العنوان الحل السياسي بين تصلب الجزائر ومرونة المغرب
الكاتب مصطفى الخلفى
تاريخ النشر الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
مشاهدات 79
نشر في العدد 1416
نشر في الصفحة 35
الثلاثاء 05-سبتمبر-2000
بصدد تطورات مسلسل التسوية في الصحراء المغربية:
تشهد جنيف هذه الأيام انعقاد الجولة الثانية من المباحثات التقنية بين المغرب والبوليساريو؛ للتمهيد لجولة المفاوضات المباشرة، والهادفة للحسم في جدوى الاستمرار في خطة الاستفتاء.
ما احتمالات نجاح هذه المسار؟ وهل جد في مواقف الأطراف ما ينبئ بوجود إرهاصات إيجابية تخدم أجندة جيمس بيكر، المبعوث الشخصي لكوفي عنان، والمكلف بإدارة المباحثات الخاصة بسبل تجاوز المأزق الحالي لمسلسل التسوية الأممي بالصحراء المغربية؟.
ترسيم الموقف الأممي حول الحل السياسي: التطور المهم الذي شهدته القضية يخص التعاطي الأممي معها، ويتمثل في ترسيم الموقف من مسألة البحث عن حل سياسي للنزاع، ففي الأشهر السنة الماضية كانت الدعوة إلى حل بديل تطرح من طرف الأمين العام فقط، أما مجلس الأمن فقد كان يتجاهل إعطاء موقف صريح من الأمر، وهو ما تجلى بوضوح في اجتماع مجلس الأمن٣١/٥/ ٢٠٠٠م؛ حيث سعى كل من فرنسا والولايات المتحدة لاستصدار قرار من المجلس يساعد بيكر على فرض أطروحة الحل السياسي، إلا أن هذا التحرك لقي معارضة بعض الدول كهولندا والأرجنتين وماليزيا ومالي، والتي دعت إلى دراسة إمكان تطبيق الخطة الاستفتائية قبل العمل على دراسة حل بديل، وترسيم الموقف الأممي القاضي ببحث حل سياسي، تم التعارف على تسميته بالحل الثالث، وقد برز في قرار المجلس ۱۳۰۹ الصادر يوم ٢٥ يوليو المنصرم الذي يعدد ولاية بعثة المينورسو حتى ٣١ أكتوبر المقبل، ويدعو صراحة الأطراف إلى بلورة حل سياسي مقبول يؤدي لإنهاء النزاع بموازاة العمل على تجاوز الخلافات التي تعترض تطبيق مسلسل التسوية، وهو ما يجعل قضية الصحراء الغربية تخرج من شرنقة التأرجح بين خيار البقاء في إطار السيادة المغربية أو تكرار نموذج تيمور الشرقية، وبالتالي تعميق مسلسل التجزئة في المنطقة العربية.
إلا أن العقبة التي تقف في طريق البحث عن حل سياسي تتمثل في الرفض المعلن من لدن الأطراف المعنية بهذا الأمر، وهو ما يجعل المهمة الأولى لبيكر تتركز في دفع الأطراف للتفاوض حول الحل السياسي، وهي ليست بالمهمة اليسيرة خصوصًا في ظل افتقاد ضمانات واضحة تشجع الإقدام على هذا المسار، ورغم صعوبة مهمة بيكر فهناك احتمال متنامي لنجاحه، وما يساعد على ذلك هو خبرته الدبلوماسية التي صقلها في مسلسل التسوية بالشرق الأوسط عندما أدار عملية الإعداد لمؤتمر مدريد في أكتوبر ۱۹۹۱م من جهة أولى، والدعم الغربي القوي له من جهة ثانية، فضلا عن خبرته بالنزاع وتجربته في مفاوضات هيوستن من جهة ثالثة.
تصلب جزائري:
يمكن القول: إن جهود الجهات الداعية لحل سياسي تواجه تصلبًا جزائريًّا حادًّا تجاه هذا المشروع؛ حيث سبق أن عبر الرئيس الجزائري في زيارته لكل من فرنسا وتونس هذا الربيع، عن اعتباره القضية ذات علاقة بمبدأ تقرير المصير، مقارنًا إياها بقضية تيمور الشرقية، وبالتالي لا بديل عن خيار الاستفتاء، وهو تصلب انعكس على موقف البوليساريو سواء في المذكرة التي رفعتها إلى جيمس بيكر يوم٢٨/٦/ ٢٠٠٠م، وأعلنت فيها رفضها لأي حل آخر غير مخطط التسوية الحالي، أو في تعليقها على قرار مجلس الأمن ۱۳۰۹، أو في لقاء بعض مسؤولي الجبهة برونالد نيومان - نائب مساعد وزيرة الخارجية الأمريكية المكلف بشمال إفريقيا -، وهي مواقف تخالف ما تسرب من قيادة البوليساريو منذ نحو أربعة أشهر؛ حيث عبرت جهات عليا في البوليساريو عن إمكان التباحث بشأن حل آخر يؤدي إلى حل دائم وعادل، وذلك على هامش الحوار الذي أجرته أسبوعية لوجورنال المغربية مع زعيم جبهة البوليساريو، ونشر في منتصف أبريل المنصرم.
ليس في مقدرة البوليساريو الاستقلال عن الموقف الجزائري تجاه الموضوع، وذلك لاعتبارات عدة منها:
أولًا: الوضعية الذاتية المأزومة التي تعيشها والمتزامنة مع سحب عدد من الدول لاعترافها بالجمهورية الصحراوية بلغت « ۲۱ دولة».
ثانيًا: التصفية التي تمت داخل الجبهة للعناصر المناوئة للتبعية المطلقة للجزائر، وهي تصفية بلغت أوجها في المؤتمر الأخير للجبهة، ونجم عنها تصدع تنظيمي حاد تم تطويقه بصعوبة.
ثالثا: بسبب اعتبار البوليساريو أن النتائج المعلنة في تحديد الهوية في صالحها، وأي تنازل عنها هو بمثابة تضييع لفرصة تاريخية لا تتكرر. رابعا: هناك الحملة السياسية والإعلامية التي حركها عدد من الجهات داخل الجبهة وخارجها ضد الحل السياسي، واعتباره خيانة للقضية الوطنية.
ومع ذلك يبقى هناك احتمال وارد، وهو أن نراجع الجبهة موقفها من الحل السياسي، ويعود ذلك في تقديرنا لأمرين، فمن جهة هناك الضغط الدولي المتنامي لصالح الحل السياسي، ومن جهة ثانية هناك محدودية الخيارات البديلة أمام الجبهة، وخصوصًا احتمال العودة للعمل العسكري، الذي تفتقد الجبهة للبنيات التحتية له.
نتوقف عند العنصر الأول المتعلق بالوضعية الدولية باعتباره عنصرًا محددًا لمستقبل النزاع، ويقف حائلًا أمام أي اتجاه لتكرار نموذج تيمور الشرقية، وهذا النموذج هو ما كانت تعول الجبهة على تكراره، ذلك أن تيمور الشرقية تختلف كثيرًا عن قضية الصحراء المغربية؛ حيث إن الخصوصية الإثنية والمسيحية لتيمور الشرقية وفرت أرضية خصبة لتبلور ضغط غربي قوي لصالح الانفصال، ويعززها التمايز اللغوي عن بقية مناطق إندونيسيا، كما أن تزامن ذلك مع الوضعية المنهارة للنظام الإندونيسي ساعد على المضي قدمًا في مسلسل الانفصال، وهذه المعطيات غير متوافرة في الصحراء المغربية إلا في نقطة واحدة، وهي أن السياسة العامة للقوى الغربية تجاه المنطقة الإسلامية سياسية محكومة بهدف تعميق تجزئتها وتفتيتها، وهذا الهدف إذا كانت خسائره أكبر كان يؤدي إلى زعزعة الاستقرار في المناطق الإستراتيجية والحساسة لا يتم الانخراط فيه.
