العنوان من الحياة ... قصة للاعتبار
الكاتب أ. د. سمير يونس
تاريخ النشر السبت 16-يناير-2010
مشاهدات 52
نشر في العدد 1885
نشر في الصفحة 55
السبت 16-يناير-2010
في غابة غناء وفي وسط الورودِ والأشجار، كان هناك رجل يسير مستمتعًا بالنظر إلى صفاء السماء، والاستماع إلى تغريد العصافير، ويشم عبير الروائح والعطور الطبيعية.. وبينما هو كذلك إذا بأسد ضخم قوي يهاجمه، ويركض نحوه بسرعة خارقة جنونية !!
كان الأسد جائعًا، فأطلق الرجل ساقيه ركضًا في محاولة منه للنجاة من ذلك الأسد الشرس، وبينما هو يجري فرارًا من افتراس الأسد، إذا به يرى بئرًا، فقفز الرجل فيه، وأمسك بحبل البئر يتمرجح به حتى لا يموت غريقًا، وصار بين خطرين خطر الأسد، وخطر الغرق !!
كان زئير الأسد مرتفعًا، يخيف كل من يسمعه، ولكنه بعد حين هدأ وسكن فالتقط الرجل أنفاسه وإذا بثعبان ضخم يتحرك بالبئر حركة تزلزل كل من يشاهدها ويسمعها !!
وبينما كان الرجل يفكر في طريقة ينجو بها من خطري الأسد والثعبان إذا بفأرين أحدهما أسود، والثاني أبيض يتعلقان بحبل البئر ويتسلقانه، ثم بدأ الفأران في قرض الحبل، فأصيب الرجل بالهلع، وأخذ يهز الحبل بيديه بغية أن يترك الفأران الحبل فيزول الخطر، زاد الرجل من قوة هزه للحبل، وأصبح يتمرجح يمينا ويسارًا وهو متعلق بالحبل داخل البئر، فاصطدم كثيرًا بجدران البئر، وبينما هو كذلك إذ أحس بشيء رطب ولزج، فحاول أن يتذوقه بلسانه، فوجده عسلا، حيث توجد بعض خلايا النحل، فكرر الرجل أخذ العسل وتذوقه، فأنْسَتْه حلاوة العسل الموقف الذي هو فيه!!
استيقظ الرجل من نومه، فقد كان ذلك حلمًا ولم يكن واقعًا !!
ذهب الرجل إلى أحد العلماء المتخصصين في تأويل الأحلام والرؤى وقص عليه رؤياه، فأجابه العالم: أما الأسد الذي كان يركض وراءك فهو الموت الذي يطاردك، وأما البئر فهو قبرك والحبل الذي كنت تتعلق به هو عمرك، والفأر الأبيض هو النهار، والفأر الأسود هو الليل ينقصان من عمرك، وأما العسل فهو رمز للدنيا وحلاوتها التي أنسَتْك أن وراءك موتا وحسابًا !!
إن هذه القصة تفرض تساؤلات ينبغي أن تشغلنا دائمًا، وأن نديم التفكير فيها، كي نجيب عنها قبل أن يسألنا الله تعالى، وأهم هذه الأسئلة:
• كيف يكون عاقلا من باع الجنة بشهوة ساعة؟! وما أكثرهم !!
• كيف يهتك العبد الستر الذي بينه وبين ربه وهو يعلم أن الموت يطارده والحساب في انتظاره؟!
يقول ابن القيم - يرحمه الله « للعبد ستر بينه وبين الله، وستر بينه وبين الناس، فمن هتك الستر الذي بينه وبين الله هتك الله الستر الذي بينه وبين الناس».
• كيف يستمر العاصي في معصيته وهو يعلم أن الموت قريب وأن العذاب شدید؟!!
• لماذا لا يسلك العاصي طريق النجاة برغم أنه معلوم لديه، كما أنه يعرف آثار المعاصي؟
يقول ابن القيم - يرحمه الله معددًا آثار المعاصي: «إن من آثار المعاصي والغفلة عن ذكر الله قلة التوفيق، وفساد الرأي، وخفاء الحق، وفساد القلب، وخمول الذكر، وإضاعة الوقت، ونفرة الخلق والوحشة بين العبد وربه، ومنع إجابة الدعاء، وقسوة القلب، ومحق البركة في الرزق والعمر، وحرمان العلم، ولباس الذل، وإهانة العدو، وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء الذين يفسدون القلب ويضيعون الوقت، وطول الهم والغم، وضنك المعيشة، وكسف البال.. كل هذه تتولد من المعصية والغفلة عن ذكر الله تعالى، كما يتولد الزرع عن الماء والإحراق عن النار وأضداد هذه تتولد عن الطاعة.
جدير بنا أن نراجع أنفسنا وقد ظهرت فينا آثار المعاصي، وأكثرها إيلامًا إهانة الأعداء لنا ولباس الذل وضيق الصدر، والابتلاء بقرناء السوء، فإن لم يكونوا قرناء لنا فإننا نبتلى بهم في أولادنا وذوينا. أليس ما نراه يحدث لإخواننا في غزة يدفعنا إلى مراجعة أنفسنا لنصدها عن المعاصي والغفلة؟!
إن رسولنا الكريم ﷺ-وهو أفضل من عَبَد ربه عز وجل- لما أصابه البلاء في الطائف وتنكر له الخلق، وسخروا منه وأدموا قدميه الشريفتين وسال دمه الزكي العطر.. لما حدث له ذلك توجه إلى ربه، وكان من دعائه ومناجاته لربه: «إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي» !!
ألسنا أحوج من رسول الله صلى الله عليه وسلم -الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر- إلى أن نقلع عن المعاصي وأن نفيق من غفلتنا وأن نعود إلى خالقنا توابين أوابين؟!
ألسنا في حاجة إلى أن نراجع أنفسنا ونعيد حساباتنا ؛ لنعرف من العدو ومن الحبيب ؟!!