; الحق المتعدد وفصائل الحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان الحق المتعدد وفصائل الحركة الإسلامية

الكاتب د. صلاح عبدالفتاح الخالدى

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يناير-1988

مشاهدات 80

نشر في العدد 852

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 19-يناير-1988

 

المسألة من وجهها الأصولي:

هناك مسألة أصولية معروفة عند العلماء، وهي: "هل الحق واحد أو متعدد؟" وقد بحثها العلماء سابقًا، بمناسبة حديثهم عن الاجتهاد واختلاف المجتهدين، فعندما يختلف المجتهدون في المسألة الواحدة، ويكون لهم فيها عدة أقوال اجتهادية، أي هذه الأقوال هو الحق؟ وأي المجتهدين على الصواب؟ للعلماء في هذه المسألة أقوال ثلاثة:

القول الأول: إن الحق متعدد باعتبار حقيقته، ومتعدد باعتبار وجوده العملي ومظهره الخارجي، فكل منهم على الحق رغم ما في أقوالهم من تناقض، وهذا القول مردود؛ لأنه يتنافى مع روح الشريعة ومقاصدها، فكيف نجمع بين قولين متناقضين ونصوّبهما، مع أن كون النقيضين لا يجتمعان بدهية عند العقلاء؟

القول الثاني: إن الحق واحد في حقيقته، واحد في مظهره الخارجي ووجوده الواقعي، فالمجتهدون ليسوا جميعًا على الحق، بل واحد منهم على الحق، وما عداه على الباطل والخطأ والضلال: "فماذا بعد الحق إلا الضلال؟" وهذا القول فيه غلو وتطرف، ويتنافى مع روح الشريعة التي أجازت اجتهاد المجتهد المخطئ، ومنحته عليه أجرًا واحدًا.

القول الثالث المختار: إن الحق واحد في حقيقته وطبيعته؛ لأن تعدده بهذا الاعتبار يتنافى مع روح الشريعة، ولكن هذه الحقيقة للحق اختص الله بها، فليس في مقدور أحد من المجتهدين الإحاطة بها أو معرفتها، ولكن بإمكانه أن يوافقها بنتيجة اجتهاده. وكما منع أصحاب هذا القول تعدد الحق باعتبار حقيقته، فقد أجازوا تعدده - بل اعتبروه ضرورة بشرية - باعتبار آخر؛ إذ نظروا إليه من زاوية جديدة، وهي مظهره الخارجي، ووجوده العملي المتمثل في أقوال المجتهدين، فكل مجتهد - وصل رتبة الاجتهاد واتصف بصفات المجتهد، وسلك طريق الشرعية - على حق في رأيه الذي خرج به، ونتيجته التي انتهى إليها، وإن كان هذا يناقض رأي مجتهد آخر على حق في اجتهاده أيضًا، بل لقد ارتقى أصحاب هذا القول إلى قمة جديدة، إذ لم يجيزوا لهذا المجتهد مخالفة ما قاده إليه اجتهاده - لأنه على الحق - إلا بعد معاناة اجتهادية جديدة، يخرج منها بنتيجة اجتهادية جديدة ملزمة.

وعلّلوا لرأيهم هذا: بأنه يستحيل أن يكون كل مجتهد على الحق باعتبار حقيقته، بمعنى أن يكون اجتهاد كل منهم - المتناقض مع اجتهاد الآخرين - موافقًا للحق كما هو في علم الله؛ لأن الله لم يكلفنا أن يوافق اجتهادنا ما في علمه - جل وعلا - وإلا لكان هذا تكليفًا بالمحال، وإنما كلفنا أن نبحث، ونتحرى الحق في المسألة، بعد أن نتصف بصفات المجتهد، ونسلك الطريق الشرعي للبحث والاجتهاد. وعندما يكون في المسألة الواحدة عدة أقوال اجتهادية، نجزم بأن واحدًا منها على الحق بمعنى أنه يوافق الحق كما هو في علم الله، ولكننا لا نستطيع تعيين هذا القول؛ لأننا لم نطلع على علم الله المغيب عنا، فنفوّض هذا التعيين إلى الله سبحانه وتعالى، كذلك نجزم بأن كلًا منها على الحق أيضًا، الذي أجزنا تعدده في وجوده الخارجي ومظهره العملي.