تكيف مغربي مع التطورات ومرونة لافتة:
السياسة المغربية تجاه هذه التطورات أبانت عن تكيف مرن يترك الباب مفتوحًا لكل الاحتمالات في خطاب الملك محمد السادس الذي ألقاه بمناسبة اعتلائه للعرش (٣٠/٧/٢٠٠م) استعرض الملك عناصر سياسته تجاه ملف الوحدة الترابية للبلاد، كما حدد مواقفه من التطورات الحالية، وهو ما نجمله في:
- التأكيد على اعتماد مقاربة جديدة للسلطة في منطقة الصحراء، وترتكز على مبدأ رفع مستوى إشراك السكان في التدبير الديمقراطي لشؤون التنمية، وفي هذا إشارة لإمكان منح المنطقة مستوى متقدما من التسيير الذاتي قد يصل إلى مستوى الحكم الذاتي.
- استعداد المغرب للتعاون مع الأمم المتحدة لاستكشاف السبل الكفيلة بإزالة العوائق التي تقف أمام تحديد الهيئة الناخبة وعودة اللاجئين.
- أن حصيلة المساعي الحميدة لتجاوز تعثر مسلسل التسوية تبقى مرتهنة بإجماع المغاربة، وأن أي قرار مصيري لن يتخذ إلا في إطار هذا الإجماع وضمن السيادة المغربية.
تساعد هذه العناصر الثلاثة على فهم السياسة المغربية طيلة الأشهر الست الماضية، أي منذ اتخاذ مجلس الأمن لقرار تعيين جيمس بيكر كمبعوث شخصي للأمين العام كوفي عنان، فقد اتجهت السياسة المغربية إلى تكثيف نشاطها الدبلوماسي للحيلولة دون تشكيل ضغط غربي يقضي بفرض النتائج الحالية العملية تحديد الهوية، وهو ما استطاع المغرب تحقيقه مستفيدًا من الدينامية التي خلقها اعتلاء الملك محمد السادس للعرش، وتبلور قناعة دولية بضرورة عدم إرباك العهد الجديد، ويمكن القول: إن زيارة الملك لكل من فرنسا والولايات المتحدة لعبتا دورًا مقدرًا في ذلك. من ناحية ثانية عمل المغرب على تطويق تحركات الطرف الآخر، وخلق مناخ دولي مساعد للمغرب، بحيث أدى إلى تراجع عدد من الدول عن اعترافها بالجمهورية الصحراوية كالهند والمكسيك والبراجواي والأوروجواي، كما بلور المغرب سياسة إفريقية جديدة نسبيًّا برزت في خطوة إلغاء ديون المغرب المسجلة على الدول الأفريقية الأكثر فقرًا، وذلك في القمة الإفريقية - الأوروبية التي انعقدت في بداية أبريل المنصرم بالقاهرة، وإلى جانب ذلك تعزيز علاقاته مع عدد من الدول كموريتانيا والسنغال.
على صعيد ثالث «فاجأ» الملك مختلف الأطراف بموقفه القاضي بإمكان التفاوض حول المشكلة، لكن بشرط تصديق الشعب المغربي على القرارات الصادرة عن هذا التفاوض.
رغم وجود هذه المرونة في الموقف المغربي فإن تصلب الطرف الآخر، وغياب رؤية واضحة للمشروع البديل عن الخطة الاستفتائية، جعل المغرب يبقى متشبثا في الظرف الراهن بهذه الخطة، والإصرار على ضرورة ضمان حق الصحراويين كافة في المشاركة في الاستفتاء.
خلاصة:
إن الأزمة عميقة في خطة الاستفتاء وإلى جانبها وجود إرادة فرنسية - أمريكية لصالح الحل الثالث لا تساعد على توقع نجاح بيكر في مهمته، وذلك بسبب التصلب الجزائري وتبعية موقف البوليساريو له ذلك على الرغم من المرونة التي أبان المغرب عنها، إلا أنه في الوقت نفسه هناك شبه اتفاق بين الجميع على عدم دفع المشكلة إلى حافة الانهيار، بل تركها معلقة بين الانفراج والانفجار.