; عبقرية خالد لعباس محمود العقاد .. الحلقة 9 | مجلة المجتمع

العنوان عبقرية خالد لعباس محمود العقاد .. الحلقة 9

الكاتب محمد عبد الفتاح

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مايو-1972

مشاهدات 122

نشر في العدد 100

نشر في الصفحة 30

الثلاثاء 16-مايو-1972

لقد كان لقاء العرب والروم في معركة فاصلة أمرًا له خطورته على الجانبين فقد كانت بالنسبة للعرب ضياعًا لجيشهم الأكبر إذا هزموا وقد تشجع هزيمتهم ثورة القبائل التي كانت منذ أيام مرتدة عن دينها.

وبالنسبة للروم هي معركة تقرر مصير الشام، بل وقد تنتهي بتقرير مصير دولة الروم الشرقية وستنزع من أيديهم الأراضي المقدسة ومصر وقد تكون سببًا لثورة المتربصين بالقيصر، بهذا حسب كل للمعركة حسابها واختار اليرموك للقاء وهي مكان واسع للدواب والخيول والمبارزة لا يمكن الهرب منه بالنسبة للروم ثم هي بالنسبة للعرب مكان يحصر الروم بين النهر والبحيرة وجيش المسلمين وتحفز كل من الفريقين وبدأ القسس في جيش الروم وحفاظ القرآن في جيش المسلمين يعدون الناس للبذل والجهاد، ظفر ابن الوليد بالقيادة في اليوم الأول وبذلك توحدت الجيوش فوضع عمرو بن العاص على الميمنة ويزيد بن أبي سفيان على الميسرة وجعل أبو عبيدة قائد القلب وقاد هو كتيبه الهجوم المباشر على العدو ولم ينس أثر التعبئة المعنوية، فأشار على الناس بقراءة القرآن وأمر القادة بالخطابة في الجند وفي يوم شديد الحر عاصف الريح ثائر الغبار التقى الجمعان وبدأت الجفلة الحيوانية المعهودة بهجوم عنيف من الروم إلا أن الإيمان نابت في كل مكان وزمان وضربت النساء وجوه الخيل الراجعة فحمي وطيس المعركة وتنادى المسلمون بالموت والمبايعة عليه بقيادة عكرمة ابن أبي جهل مجمع حوله أربعمائة فارس اندفعوا نحو صفوف العدو الذي تراجع أمامهم فهاجم خالد بشدة حتى زاد الرعب والفزع في صفوف الروم وسقطوا في منخفض وادي الرقاد فهم يحاولون الفرار وبلغ من شدة فزعهم أن من بقي حيًا منهم كان يجلس على الأرض في انتظار الموت أو الأسر وهكذا اضطر هرقل إلى توديع الشام بغير رجعة، خلا الميدان من موجبات الضربات الخالدية واستوجب الحال أسلوبًا جديدًا يعمل على تضميد الجراح فكان من الضروري أن يخلي خالد الشام لغيره ممن لهم القدرة على المفاوضة وسعة الصدر ومن هنا ظهر أبو عبيدة في الميدان ومن هنا أسرع الفاروق عمر إلى عزل خالد وجاء أمر العزل في وقت المعركة ولا غرابة في ذلك، فللفاروق رأي في أبي عبيده حيث كان لا يعدل به أحدًا من الصحابة الأولين فهو الذي وصفه رسول الله بأمين الأمة وعلى الرغم من عزل خالد إلا أنه أكمل دوره في الميدان الذي برزت فيه نماذج أخرى من الرجال أثبتت أن الإسلام ليس بمستغن عن تلك الأيدي الكثيرة بيد واحدة ثم جاءت مرحلة عزل فيها القائد العبقري من الجيش وأمر بتسريحه وإيقافه للحساب والمساءلة وحقًا سمته ما يملك وهو ما أمر به عمر، ويدعو العقاد إلى عدم الخلط والوهم في تعليل ذلك وتقدير كل من الخليفة والقائد فهما من عظماء الرجال.

ثم إن عزل خالد لم يكن لضغينة في نفس عمر أو للمنافسة فلو أحس عمر في نفسه شعورًا كهذا حاسبها حسابًا عسيرًا كما هو معروف عنه لكنه هو صاحب المبدأ المشهور «من أين لك هذا» وقد اعتاد محاسبة ولاته خاصة فيما يتصل بالمال.

 ونحن نرجح عدم التقاء المزاجين فعمر يميل إلى الأناة والتروي قبل القتل والقتال ومن هنا أنكر صنيع خالد مع مالك بن نويرة وخوف اصطدام الطبيعتين عند بقاء خالد أمر محتمل هذا بالإضافة إلى خوف عمر من افتتان الناس بخالد لما له من شهرة وقوة قبلية وأصهار من قبائل أخرى وكان ابن الخطاب يحسب حساب الحكم والسياسة بعد موته لأنه كان يحول دون الفتنة فلا خطر في عزل خالد بينما الخطر في افتتان الناس به، ثم إن في عزله إتاحة للفرص لغيره من الكفايات الأخرى حتى يخرج إلى الميدان، على أن قصة العزل تضيف إلى القائد الملهم قمة أخرى من قمم البطولة متمثلة في الصبر والطاعة، وفي مجال العبقرية الحربية يقول العقاد تكسب المعارك لأسباب مختلفة قد تكون هي نفسها أسبابًا للهزيمة والأمر بعد ذلك رهن عبقرية القائد وابن الوليد لم تعوزه صفة من صفات القائد المفطور على النضال من يقظة وشجاعة ونشاط وجلد وحضور بديهة وقوة تأثير يضع الخطة في موضعها يحارب بالصفوف وبالكراديس وبالكمين ويستخدم التورية والمباغتة يدرك أهمية تمزيق الجيوش، يستطلع أخبار العدو ولا يمكنه من أخباره لا يغفل القوة الأدبية ويعتمد على قوة الإيمان ويحسب حساب المنافسة الكريمة في صدور جنده يعتمد على أن يصيب القائد في الجولة الأولى فيتبدد جيشه يعمد إلى التعبئة العامة في كل الحالات، ثم سرعة الحركة والمفاجأة والإخلال بتوازن العدو.

فهو يعتبر نمطًا جديدًا بين قواد التاريخ يمزج بين الفن بالبديهة والبداوة بالحضارة والرأي بالفطنة وبمقارنته مع أكبر قواد عصره ترجح كفته فهو في مكان الطليعة بين أكبر القواد الذين اشتهروا بالفن والعبقرية أمثال الإسكندر وبلزاريوس، ولم تفته رحمه الله حتى التعويذة المشهورة بين رجال الحروب ممثلة في قلنسوته التي فقدها يوم اليرموك فقد كان يتبرك بها، ولقد أثر عنه قوله في أخريات أيامه.

«مَا مِنْ لَيْلَةٍ يُهْدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَوْ أُبَشَّرُ فِيهَا بِغُلَامٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ كَثِيرَةِ الْجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ أُصَبِّحُ فِيهَا الْعَدُوَّ» كانت فيه -رضي الله عنه- حدة يملكها أو تملكه آونة بعد آونة، كما كان حبه للمرأة موضع ملاحظة ومؤاخذة حتى أنه سمي سنة الدعة بين حرب الفرس والروم «سنة النساء».

لم يكن ولعه بالحرب ولع ضغينة أو بغضاء إنما كان ولع الجندي المقاتل حتى في معاملته العامة لم يحو صدره شيئًا من هذا أما قوله عن عمر «الأعيسر بن أم شملة» فهو قول أقرب إلى التحبب منه إلى الكراهية.

