; ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (2)- خصائص وأولويات | مجلة المجتمع

العنوان ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (2)- خصائص وأولويات

الكاتب أحمد محمد زايد

تاريخ النشر السبت 18-يونيو-2011

مشاهدات 73

نشر في العدد 1957

نشر في الصفحة 54

السبت 18-يونيو-2011

الداعي الراسخ لا بد له من جولات واسعة مع علم الكتاب والسنة... يتشبع بهما حفظا وفهما

يطالع كتب السنة ويقرأ الفقه ويدرس السيرة والتاريخ ويحصل الأدب والشعر ويدرك الواقع

الخطاب الدعوي يجب ان يتسم بالمراجعة والتقييم ليستفيد من الماضي ويبني الحاضر وينطلق الى المستقبل

تؤكد في هذه العجالة على بعض الملامح القديمة التي لابد من اصطحابها ونطرح بعض الملامح الجديدة التي تحتل أولوية في ملامح الخطاب الدعوي، ومن هذين الجانبين يتبلور خطاب دعوي راشد إن شاء الله تعالى.

أولاً : خطاب تأصيلي قائم على العلم والبصيرة:

العلم شرف مقصود ومنبع مورود، فهو نور القلوب وضياء العقول، وضابط الأعمال وقانون السلوك، لا حجة لأي شيء معه، فهو حجة الحجج، والمرجع عند اللجج، لا تنتهي رحلته، ولا تشبع لطالب منه نهمته، ﴿وَقُل رَّبِّ زِدۡنِي عِلۡمٗا﴾(طه).

والخطباء والأئمة ورموز المجتمع اليوم أحوج الناس إلى الرسوخ في العلم من أي زمن مضي، فلا يصح من الناس في هذا الشأن إلا المليء، ولا تحسبن - أخي الحبيب - أن مجرد الوقوف مع كتب الوعظ أو غيرها سويعات ودقائق لتحضير خطبة او درس لا يتجاوز ساعة هو العلم، بل هذه ثقافة إن جوزنا إطلاق ذلك عليها، والعلماء يفرقون بين العلم والمعلومات والفرق بينهما أن المعلومات مفردة والعلم نسق مرتبط بعضه بعضا، له منهج وله استعمال، وهذا هو الفرق بين العالم والمثقف، فالمثقف عنده كثير من المعلومات في مادة معينة لكن ليس عالما في هذه المادة، وقد تفوق معلوماته معلومات بعض علماء هذه المادة، لكن لا بد علينا أن نعي طرق الاستعمال، وأن نعي الربط بين المعلومات، وأن نعي المعلومات أيضا حتى نحصل علما معينا.

وقد يظن بعضهم في نفسه العلم أو يُظن به، فتبدأ رحلة التوقف بعد أن ضرب الكبر والعجب النفس، فلا يقرأ المرء ولا يحني ظهره أمام الكتب: لأنه صار عند نفسه عالماً، حسبه الرعاع كذلك، روى الشاطبي في الإفادات والإنشادات رواية تصوّر لنا من العالم بعلم حقا، خلاصتها أن المرء لا يكون عالما بعلم حقاً حتى يتمكن من ثلاثة أمور: 

1- الإحاطة بهذا العلم بمعنى تحصيل جميع مسائله وتصورها .

2- القدرة على العبارة عنه بأحسن بيان يعني التمكن من التعبير عن مسائله.

3- القدرة على رد الشبهات حوله.

والرسوخ في العلم غير مجرد ممارسة العلم ومعالجته، فالراسخ في العلم لا يتطرق إليه شك ولا ريب لا يتبع الشبهات، ولا يتأثر بالسقطات والزلات، قال تعالى: ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ مِنۡهُ ءَايَٰتٞ مُّحۡكَمَٰتٌ هُنَّ أُمُّ ٱلۡكِتَٰبِ وَأُخَرُ مُتَشَٰبِهَٰتٞۖ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمۡ زَيۡغٞ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَٰبَهَ مِنۡهُ ٱبۡتِغَآءَ ٱلۡفِتۡنَةِ وَٱبۡتِغَآءَ تَأۡوِيلِهِۦۖ وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ وَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِۦ كُلّٞ مِّنۡ عِندِ رَبِّنَاۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾ (آل عمران)، ولن تكون راسخاً في العلم ما لم تكن لك جولات واسعة مع علم الكتاب والسنة، تتشبع بهما حفظاً وفهماً، لا استظهارا وترديدا، فالداعي الراسخ لا بد أن يتقن القرآن الكريم ويقرأ تفسيره، ويطالع كتب السنة ويعيش مع أبوابها ونصوصها، ويقرأ الفقه ويدرس السيرة والتاريخ، ويحصل الأدب والشعر، ويدرك الواقع. 

إن الكلام العجيب الذي نسمعه اليوم في وسائل الإعلام في الخطب والدروس والفتاوى وغيرها إنما كان أحد أسبابه الرئيسة الجهل الذي يصحبه التعالم ويغذيه الغرور غالباً، أما الراسخون في العلم فهم الذين يقنعون الناس، ولا يتجرؤون على القول في دين الله بلا علم ...

إن الأمة أمانة في أيدي الدعاة، تنتظر منهم الدواء كما تنتظر من الطبيب الحاذق الدقة في التشخيص ووصف الدواء، وقد أشفق أصحاب محمد بن الحسن عليه من طول سهره في المذاكرة والطلب فقال لهم: «إن أمة محمد تنتظرنا، فلو نمنا من يعلمهم.

فيا أيها العالم والخطيب والداعية لا تضيع وقتك فيما لا يفيد أمتك فوقتك ملك لها، تعتمد عليك في بيان الحق، وتنتظر غثاء، فلا تخن الأمانة ولا تضيع منك علما لا بالجهل الرسالة.

وبعد هذا نقول: إن المرحلة الجديدة تتناوشها أيدي وأطروحات وتيارات وأفكار ... كل يدلي بدلوه ويطرح فكره، وهناك قضايا حساسة وخطيرة سياسية واقتصادية ودولية .. وكلها قضايا مصيرية، كل هذا الكم يطرح الآن، ونحتاج إلى جيوش من الدعاة لبيان وجه الحق فيها، ولن يكون ذلك إلا باستيعاب الشريعة وإدراك حقيقتها في كل الجوانب، ثم بتصور كيفية عملها في الواقع ثم بفهم كيف نطرح كل ذلك على الجماهير لينتموا إلى حقيقة الإسلام الشامل لا بعض قضاياه التي ظنوا أنها الإسلام وحسب.

ثانيا: خطاب يتسم بالمراجعة والتقييم:

ليستفيد من الماضي ويبني الحاضر وينطلق إلى المستقبل وذلك أننا بشر نخطئ ونصيب ونتقدم ونتباطاً، ولذا كان لابد وأن يكون خطابنا تقييميا يدعو إلى المراجعة فالمراجعة في الفعل البشري أمر شرعي فقد كان النبي يربي عليها أصحابه ويقول: إني والله لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلا كفرت عن يميني وأتيت الذي هو خير»، هذا نوع من المراجعة للوصول إلى ما هو خير وأفضل، وأتمنى وأنا بصدد الحديث عن هذا الملمح أن تعقد ورش عمل وحلقات نقاشية لدراسة أوجه القصور في خطاب الدعاة بكل جرأة وشفافية، ومعالجة هذا القصور بخطة محكمة واضحة.

ولقد أعجبني جدا ما قرأته عن تلك الوثيقة الرائعة التي أصدرتها حركة النهضة الإسلامية بقيادة الشيخ راشد الغنوشي أثناء فترة المنفى، وقد صدرت منذ أكثر من ثلاث سنوات وكانت بعنوان دروس الماضي وإشكالات الحاضر وتطلعات المستقبل»، التي يصفها أحد الكتاب بأنها أخطر وثيقة صدرت عن حركة إسلامية عربية معاصرة تقيم فيها تجربتها الخاصة وتنتقد نفسها، مكرسة بذلك مدرسة جديدة في النقد الذاتي، وهي ممارسة غير مسبوقة في الأحزاب الإسلامية»، وقد تحدث الشيخ راشد الغنوشي مراراً عن أهمية الاستفادة من التجارب السابقة للحركة.

فكثير من الاجتهادات قد نغيرها، وكثير من الوسائل قد نستبدلها ، وكثير من الأساليب قد نطورها، فما كان ممنوعا بحكم النظام البائد قد يصبح اليوم متاحا مباحا، وما كان مناسبا لمرحلة التخفي والمطاردات والموازنات قد يخف اليوم جدا، فالبقاء على القديم في كل شيء سيؤخرنا قطعا، وما سنكسبه اليوم من مواضع لن نتأخر عنه بعد ذلك إن شاء الله تعالي.

ثالثا: يمتاز بالوعي ويربي الوعي:

إن تمثيل الإسلام على مستوى الخطاب والتوجيه في هذه المرحلة ليس موضوع بلاغة وألفاظ، بل موضوع وعي وإدراك، والداعية غير المتمكن من تصور العالم من حوله سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وفكريا .. يكون عبثاً على الدعوة لا معيناً لها، من هنا تتضح أهمية الخطاب الدعوي العاكس لعقل الداعية ووعيه .

وهنا لا بد من الدراية بمن حولنا محليا: بالأحزاب ورموزها ومناهجها وعملها وتحركاتها، حركة الاقتصاد وما يتصل بها الجمعيات والتيارات الاجتماعية والفكرية داخل المجتمع المصري، حركات الشباب وتوجهاتها قضايا الجماهير ومطالبها وواقعها .. إلخ».

وعالميا يجب الوعي بحركة الدول ومخططاتها والجديد عندها، ومدى قربها أو بعدها منا، وكيفية التعاطي مع هذه الدول.

ومن ثم يكون خطابنا واقعياً قائماً على الوعي، ثم نحلل كل ذلك بمنهجية علمية تنطلق من موازين الإسلام.

وإن من أكبر عوامل الوعي المتابعة للأحداث دائما، وفهم العلاقة بين هذه الأحداث ومن وراءها والمستفيد والخاسر من ورائها، ويمكن أن تساعد في ذلك مراكز دراسات ومراكز بحثية ونشرات متخصصة وغير ذلك، ولا شك أن الشبكة العنكبوتية تسهم في هذا كثيرا .

وبعد وعي الدعاة لا بد وأن يكون خطابهم أيضا باعثا على الوعي ومنشئا إياه، بعد فترة طويلة من التغييب لعقول الجماهير وتضليلها وتخدير مشاعرها وإبعادها عن الحقيقة بكل صورها، لابد من رسم خطوات لإعادة هذه الجماهير إلى وعيها واستعادة عقلها إليها مرة أخرى، هذه الجماهير التي عاشت معنى المصالح الشخصية لا بد وأن تعيش مرة أخرى معنى مصلحة الأمة، هذه الجماهير التي كانت تصفق الجزاريها وجلاديها من خلال الشعارات الكاذبة والإعلام الكذوب أن لها اليوم أن تفرق بين من يخدعها وبين من يقودها إلى صلاحها ومصالحها، وهكذا يجب أن نرصد الجوانب التي ضاعت من وعي الجماهير ونحاول علاجها، وخلق وعي جديد بالقضايا المهمة والمصيرية ..

(*) الأستاذ بكلية أصول الدين - جامعة الأزهر

الرابط المختصر :