; رُكَام السنين وأعباء العمل الإسلامي (1 من 2) | مجلة المجتمع

العنوان رُكَام السنين وأعباء العمل الإسلامي (1 من 2)

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

مشاهدات 54

نشر في العدد 1223

نشر في الصفحة 49

الثلاثاء 29-أكتوبر-1996

لا شك أن غياب النهج الإسلامي عن الحياة اليومية والاجتماعية والقانونية والسياسية في الأمة من زمن بعيد خلف زخمًا من التجاوزات والتصرفات غير المنضبطة إسلاميًّا ومنهجيًّا مع توجهات الأمة ورسالتها، ساعد على ذلك عوامل عدة، وفعل هذا جهات معينة، منها: انهزام المسلمين نفسيًّا وعسكريًّا، وتسلط الاستعمار الداخلي والخارجي على البلاد والعباد، هذا وغيره من أسباب كثيرة حولت المسلمين إلى أنقاض أمة وركام حضارة، وبقايا مجد، وورثتهم أخلاقًا ذميمة، وأفعالًا مشينة، وتصرفات سيئة، تبلغ حد الفضائح، وترقى إلى الكارثة، وقد حاول المصلحون وما زالوا يجاهدون هذا الركام، ويداوون هذه العلل جيلًا بعد جيل، وحقبة إثر حقبة رغم تلبد الأجواء، وحلوكة الليل، ووعورة الطريق.

 ولقد اطلعت على فترة من فترات ذلك الكفاح الإسلامي الناهض؛ لبعث هذا الموات وإيقاظ هذا الرقاد، وعايشت ما كتبه الأمير شكيب أرسلان عن أحوال المسلمين في تلك الفترة، فرأيت جذور ما نعانيه اليوم من إحباط وأصول ما يلاقيه العمل الإسلامي اليوم من عقبات، فقلت: سبحان الله، كم كانت العلة عميقة الغور، متجذرة الأعماق، وكم لاقى المكافحون من عنت، وذاقوا ما نشربه اليوم وقاسوا ما نقاسيه، يقول الأمير شكيب في وصف أحوال المسلمين: «لقد أصبح الفساد إلى حد أن أكبر أعداء المسلمين هم المسلمون، وأن المسلم إذا أراد أن يخدم ملته أو وطنه، قد يخشى أن يبوح بالسر من ذلك لأخيه؛ إذ يحتمل أن يذهب به إلى الأجانب المحتلين فيقدم لهم بحق أخيه الوشاية، التي يرجو بها بعض الزلفى، وقد يكون أمله بها فارغا»، ولله در الملك ابن سعود؛ حيث يقول: «ما أخشى على المسلمين إلا من المسلمين، أخشى من المسلمين كما أخشى من الأجانب».

 ويكمل الأستاذ رشيد رضا هذه الحكاية، فيقول: «كان في محفل حافل بحجاج الأقطار، وقد طالبه مصري أزهري بمحاربة الإنجليز والفرنسيين المعتدين على المسلمين ذاكرًا عداوتهم، فقال: الإنجليز والفرنسيون أعداؤنا، ولا يجمعنا بهم جنس ولا دين ولا لغة ولا مصلحة، ويريدون الاستيلاء على غيرهم، وقد يبررون هذا لأنفسهم، ولكن المصيبة التي لا عذر لأحد فيها أن المسلمين أصبحوا أعداء أنفسهم، وأنا والله لا أخاف الأجانب فقط، وإنما أخاف المسلمين، فلو حاربت الإنجليز لما حاربوني إلا بجيش من المسلمين»، ثم يعلق على هذا الأمير شكيب أرسلان قائلًا: «وهو كلام أصاب كبد الحقيقة، فإنه ما من فتح فتحه الأجانب من بلاد المسلمين إلا كان أغلبه على أيدي أناس مسلمين، منهم من تجسس للأجانب على قومه، ومنهم من بث لهم الدعاية بين قومه، ومنهم من سل السيف في وجه قومه، وأسأل في خدمتهم دم قومه!!، أو لمثل هؤلاء يعد الله العزة والتمكين في الأرض؟، وهم سعاة بين أيدي الأجانب على ملتهم ووطنهم وقومهم؟، كلما عاتبهم الإنسان على خيانة تعلل بعدم إمكان المقاومة، أو باتقاء ظلم الأجنبي، أو بارتكاب أخف الضررين، وجميع أعذارهم لا تتكئ على شيء من الحق، ولقد كانوا قادرين على أن يخدموا ملتهم بسيوفهم، فإن لم يستطيعوا فبأقلامهم، فإن لم يستطيعوا فبقلوبهم، فأبوا إلا أن يكونوا بطانة للأجانب على قومهم، وأبوا إلا أن يكونوا روادًا لهم على بلادهم، وأبوا إلا أن يكونوا مطايا للأجانب على أوطانهم، وتراهم مع هذا وافرين ناعمي البال متمتعين بالهناء وصفاء العيش، وهم يأكلون مما باعوا من تراث المسلمين وينامون مستريحين، مثل هؤلاء ليس لهم وجدان يعذبهم من الداخل، ولا نجد من المسلمين من يعذبهم من الخارج». 

أفلمثل هؤلاء يقول الله – تعالى -: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا ۚ يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ ﴾ (النور: ٥٥)

حاش لله – تعالى - أن يكون عنى هؤلاء المسلمين، الذين يخونون ملتهم، ويسعون بين يدي أعدائها، ويناصبون إخوانهم العداء ابتغاء مرضاة الأجانب، والحصول على دنيا زائلة، وحطام فان، كيف وقد قرن الإيمان بلازمة وهو عمل الصالحات؟، بئسما شروا به أنفسهم، وكذلك لا يعني الله بهؤلاء المسلمين الذين فضحوا قومهم وسعوا بين أيدي الأجانب في خراب أمتهم، وأوطؤوا مناكبهم لركوب الغريب الطامح، فإنهم اكتفوا من الإسلام بالركوع والسجود، والأوراد والأذكار، وإطالة المسابح، وظنوا أن هذا هو الإسلام، ولو كان هذا كافيًا في إسلام المرء وفوزه في الدنيا والآخرة لما كان القرآن مليئًا بالتحريض على الجهاد، والإيثار على النفس والصدق والصبر، ونجدة المؤمن لأخيه، والعدل والإحسان، وجميع مكارم الأخلاق، ولما كان القرآن قد طالب المؤمنين أن يفضلوا الله ورسوله على آبائهم، وإخوانهم، وأزواجهم وتجارتهم، وأموالهم، ومساكنهم.

هذا وقد صرح كثير من المسلمين بل تباهوا بأن سياستهم ليست إسلامية، وطالما صرحوا بأنهم لا يقيمون للدين وزنًا، وطالما تزلفوا إلى المسيحيين بكونهم لا يدافعون عن الدين الإسلامي كما يدافع فلان وفلان، والمسلم الذي يدافع عن دينه يتهم بكل التهم، ولا يخلُص من لقب متعصب إلا إذا سمع أن الفرنسيس يحاولون تنصير البربر، فمر بذلك كان لم يسمع شيئًا، وإذا سمع أن الهولنديين نصروا مائة ألف أو مليونًا من مسلمي الجاوي هز كتفه قائلًا: أنا لا يهمني الأمر في شيء، هناك يصير راقيًا وحضاريًّا وعصريًّا ومحبوبًا.

لقد كان شكيب أرسلان فعلًا يعيش الداء، ويواكب الركام، ويصف العلة، ويتعجب من أحوال هؤلاء المسلمين، ويجالد هذا الكم الهالك الذي يدعي الإسلام، ويجاهد هذا الانحدار المتخلف الذي يحتضن الداء، وما زال هذا الداء هو هو الذي يصيب الجسد المسلم إلى اليوم، وما زال العمل الإسلامي يصارع أمواج هذا التخلف الفكري والنفسي، وما زال العمل الإسلامي يعاني نفس المعاناة، ويقاسي من ظلم المسلم قبل الأجنبي، ومن بني جلدته قبل الدخيل، ويوصف بأوصاف كثيرة باطلة، وينسب إلى تهم كثيرة مزورة؛ لأنه يرفض أن يكون إمعة ولا يساوم على دينه وعقيدته، ولا على قومه وأمته، ولكن هذا هو الطريق، وذلك هو السبيل لإنقاذ الأمة الغرقى، وبعث العزائم الموتى، وهذا هو الجهاد الذي فرض على الأنبياء والصديقين والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، فأي الفريقين يا أخي خير مقامًا وأحسن نديًّا؟!!.

الرابط المختصر :