وعرف عنه الرحمة في موضعها فلم يكن مطبوعًا على الدسيسة والشر، ثم هو فصيح خطيبًا كان أو كاتبًا، وهناك تشابه بينه وبين عمر في ناحية الفكاهة وهي صبغة أخرى من صفات الشخصية الفذة.

وأخيرًا وبعد طول نضال ألقى البطل العظيم عصا الترحال في مدينة حمص بعد رحلة جمعت كل مثير وعجيب وسطرت في صفحات التاريخ قصة عبقري جمع أطراف المجد، وتصنع منه الأقدار آية في موته بعد أن صنعت فيه أسطورة حرب في حياته، ويهبط الموت على فلذات كبده فيلتهمهم فلم يهتز قلبه لواحد منهم وهو الذي كان يقيم في صدره مزحًا لمولد صبي، وينهي الموت صلة ابن الوليد بالحياة باقتفائه أثر أبنائه جميعًا في عام الطاعون وقطع حبال ذكره فيها وحان توديع الحياة وقد أعد الموت للقائد البطل مقعدًا وهيأ للأسطورة الرائعة منزل مقام وماذا عن ثروة البطل الراحل الكريم؟ فرس وغلام وسلاح وقفه للجهاد في سبيل الله ويعبر الفاروق عن دهشة الناس قائلًا «رحم الله أبا سليمان كان على غير ما ظنناه به» وتهتز مشاعر الفاروق ويملك الحزن عليه نفسه، بل ويبالغ في حزنه فيعزي أم خالد بتسويد يديها ويدع بنات عمه يبكينه ويقول «على مثل خالد تبكي البواكي» ويفصح عن أحقيته للخلافة وتقليده إياها لو بقي حيًا.

هكذا كان رحمة الله أمر فأطاع وامتحن فصبر وابتلي فلم يسخط فانتزع من الفاروق أحقيته بالخلافة يرشح لها خالصة من الزحام لأنه قادر على انتزاع النصر قائدًا أو في يده سيف أو حاكمًا وفي يده مصحف.

وسجى القائد جسدًا ليس فيه مصح من كثرة الجراح وروحا طالما حملها صاحبها على كفه ليقدمها إلى الموت في ساحات القتال ومواطن الاستشهاد، ويأبى الموت إلا أن يودع خالد الدنيا على غير ما يجب، وأعجب من هذا أن يدركه أجله في سن لا تنتهي عندها الحياة عادة بغير مرض شديد.

خمس وخمسون سنة قضاها قبل أن يحين أجله المقدور مصاحبًا للموت وعندما شاءت إرادة الله أن ترجع النفس المطمئنة إلى ربها راضية مرضية هيأ لوقوع القضاء أسبابًا تألفت من حزنه على أبنائه وفتور جسمه من الراحة واضطراب أعصابه الموروث مع ما قد يكون من مرض مفاجئ عرض له في أطوار حياته لم تشأ إرادة الله أن يميته في حينه.

وتسكن النفس التي جابت أوعر الدروب، والتي أتت من الأعمال التي تركت الناس مزقًا، النفس أرهبت الأعداء قبل أن تطلع لهم.

على أن أعماله جميعًا -رضي الله عنه لم تكن تصدر من وعاء واحد، بل هي ثمرة امتصت غذاؤها من أعماق بعيدة إلى جانب الرشف من حياة قريبة سهلة ميسرة، ولا أدري لم صب عليه اللوم في مواطن نرى اللوم فيها إنقاصًا لحق الدعوة ولنترك هذا المجال أرحب في الحلقة القادمة على أننا لسنا في موقف المدافع، فخالد رضي الله عنه وأرضاه صاحب الوسام الأكبر الذي علقه على صدره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقوله «إنه سيف من سيوف الله» وعنده يبطل اللوم والاتهام.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 15

114

الثلاثاء 23-يونيو-1970

أمَّة الأمْس وأمَّة اليَوم

نشر في العدد 44

113

الثلاثاء 19-يناير-1971

إستراتيجية إسلامية