المسألة في وجهها الحركي:

أعتقد أن عرض المسألة من وجهها الأصولي - بإيجاز - كان ضرورة للحديث عنها من وجهها الحركي، حتى يتصورها أفراد الحركة بكافة أبعادها واعتباراتها. رجّحنا هناك أن الحق واحد باعتبار حقيقته كما هو في علم الله، متعدد باعتبار وجوده الخارجي كما هو في اجتهاد المجتهدين، والموافق منهم للحق باعتبار حقيقته واحد لا بعينه، مع أنهم كلهم على الحق باعتبار وجوده الخارجي. والآن نعرض هذه المسألة من زاوية عملية، ونعالجها معالجة حركية. في ساحة العمل الإسلامي - الجاد - المعاصر نجد جماعات إسلامية عاملة، وفصائل للحركة الإسلامية مختلفة، ونرى بين هذه الجماعات والفصائل تباينًا في الخطط والوسائل، واختلافًا في الأهداف والغايات، وتنوعًا في الطرق والمناهج. وكل من هذه الجماعات يدعي أنه على الحق لا يحيد عنه قيد شعرة، فأي منها على الحق؟ وكيف ينظر بعضها إلى بعض؟ ليست كلها على الحق باعتبار حقيقته كما هو في علم الله، لأننا بينا - سابقًا - أن هذا الرأي مردود، كما أنها ليست واحدة منها على الحق - باعتبار حقيقته واعتبار مظهره العملي أيضًا - وما عداها على الباطل والضلال وإن زعم هذا بعض الأتباع المتعصبين لهذه الجماعات. يبقى أن نقول: إنها كلها على الحق، باعتبار مظهره العملي ووجوده الخارجي، بشرط أن يكون كل منها جماعة إسلامية أصيلة، إسلامية التصور والطريق، إسلامية التصرف والأهداف، ويجب أن تكون هذه القضية واضحة في تصور أتباعها وضوحًا يصل درجة القناعة الفطرية؛ إذ لو كان عنده أدنى شك في أن جماعته ليست على الحق، أو أنها لا يمكن أن تصل إلى الغاية المرجوة، فما معنى أن يبقى مع هذه الجماعة؟

لكن أي هذه الجماعات توافق الحق الواحد، كما هو في علم الله سبحانه وتعالى؟ أو أي منها تمثل الحق الواحد في حقيقته؟ للإجابة على هذا السؤال نقول: إننا في حياتنا الدنيا غير مطالبين بهذا التحديد؛ لأننا لا نملك الوسائل لذلك، ولأن الله لم يكلفنا بالوصول إلى هذه النتيجة، فقط يجب علينا أن نعتقد أن واحدة منها - لا بعينها - على الحق باعتبار حقيقته في علم الله.

وفي هذا إنصاف لها جميعها؛ إذ يبقى المجال أمامها مفتوحًا لأن تصيب الحق وتمثله، وأن أي محاولة من أي عضو من أعضاء أي جماعة إسلامية لتحديد أن جماعته على الحق - بذلك الاعتبار - أو تمثله على ذلك الأساس إنما هي محاولة تقوم على الغلو والتطرف، ولا تقف على أسس علمية موضوعية.

طالما أن كل جماعة إسلامية أصيلة على الحق - المتعددة باعتباره الخارجي - وطالما أن كل جماعة إسلامية أصيلة قد تصيب الحق الواحد باعتبار حقيقته كما هي في علم الله، فما هي العلاقة التي يجب أن تربط أفراد هذه الجماعات؟ وما هي الصلة التي يجب أن تجمع هذه الفصائل؟ وما هي النظرة التي يجب أن ينظر بها أفرادها - على اختلافهم - بعضهم إلى بعض؟

إن الأساس في هذا كله يجب أن يكون الإسلام وإخوة الإسلام وآصرة العقيدة، ووشيجة الإيمان ومصلحة الدعوة والحركة، يجب أن يرفع الجميع شعارات إسلامية تنظيمية مثل: "نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه"، ومثل: "خلافنا لا يفسد في الود قضية"، ومثل: "قد أخالفك في الرأي، ولكنني مستعد للموت من أجل أن تقول رأيك بحرية". فهم جماعات جمع بينها العمل للإسلام - على اختلاف طرقه - وهم فصائل جمع بينهم الحركة بالإسلام - على اختلاف مناهجها - وهم دعاة جمع بينهم وحدة المعركة مع الجاهلية الطاغية - على اختلاف شاراتها وألوانها - وهم رجال جمع بينهم وحدة الأعداء - على اختلاف فئاتهم - وأخيرًا هم مؤمنون جمع بينهم وحدة الهدف - على اختلاف الطرق إليه - ووحدة الجنة في الآخرة - على اختلاف درجاتها ومنازلها -.

يجب أن يعتقد الجميع أن كل أخ من إخوانهم في الفصائل الأخرى ظهير لهم ومدد لهم وتكثير لسوادهم، وعامل في زيادة الأنس في سلوكهم الطريق إلى الله، ثم هم في الآخرة - بفضل الله ورحمته - إخوان لهم يجلسون وإياهم على سرر متقابلين.

يجب أن يعتقد الجميع أن إخوانهم في الفصائل الأخرى يقومون بواجبهم - الذي ألهمهم الله أن يعرفوه ويقوموا به - وأنهم يعملون لدينهم حسب اجتهادهم الحق، وأنهم يقفون على ثغرة من ثغور الإسلام - واسعة أو ضيقة - وأنهم يحسنون القيام بعملهم الذي خططوا له، وأن كلًا منهم ميسر لما خلقه الله له، مبدع في هذا المجال الذي يسلكه.

يجب أن تزول مظاهر العداوة والبغضاء بين أتباع هذه الجماعات وأفراد هذه الفصائل، ويحل محلها مظاهر التعاون وحسن الظن والثناء، يجب أن تزول علامات السخرية والاستهزاء أو التشكيك بالشبهات أو الانتقاص والتجريح، ويحل محلها الود والحب والثقة، وإن كان لا بد من النقد والتقويم، فليكن على أسس موضوعية إسلامية وبحدود تنظيمية محصورة، وبمقدار ما تدعو إليه ضرورة البناء والعمل والتنظيم.

يجب على كل عضو من أعضاء أي فصيل من فصائل الحركة الإسلامية، أن يعلم ويعتقد أن إخوانه في الفصائل الأخرى كنز ثمين مذخور لا يقوّم، وأن يكون عليهم - رغم اختلاف الطريق - حريصًا، وبهم ضنينًا، وألا يسلمهم إلى الأعداء، ولا يخذلهم في المواقف والمواقع التي يطلبونه فيها، ولا يوجه لهم طعناته من الخلف، من حيث لا يحتسبون، وأن يشعر بأن أدنى رجل منهم أثقل في ميزانه الإسلامي من جميع فصائل الجاهلية برجالها ومبادئها ومواقفها.

وإن كان هناك خلاف بينهم يبقى في حدوده الإسلامية لا يتعداها وضمن مساحته المحددة لا يتجاوزها.

هذه المسألة يجب أن تكون واضحة لدى جميع أفراد فصائل الحركة الإسلامية بكافة أبعادها وزواياها وقضاياها.

وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وعلى الله قصد السبيل، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.

 

الرابط المختصر :