; فقه التنمية في الإسلام(3) التنمية الخيرية الاجتماعية | مجلة المجتمع

العنوان فقه التنمية في الإسلام(3) التنمية الخيرية الاجتماعية

الكاتب د. فتحي يكن

تاريخ النشر الثلاثاء 24-يونيو-1997

مشاهدات 77

نشر في العدد 1255

نشر في الصفحة 48

الثلاثاء 24-يونيو-1997

الإسلام حلّق في مجال التنمية الخيرية والاجتماعية، إلى مستويات لا تبلغها المدارك والعقول البشرية، مما جعل البنية الاجتماعية كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، فالجميع يعيش هم الجميع، وصفهم الرسول ﷺ بقوله: «مثل المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم .. كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى» متفق عليه. 

ففي كتاب الله مئات الآيات التي تحض على الإنفاق في سبيل الله .. بل إن معظم الآيات تصف المسلمين بأنهم: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ يقول الله تعالي: وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ  ، ويقول تعالى: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ ، (آل عمران :۹۲)، ويقول سبحانه : ﴿وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً  (الرعد: ۲۲)، ويقول سبحانه: ﴿وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ (البقرة: ۲۷۲). ويقول سبحانه : ﴿قُل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً (إبراهيم :۳۱). ويقول سبحانه . ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ۖ  (الحديد :۷). ويقول سبحانه : ﴿ وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا.

وفي سنة رسول الله ﷺ عشرات الأحاديث التي تحض على مختلف أنواع البر والخير ... «كالسير في حوائج الناس، ورفع الظلم عنهم، والمطالبة بحقوقهم، وتيسير عسرهم وتنفيس كريهم، وكفالة أيتامهم ورعاية أراملهم، وإيواء مشرديهم، وإطعام الجائعين منهم» من ذلك قوله ﷺ: «إن الله تعالى أقوامًا يختصهم بالنعم المنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم، فخولها إلى غيرهم» (رواه الطبراني وأبو نعيم في الحلية)، وقوله ﷺ : «على كل مسلم صدقة، قال : أرأيت إن لم يجد ؟ قال ﷺ: يعمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق، قال : أرأيت إن لم يستطع؟ قال ﷺ: يعين ذا الحاجة الملهوف، قال : أرأيت إن إن لم يستطع؟ قال ﷺ: يأمر بالمعروف أو الخير، قال : أرأيت إن لم يفعل؟، قال ﷺ : يمسك عن الشر فإنها صدقة» متفق عليه.

وقال ﷺ: «من جهز غازيًا في سبيل الله فقد غزا، ومن خلف غازياً في أهله بخير فقد غزا» متفق عليه، وقوله ﷺ: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه» متفق عليه، وقوله ﷺ: «المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عنه كربة فرج عنه بها كربة من كرب يوم القيامة» متفق عليه، ومن ذلك قولهﷺ: «من حما مؤمنًا من ظالم بعث الله له ملكًا يوم القيامة يحمي لحمه من نار جهنم»، وقوله ﷺ: «من نفس عن مؤمن كربة نفس الله عنه كرب الآخرة»، وقوله ﷺ : «من سر مؤمنًا فقد سرني، ومن سرني فقد سر الله»، وقوله ﷺ : «الساعي على الأرملة والمسكين، يفزع الناس إليهم في حوائجهم، أولئك الآمنون من  عذاب الله». وهذا عمر بن الخطاب يقول: عام المجاعة، وقد أقسم على ألا يذوق سمنًا ولا لبنًا ولا لحمًا حتى يحيا الناس .. «بئس الوالي أنا إذا شبعت وجاع الناس، ولم إذن كنت إمامًا إذا لم يمسسني ما يمسهم».

وجاء في حق الجوار في القرآن الكريم ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (النساء: ٣٦). 

وفي السنة النبوية الشريفة قوله ﷺ : «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت» (متفق عليه)، وقوله ﷺ : «خير الأصحاب عند الله تعالى خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره» (رواه الترمذي)، وقوله ﷺ : «لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه» رواه مسلم.

(۸) التنمية الإنتاجية

والإسلام يوجب على كل مواطن أن يعمل وأن يأكل من كسب يديه، فهو لا يرضى للناس أن يكونوا عاطلين عن العمل عالة على الآخرين، يستجدون الناس أعطوهم أو منعوهم.

وفقه التنمية في الإسلام يدعو إلى تحقيق التوازن بين عمارة الدنيا وعمارة الآخرة على قاعدة قوله تعالى: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ، ويوم رأى عمر بن الخطاب رجلًا بقي في المسجد وقد خرج الناس، خفقه بالدرة «العصا» وقال: قم لا تمت علينا ديننا أماتك الله.

ومن هديه قوله ﷺ : «ما أكل أحد طعامًا قط خير من أن يأكل من عمل يده، وإن داود كان لا يأكل إلا من عمل يده»، وعندما صافح أحد المسلمين وشعر بخشونة في يده قال: «إن هذه يد يحبها الله، هذه يد لن تمسها النار أبدًا». وقال ﷺ : «اليد العليا خير من اليد السفلى»، ثم إن التشريعات التي تناولت الشؤون التجارية المختلفة ووضعت أصولها وقواعدها وضوابطها .. لتؤكد على مدى اهتمام الإسلام بالتنمية التجارية، من بيع وشراء ومرابحة ومشاركة. 

(9) التنمية الصناعية

إن قاعدة الأخذ بكل أسباب القوة التي بينتها الآية الكريمة ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ لتؤكد وجوب الأخذ بكل مقومات التنمية الصناعية في شتى المجالات التي تعود على الناس بالخير وليس بالدمار والخراب، بسبب وجهة الاستعمال ويسبب فائض الإنتاج الصناعي الذي أدى إلى تراكم النفايات والتلوث البيئي الذي يتهدد العالم بالكوارث الصحية والبيئية.

(۱۰) التنمية الإدارية والتنظيمية

والإسلام منهج حياة لتنظيم كل شيء .. وهو في كل تشريعاته يعتبر التنظيم أساسًا للنجاح والجودة، نتيجة شفافية العمل وأخلاقيته، والتي عبر عنها رسول الله ﷺ أدق تعبير حين قال: «إن الله يحب من أحدكم إذا عمل العمل أن يتقنه».

في ضوء كل هذه المعطيات يتبين أن «التنمية في الإسلام» سياسة شاملة متوازنة متكاملة ... تفرض على الفرد والمجتمع الأخذ بجميع أسباب النماء والارتقاء المادي والمعنوي، ووفق القاعدة النبوية الداعية إلى النمو والارتقاء ساعة بعد ساعة ويومًا بعد يوم، والتي تتجلّى في قول رسول الله ﷺ: «من تساوى يوماه فهو مغبون» وفي رواية: « من تساوى وأمسه فهو مغبون»، والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :