; لماذا يتجنى البعض في تصوير جماعة الإخوان المسلمين؟ (الحلقة الأولى) | مجلة المجتمع

العنوان لماذا يتجنى البعض في تصوير جماعة الإخوان المسلمين؟ (الحلقة الأولى)

الكاتب صلاح شادي

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 77

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

- القضاء يبرئ الإخوان من تهمة الانقلابات.

- خطورة الإخوان ضد اليهود والاستعمار.

الأستاذ صلاح شادي، أحد أعضاء جماعة الإخوان المسلمين الذين عاصروا أحداثها الكبرى منذ الإمام حسن البنا حتى عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والذي كانت له معه صلات باعتباره مسؤولًا عن أحد أنشطة جماعة الإخوان الخاصة بالعسكريين، حيث كان ضابطًا في وزارة الداخلية، وهو الآن لواء بالمعاش، اعتقل في عام 1954 مع جماعة الإخوان المسلمين الذين اتهموا باغتيال جمال عبد الناصر.

وظل في السجن عشرين عامًا ويقيم الآن في الكويت.

وفيما يلي المقال الذي كتبه ردًا على الدكتور عبد العظيم رمضان باعتباره معايشًا للفترة التي يتحدث عنها الدكتور رمضان في دراسته عن حركة الإخوان المسلمين والتي تنشر في الزميلة الهدف.

قرأت مقال الدكتور عبد العظيم رمضان عن جماعة الإخوان المسلمين المدون في جريدة الهدف في يوم الخميس 30 أكتوبر سنة 1980، فأدهشني المفارقة بين محتويات المقال وبين دعواه عن الدراسة العلمية التي يعنيها من ورائه، وبالرغم من «الباقة» البريئة التي قدم بها الدكتور حديثه عن «أخطر حركة دينية في التاريخ الحديث»!!...، حين ذكر أن بحثه هذا إنما ينصب على الماضي فقط ولا صلة له بالحاضر، وبالتالي فمن الخطأ أن تعدها أية هيئة محاولة للإدانة أو الهجوم التي هي أبعد ما تكون عن أغراض الدراسة العلمية الحقيقية، التي «يتوخاها الدكتور طبعًا»!...، إلا أن القارئ الذي يتميز بقليل من الفطنة يعجز عن مدافعة ما يزكم أنفه من السعي الحثيث الذي يستهدفه الدكتور «المؤرخ» بالتشكيك في المقاصد والنيات التي حملها الشهيد حسن البنا لأمة الإسلام جمعاء!، وحملته بعده جماعة الإخوان المسلمين.

وإذا تحدثنا عما يزكم أنف القارئ من «الباقة» الجديدة التي يقدمها الدكتور لقارئ اليوم، فإنما أشير إلى آرائه القديمة التي «يشمها» كل من قرأ كتبه سنة 1973 أو 1976 عن تطور الحركة الوطنية في مصر، أو كتاب عبد الناصر وأزمة مارس، وكلها لا تخرج في مضمونها عما أثاره أمام قارئ اليوم الذي ربما لم تزكم أنفه من قبل ريح تشير إلى الأصول التي ينتمي إليها فكر الدكتور في صياغته لأحداث التاريخ!

وإنك لا تعجز عن إدراك ما يعنيه الدكتور «المؤرخ»! في أول سطور مقاله التاريخي عندما يضعك أمام قضية مسلم بها لا تحتاج -عنده- إلى نقاش هي «فكرة العنف والاستيلاء على السلطة عند جماعة الإخوان المسلمين»!

فهو لا يناقش هذه القضية ذاتها وإنما يوحي إليك أنها من البديهيات التي لا تقبل النقاش، وأن القضية التي يطرحها للبحث هي فقط لمعرفة الوقت الذي بدأت تظهر فيه هذه الفكرة في رأس حسن البنا!!

ولا أحسب أن الدكتور «المؤرخ» قد غاب عنه أن هذه «الفكرة» كانت موضوع قضية قدمتها النيابة فيما سمي في هذا الوقت قضية «الجيب» الذي صدر فيها الحكم سنة 1951.

• رأي القضاء:

وسمع القضاء من قبيل الاتهام الكثير عن تطور فرق الرحلات التي جعلها الدكتور موضوع حديثه، بل وفرق الجوالة ونظام الكتائب، بل والنظام الخاص ذاته، الذي أنشأه حسن البنا!

وصدرت أحكام هذه القضية بعد مقتل النقراشي، وبعد محاولة قتل حامد جودة التي اتهم فيها الإخوان المسلمين، بل وساقت النيابة حشدًا من الاتهامات نسبتها إلى جماعة الإخوان منها: حوادث شركة الإعلانات الشرقية «اليهودية»، وحوادث نسف محل جاتينيو، وشيكوريل، وأوريكو «اليهودية»، ونسف حارة اليهود الربانيين، كل ذلك ساقته النيابة للتدليل عن نيات الجماعة الإرهابية، فماذا قال القضاء في حيثيات حكمه عن هذه الجماعة وأسلوبها في التربية والتكوين، وما ردت به هذه الحيثيات على القول بمحاولة القفز على السلطة، وفكرة العنف، التي روج لها الدكتور «المؤرخ»؟

إن المحكمة التي أصدرت حكمها في 17 مارس سنة 1950 -بعد هذا الحشد من اتهامات النيابة لجماعة الإخوان بالنسف والتدمير- لم يبرئ الإخوان المسلمين فقط من دعوى الإرهاب، ولكنها أشادت بدورها البطولي المشرف في خدمة مصر.

وفي الوقت نفسه أخطأت المحكمة النيابة في وصفها للجهاز الخاص بأنه إرهابي -وليس فقط جهاز الرحلات!!- وقالت المحكمة في حيثيات الحكم: إنه جهاز تدريب يتماشى مع الأهداف المقررة لتحرير وادي النيل، وجميع البلاد الإسلامية، وإنه لم يتضمن ولم يدع إلى ارتكاب جريمة، ولا يعنيه أو يضيره أن بعض أعضائه كونوا من تلقاء أنفسهم مؤامرة إجرامية لأعمال القتل والتخريب.

ولكن يبدو أن الدكتور المؤرخ «لم يقرأ هذه الحيثيات وكذلك لم يقرأ ثناء اللواء أحمد الموازي، واللواء أحمد فؤاد صادق، على الإخوان المسلمين في شهادتيهما أمام المحكمة، وما ذكرناه عن البذل والفداء الذي قدمه الإخوان المسلمون في الصراع الفلسطيني «وعلى مستوى التدريب العالي الذي حصلوا عليه مما جعل المحكمة تدين لهذا الأمر بالتقدير وحقيقة أهدافها».

• رأس البنا هدية عيد الجلوس:

وإذًا فقد عجز الجهاز الحاكم وعلى رأسه الملك في تشويه سمعة جماعة الإخوان المسلمين أمام القضاء، ولكن نجح رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي في تقديم رأس «البنا» هدية له في عيد جلوسه على العرش في 12 فبراير سنة 1950 ليكون عنوانًا على نوعية الصلة التي كانت بين فاروق والإخوان المسلمين!!، تلك الصلة التي حاول الدكتور «المؤرخ» أن يلوي فيها الحقائق ليوحي إلى القارئ أن ثمة نفعًا مشتركًا أقام تحالفًا بين الإخوان والملك!! ولم يسق في ذلك دليلًا واحدًا سوى ظنونه حالكة السواد.

ومما يؤسف له أن الدكتور «المؤرخ» عجز أيضًا عن أن يرى في مقتل حسن البنا إرهابًا!! ولا في اللوم الذي وجهته المحكمة إلى السلطات الحاكمة في قضية الجيب بسبب تعذيب الإخوان المسلمين في آخر ما وقع من حوادث الإرهاب «المدعي» بمحاولة قتل حامد جودة التي اتهم فيها الأخ مصطفى كمال عبد المجيد حين حضر رئيس الوزراء إبراهيم عبد الهادي التحقيق، ورأى المتهم معلقًا في الهواء داخل غرفة في قسم مصر القديمة!، وجسده مقطع من أثر السياط! ومع ذلك عجز الدكتور رمضان عن أن يرى في ذلك أي لون من الإرهاب أو العدوان على كرامة المواطنين عامة والإخوان المسلمين خاصة!!

وهذا بعينه، هو الإنصاف -في رأي الدكتور- وإن خالف رأي القضاء!!

وإذا كانت وقائع الأحداث تلوى بهذه الصورة، فما بالك بموضوعية فكر حسن البنا الذي ساقه لنا الدكتور رمضان في إطار من المهانة، أهدر به أصول العقيدة ذاتها التي كنت أظن أنها أصبحت من المسلمات التي لا يمارى اليوم فيها مسلم!!

والعجيب أنه إذا قال أحد الناس: إن الإسلام دين ودولة، عقيدة وشريعة، مصحف وسيف فلا بأس أن يقول ذلك ما دام القائل ليس حسن البنا!

أما أن ينادي حسن البنا بهذا الأصل الذي لا يختلف عليه أحد فهذا في رأي الدكتور رمضان انحراف عن وسيلة «الحب والإخاء والتعارف» التي نادى بها الرجل سنة 1352ه!!

 تناقض...

وإذا جرى هنا الاختلاف في وجدان الدكتور فلا شك أنه يرى اختلافًا أيضًا حين يقرأ في كتاب الله قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: 125)، وبين قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ (التوبة: 36)، أو بين قوله تعالى لموسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ (طه: 43-44)، وبين حديث رسول الله ﷺ: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان».

فإذا استقام لدى الدكتور وجود تفاوت في هذه الآيات، فإنه لا شك يعتبر معذورًا فيما يراه من تفاوت في سلوك حسن البنا في مبدأ دعوته التي نهضت على «الحب والتعارف»، وبين ما نادى به في سنة 1938 بضرورة حمل الحكومة على منهج الإسلام.

هذه واحدة من أغلوطات الدكتور.

• وثانية!

وأغلوطة ثانية وجدت طريقها إلى مقال الدكتور رمضان فألبسها -كعادته- ثوب الحقيقة ليزين للقارئ بأن ما يقوله «دراسة علمية حقيقية»!

فهو لا يستطيع أن يفسر ارتفاع عدد فروع جمعية الإخوان المسلمين من عشرة إلى خمسين بعد عام واحد، ثم إلى ثلاثمئة سنة 1938 «أي بعد عشرة أعوام»!، ويستطرد في شرح ذلك فيقول: «وإذا كان هذا مفهومًا بالنسبة لفترة الوفد -لالتزامه بالخط الدستوري الديمقراطي- فهو غير مفهوم في عهد الانقلاب!! وعلى كل حال تبقى هذه الملاحظة صحيحة، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تزدهر دائمًا وأبدًا في العهود الرجعية حتى وقع الانشقاق وانفض التحالف عام 1948».

لقد كدت أتصور وهو يتحدث عن عهد الانقلاب هذا أنه يعني حركة الجيش سنة 1952، ولكني أدركت أنه تجاوز هذا المفهوم واعتبر عهد الانقلاب هو إقالة الملك لحكومة الوفد، وتشكيل الوزارة من أحزاب الأقليات!! فسمى هذا انقلابًا وحكمًا رجعيًا، في حين نراه يصف حكم الوفد بالحكم الملتزم بالخط «الدستوري الديمقراطي»!

وإنه ليدهشني حقًا من الدكتور «المؤرخ» أن يبدو كأنه مقتنع بما يقول!

فإن كل الحكومات -بما فيها حكومة الوفد لم تسلم معها جماعة الإخوان من الاضطهاد تارة بالقبض وأخرى بالمصادرة وثالثة بالاعتقال والتشريد.

إن المدى الذي أصابته جماعة الإخوان، لا علاقة له بعهد من العهود أو حكومة من الحكومات، فطبيعة الإسلام تحمل قوته في ذاته، وانتشاره إنما ينطلق من معنى الربانية الذي يوحيه في قلوب الناس ويركزه في عقولهم، ولكن «مؤرخنا» لا يرى في هذه القوة ما يدعو إلى أن يكون للإخوان المسلمين ثلاثمئة شعبة في عشر سنوات!!

... ولكن بعض المنصفين ممن لا يحملون مثله إجازة الدكتوراه في التاريخ لم يحجبه بغضهم لجماعة الإخوان عن قول الحق في هذا الصدد، فيروي لنا السادات في كتاب البحث عن الذات صفحة 36 هذه الواقعة:

«كان الإخوان دون شك قوة لا يستهان بها، ويكفي للتدليل على هذه القوة أنه كانت أمام مقرهم بالحلمية فيلا رائعة أراد الشيخ البنا أن يجعلها مقرًا جديدًا للجمعية فطرحها للاكتتاب، وفي أقل من يوم غطى الاكتتاب واشتراها!!».

البقية في العدد القادم

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 6

603

الثلاثاء 21-أبريل-1970

الحركة الإسلامية في الهند

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية