; قراءة إسلامية  للوضع الاقتصادي في الكويت | مجلة المجتمع

العنوان قراءة إسلامية  للوضع الاقتصادي في الكويت

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 10-يناير-1978

مشاهدات 77

نشر في العدد 381

نشر في الصفحة 14

الثلاثاء 10-يناير-1978


الجزء الأول

بالرغم من التزايد المستمر لما يسمى بالفوائض المتاحة للاستثمار، فما زال الاقتصاد الكويتي يعاني من ضيق القاعدة الإنتاجية وضآلة مساهمتها في تكوين الناتج القومي. فالقطاع الزراعي محدود نسبيًا، والقطاع الصناعي ما زال صغيرًا وتنحصر إمكانياته في بعض الصناعات البتروكيماوية وبعض صناعات مواد البناء والصناعات الصغيرة. كما أن قطاع الخدمات لم يصل بعد إلى المستوى المطلوب للمساهمة في عملية التنمية بشكل فعال. وعلى الرغم من النشاط الملحوظ في قطاع التجارة إلا أنها تتأثر من ناحية حجمها وتركيبها بمحدودية القطاع الإنتاجي وإمكانياته على التوسع في المستقبل ويعتمد الاقتصاد الكويتي اعتمادًا يكاد يكون كاملاً على الاستيراد في سد معظم احتياجاته، وتؤدي هذه الطبيعة المفتوحة المنكشفة إلى تعرضه الشديد والخطير لتقلبات الأسعار الخارجية وتأثره المباشر بكل ما تعنيه وتساعد هذه الطبيعة المفتوحة المنكشفة بالإضافة إلى هيكل السوق المحلية على تفاقم الأسعار مما يؤدي إلى تزايد تكاليف الإنتاج من ناحية وارتفاع تكاليف المعيشة من ناحية أخرى والمستفيد الوحيد من هذه الوضعية الاقتصادية هم طبقة التجار الكبار والوكلاء، ويمكن التعرف على صورة عامة للاقتصاد الكويتي خلال السنوات العشر الماضية من عرض لبعض البيانات الرقمية المتاحة عن النشاط الاقتصادي  فعلي أساس الأسعار الجارية بلغ المتوسط السنوي لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي حوالي ١٤% خلال الفترة 62/1963- 72/1973 إذ ارتفع من ٦٥٣ مليون دينار في العام الأول إلى ١٥٦٢ مليون دينار في العام الأخير. كما بلغ المتوسط السنوي لمعدل نمو الناتج القومي الصافي- الدخل القومي- حوالي- ١٥% خلال الفترة نفسها حيث ارتفع من ٤٤١ مليون دينار إلى ١١٠٦ على الترتيب. أما في عام73/ 74 فقد وصل الناتج المحلي الإجمالي إلى ۲۱۱۱ مليون دينار وفي عام 74/ 75 3230 مليون دينار، كما بلغ الناتج القومي الصافي ١٦٢٦ مليون دينار وفي عام 75/74 بلغ ٣٠٤٧ مليون دينار حيث شكلت نسبة الادخار القومي منه نحو ٥٣ بينما لم تتجاوز نسبة التكوين الرأسمالي الثابت الإجمالي ٩% كما يقدر متوسط دخل الفرد بحوالي ۱۸۰۰ وهو من أعلى متوسطات الدخول الفردية في العالم إلا أن هذا لا يعني على الإطلاق أن الفرد يحيا حياة توازي هذا المتوسط.

  • واضح أن مكونات الاقتصاد الكويتي مركزة في قطاعين: النفطي وغير النفطي. ودور القطاع النفطي حتى الآن ما هو إلا ليعطي مصادر مالية واستثمارية للقطاعات غير النفطية. وحتى يتحقق تطوير الاقتصاد الكويتي للملاءمة مع الظروف الاقتصادية المستقبلية الأشد حراجة، لا بد من تحرير أنفسنا من هذا النموذج التاريخي فيما يتعلق بالنفط كممول للاقتصاد، وذلك بدراسة تداخل كل قطاع من القطاعات الاقتصادية وضغوط كل على الآخر لإيجاد نوع من الأمثلية القطاعية، علمًا بأن النتيجة ستكون بأن أحد القطاعات سيضحي في سبيل نتيجة قطاع آخر وبالتالي تكون عملية برمجة قطاع النفط أصعب من برمجة القطاعات الأخرى، إذ أن هناك عوامل كثيرة تؤثر على برمجة قطاع النفط لم يتم التطرق إليها بعد، علمًا بأن النفط في الوقت الحاضر ينظر إليه كمصدر للعملات الصعبة وكمصدر لمواد أولية لصناعات محلية. هناك شبه قناعة تامة على تنمية الطاقات الإنتاجية في الاقتصاد الكويتي، لكن هل اتخذت أية قرارات وخطوات أساسية ورئيسية في هذا المجال؟ إن مفهوم إدخال النفط في دفع عجلة تنمية الاقتصاد القومي يجب أن يكون باستخدامه كمواد خام لدفع عجلة التصنيع وبالتالي تنشيط الطاقات الإنتاجية في الاقتصاد الكويتي.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا بإلحاح هو: كيف يمكن للطاقات الإنتاجية غير النفطية أن تكون مصادر دخول مهيمنة في الاقتصاد المحلي؟ وما هي الطريقة التي تؤمن تغيير الهيكل الاقتصادي في الكويت؟ وهل يستلزم التغيير بناء طاقات إنتاجية جديدة؟ وإلى أي مدى؟ كل هذا مشروط بتغيير النظرة إلى النفط باعتباره مصدر التمويل فقط بل كأساس للتنويع في الاقتصاد لا بد من التفكير من الآن وتحشيد الطاقات وتنفيذ فكرة تحويل الاقتصاد الكويتي تدريجيًا من اعتماده الكلي على قطاع النفط وإهماله القطاع الآخر، وذلك بتوسيع القطاع الآخر غير النفطي على حساب القطاع النفطي آخذين بعين الاعتبار دور القطاع النفطي في النقاط التالية:-

١- دور قطاع النفط كمصدر للعملة الصعبة في البلاد.

۲- دور قطاع النفط كمصدر تمويلي للمواد الخام اللازمة للتصنيع.
٣-  دور قطاع النفط كمصدر للطاقة.

٤- دور القطاع النفطي كمصدر ادخار في باطن الأرض يمكن استخراجه عند الحاجة وهذا هو من أهم الأدوار التي يلعبها القطاع النفطي في الاقتصاد الكويتي. ورغم كل هذه الأدوار الهامة التي يلعبها ومن الممكن أن يلعبها القطاع النفطي في الاقتصاد الكويتي، إلا أن الحل الأساسي والجذري لمشكلة الاقتصاد الكويتي والتي من الممكن أن يلعب القطاع النفطي دورًا بارزًا فيها هي العمل على إيجاد قاعدة إنتاجية توازي القاعدة الاستهلاكية الحالية وذلك عن طريق التصنيع وتنويع مصادر الدخل لكن يبدو أن هذا الحل تحوم حوله عدة تحفظات سياسية الأمر الذي يجعل الاقتصاد الكويتي مطبقة لطبقة التجار والوكلاء والسماسرة. وأزمة الاقتصاد الكويتي الموجودة والمتوافرة جراثيمها حاليًا ستبرز بشكل خانق في المستقبل المنظور، وليس من مخرج من هذا المأزق سوى الحل المطروح. إيجاد القاعدة الإنتاجية. ومن المطالب الأساسية اللازم توافرها قبل قيام القاعدة الإنتاجية هما: قاعدة سكانية ويد عاملة. ولقد حققت الكويت تقدمًا ملحوظًا خلال ربع القرن الماضي بالنسبة لإيجاد قاعدة سكانية ذات حجم يتناسب ومتطلبات الفعاليات الإنتاجية، وتتميز بنمط استهلاكي حديث وبالتالي يتمشى مع أساليب الإنتاج المتطورة ويعتبر المعدل المرتفع للاستيراد النسبي للفرد في الكويت دلالة مادية لتوسع الأسواق المحلية وارتفاع طاقة التصريف التي أصبحت في كثير من المجالات تبرر إيجاد صناعات وطاقات إنتاجية محلية ذات جدوى اقتصادية مقبولة. أما المطلب الآخر اللازم توافره قبل قيام القاعدة الإنتاجية بالنسبة للكويت هو اليد العاملة، وهذا أيضا ما حققه قيام القاعدة السكانية التي تعتبر ينبوع القوة العاملة بشكل عام والذي أخذ يثبت وجوده بظواهر التضخم الوظيفي والضغط المستمر على فرص العمل التقليدية.

  • لقد نجم عن هذا الوضع الاقتصادي غير السليم والذي يستفيد منه التجار والوكلاء والسماسرة المحليين والذي يتميز بضيق القاعدة الإنتاجية ونقص الموارد الطبيعية وندرة فرص الاستثمار المجدي وضوح ظاهرتين هامتين هما:

١- ارتفاع الميل الحدي للاستيراد.

۲- الميل إلى توظيف المدخرات في الخارج.

ومن الملاحظ أنه نتج عن هاتين الظاهرتين تسرب جزء كبير من عناصر الدخل إلى خارج الجهاز الاقتصادي المحلي. وقد ترتب على ذلك الحد من قيمة مضاعف الدخل القومي بالنسبة لعنصر الدخل الخارجي وإضعاف درجة استغلال الاقتصاد الكويتي لإمكانيات النمو التي يمكن أن يولدها القطاع النفطي. ويعتبر انخفاض المضاعف الحدي إلى مستوى يقل عن المضاعف الوسطى بين المتغيرين الآنفي الذكر من العوامل الهامة التي يمكن أن تقلل من تأثير الدخل الخارجي على الدخل القومي في الأعوام المقبلة. ويصعب تجنب مثل هذه النتيجة ما لم يعمد إلى تطوير هيكل الاقتصاد الكويتي وتغيير بعض خصائصه السلوكية وإذا افترض بقاء الخصائص الهيكلية للاقتصاد الكويتي ثابتة فإن نمو الدخل القومي في تلك الحالة يتوقف على معدل زيادة الدخل الخارجي ويتألف هذا الدخل من العناصر التالية: إجمالي دخل النفط، قيمة الصادرات غير النفطية، والفوائد والأرباح التي يجنيها كل من الحكومة والبنوك التجارية والأفراد القليلين من استثماراتهم في الخارج. وبالرغم من أن دخل النفط يشكل نسبة كبيرة من قيمة الدخل الخارجي إلا أنه يمكن تصور وضع تختلف فيه الأهمية بالنسبة للعناصر الثلاثة السابقة الذكر عما هي عليه الآن، بناء على ما تقدم تبين أن الاعتماد الكبير على الدخل الخارجي يشكل عقبة في تنمية اقتصاديات البلاد. لذلك ينبغي تخفيض درجة هذا الاعتماد ومن ثم إتاحة الفرصة لكي نحرك عجلة الحياة الاقتصادية القومية بحجم من ذلك الدخل أقل نسبيًا عما هو مطلوب في الوقت الراهن. ويلزم لتحقيق هذه الغاية رفع قيمة المضاعف الوسطى حتى يكون بالإمكان تصعيد أثر عنصر الدخل الخارجي على الاقتصاد الكويتي وتحسين استغلال إمكانيات النمو والتطور الكامنة في قطاع النفط. ويمكن زيادة المضاعف الوسطى عن مستواه الحالي عن طريق تنويع فروع الإنتاج واستغلال جزء متزايد من عائدات الدولة من النفط أو حتى من المتوفر من الاحتياجات الحالية في توسيع القاعدة الإنتاجية. وعلى الرغم من أن التنويع مطلب يستوجب قبل المضي في تطبيقه إجراء دراسة وافية وبذل جهود كبيرة فقد يكون ذلك التنويع أجدى من مجرد السعي إلى تنمية الاحتياطيات المالية وجعلها عمادًا للكيان الاقتصادي.

يمكن أن نخلص من ذلك إلى أن تنمية الاقتصاد الكويتي يجب أن لا تعتمد على زيادة الدخل الخارجي فحسب بل يجب أن يراعى فيها أيضًا الحاجة الماسة لزيادة مساهمة هذا الدخل في الناتج القومي وتصعيد أثره عن طريق تنويع مصادر الدخل الأخرى وتوسيع القاعدة الإنتاجية ومن ثم يكون من الأنسب النظر إلى كل من التنويع ودعم الاحتياطات المالية لا باعتبارهما أسلوبين بديلين لتحقيق التنمية الاقتصادية، بل أسلوبين يكمل الواحد فيها الآخر. وبالرغم من أن موارد الكويت الحالية تكفي للشروع ببرامج مكثفة، إلا أن مقتضيات المرحلة الإنمائية والتخطيط البعيد الأمد يتطلب الحد من الانجراف والتوسع في الخدمات العامة والإسكان لتركيز الطاقات والجهود على القاعدة الإنتاجية وللتمكن من حصر الميزات والمشجعات في كفتها. وأن كبح جماح أنماط الاستهلاك العام الحالية  وتوزيع الدخل بشكل خاص شرط أساسي تتطلبه المراحل القادمة للتنمية في الكويت.

الرابط المختصر :