبارات الغربية | مجلة المجتمع

العنوان الملف الأسود للاستخبارات الغربية

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988

مشاهدات 81

نشر في العدد 867

نشر في الصفحة 6

الثلاثاء 24-مايو-1988

حذار من الاستعانة بالاستخبارات الخارجية لكشف مخابئ الإرهاب ومصادره!

الأحداث الأمنية الداخلية التي تمر بها الكثير من البلاد العربية والإسلامية، ومنها الكويت كأحد موجات العنف التي تصطنعها أجهزة المخابرات المختلفة من أمريكية إلى روسية إلى موساد بتنظيماتها المحلية وأبناء كل وطن تعمل فيه هذه الأجهزة، قد يدفع بعض الأجهزة الأمنية العربية إلى أمر أخطر من الأحداث الأمنية التي تقع على أرضها، ألا وهو طلب العون من جهات أمنية خارجية لاكتشاف وقمع مصادر العنف في تلك البلاد، ولوقف أعمال ربما كان المسؤول عنها أساسًا هي تلك الجهة الخارجية.

فقد سبق لوكالة الاستخبارات الأمريكية أن زودت بعض حكومات أمريكا اللاتينية بخبراء من الوكالة لمعرفة بعض التنظيمات الشيوعية الإرهابية والتي كانت تعمل بتمويل وتوجيه من فرع آخر من الوكالة الأمريكية وبتنسيق كامل في عملية مخطط لها سلفًا لاختراق الأجهزة الأمنية في تلك الدولة وامتصاص أسرارها الداخلية عن طريق أجهزتها ومؤسساتها المحلية، ثم التحكم بسياساتها الخارجية فيما بعد.. وكل ذلك عن طريق المعونة الأمريكية الأمنية.

وقد سبق للموساد الإسرائيلي أن لعب نفس اللعبة القذرة مع الحكومة السريلانكية، والتي وجدت عنده آذانًا صاغية بسبب الاضطرابات والقلاقل التي يقوم بها ثوار التاميل «النمور» في هذا البلد، فانتهى أمر الحكومة السريلانكية بطلب المعونة الإسرائيلية لأعمال عنف خططت لها وكالة الاستخبارات الأمريكية بتعاون كامل من ملف المعلومات في جهاز الاستخبارات البريطاني.. الهدف هو إشغال الهند بما يجري على حدودها وتعطيل نمائها الاقتصادي وتكوين بؤرة صراع واختراق.. السبب هو الخوف من أن تصبح بلد التوابل قوة كبرى مثل الصين.

 

وفي الغالب، فإن التعاون الأمني بين أمريكا أو بريطانيا أو فرنسا أو إسرائيل مع الدول الأخرى ذات الأحداث الأمنية، يرافقه في الغالب تعاون اقتصادي قوي وتبادل تجاري واسع ونشط، مما يساعد على تأسيس مراكز دائمة للدولة المعنية تبقى حتى بعد انتهاء العون الأمني، وتؤثر بشكل قوي مستغلة الضغط الاقتصادي إلى جانب الأمني لتشكيل السياسة الخارجية لهذا البلد، والتي تصبح هشة وقابلة للتشكيل الطيع بسهولة بعد الاختراق الأمني والاقتصادي.

ويبدو أن هذه اللعبة صارت هي المفضلة لدى الجهات الأمنية الغربية لتحقيق ما تعجز عن تحقيقه في الظروف العادية في أي بلد من البلدان الصغيرة من دول العالم الثالث.. فهي سهلة التطبيق وإنشاء التنظيمات المختلفة مسألة هيّنة في البلدان المتخلفة فكريًّا واقتصاديًّا، وخاصة بين الشباب الذي يبحث عن التغيير وكل جديد ومثير متى ما وجد التمويل والدافع العقائدي المناسب.. ثم يكون اللعب بالنار عندما تدرب الأجهزة الغربية مجموعات من هؤلاء الشباب على أعمال النسف والتدمير والاغتيال وتخطط لبعض العمليات المقصودة، ثم تحدث القلاقل، ثم تمد الدولة الغربية يد المعونة الأمنية، ثم تتم السيطرة وإحكام القبضة.

واكتشاف مثل هذه اللعبة بسهولة أمر صعب؛ إذ إن الأجهزة الأمنية في الدول الصغيرة تهتم بالكشف عن مخابئ ومصادر السلاح، بينما يعتبر الكشف عن مصادر التمويل وتتبعها بدقة متناهية إلى درجة التفصيل الممل أمرًا على درجة مماثلة في الأهمية؛ لأن تتبع مصادر تمويل هذه المنظمات ولو احتاج الأمر إلى متابعتها في دول أخرى متهمة «وقد تكون مجاورة» هي التي ستكشف ما إذا كانت هذه التنظيمات قد قامت بعون من أجهزة الاستخبارات الأخرى أم لا.. إذ إن محطة الاستخبارات الغربية المقيمة في بلد ما مجاور قد تقوم بتمويل عمليات إرهابية ذات طابع عسكري أو جملة من أعمال العنف المسلح للإيقاع بين بلدين وإشعال حرب إقليمية بينهما.

 

وفي كثير من الأحيان تكون العمليات التي تقوم بها أجهزة الاستخبارات معزولة عن الواجهة الرسمية لتلك الدولة كالسفارات والقنصليات، وربما كان هناك تنسيق عالٍ المستوى بين جهاز الاستخبارات والأجهزة الرسمية كما هو في حال وكالة الاستخبارات الأمريكية ووزارة الخارجية لديها.

والغرب الذي يقوم بمثل هذه التخطيطات الدنيئة والأعمال القذرة إنما يهدف من خلالها إلى تحطيم الاستقرار السياسي والاقتصادي لكثير من بلاد العالم الثالث لتعطيل نمائها وإضعاف قوتها وتحطيم إرادتها المستقلة وإبقائها خاضعة للقوى الغربية والابتزاز السياسي والاستغلال الاقتصادي الغربي، ورهينة للمعونة أيًّا كان شكلها ماديًّا أو معنويًّا.

ولا شك أن عالمنا الإسلامي وبخاصة المنطقة العربية له نصيب الأسد من المكر الغربي والشرقي على السواء لاحتوائها سياسيًّا واقتصاديًّا بعد تحطيم مقدراتها العقائدية والفكرية والمادية والبشرية، وتقسيمها من خلال افتعال الصراعات المحلية والإقليمية وتمويلها وإبقائها في حالة اشتعال دائم، مستغلة في ذلك الفروق الطبيعية والاختلافات الموجودة في البنية العقائدية أو الاجتماعية أو التقسيمية الاقتصادية وغيرها.

الهدف هو إبقاء عالمنا الإسلامي منقسمًا ومتخلفًا ومشغولًا بصراعاته المحلية والداخلية بعيدًا عن التفكير في الرقي والحضارة والتطلع إلى مستوى أعلى من القيادة العالمية والمساهمة الحضارية في صياغة مستقبل وتاريخ البشرية.. هذا الأمر الذي يحرص الغرب على استبقائه في يديه ولو أدى ذلك إلى دمار وخراب العالم، كما حدث من قبل في حربين مدمرتين أشعلتهما اليد الغربية النجسة خلال 50 عامًا من تاريخ الإنسانية وقدمت فيها ملايين الأرواح البشرية قربانًا للقوة وثمنًا للصراع على النفوذ.

﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ * فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ (إبراهيم:46- 47).

 

الرابط المختصر :