العنوان العيد والآلام الفرح جزء من تكويننا الفطري وعلينا أن نفرح باعتدال
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر الجمعة 07-سبتمبر-2012
مشاهدات 58
نشر في العدد 2017
نشر في الصفحة 38
الجمعة 07-سبتمبر-2012
يمكننا انتزاع الفرح من براثن الظروف الصعبة والابتهاج بفضل الله ورحمته
على الخطباء والشعراء وقادة الرأي مسؤولية زرع الأمل والتفاؤل واللغة الإيجابية عند المتلقين
الأسوة والقدوة بالرسول ﷺ مشروعة في شؤون الحياة العامة، تأمل قوله تعالى: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك ) (الشرح). متى نزلت هذه السورة نزلت في مكة، وفي فترة معاناة وألم وحرب وعدوان، ومع ذلك امتن عليه بقوله : ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ ) إذا كان منشرح الصدر، ووَضَعْنَا عَنكَ وزرك (1) الذي أَنقَضَ ظَهْرَكَ ﴾ (الشرح). وأوزاره ليست ذنوبا، وإنما وضع الله تعالى عنه الهم والغم والثقل، ولذلك كان النبي ﷺ يستعيذ من الهم والغم. فهذا الذي أثقل ظهره.
كابوس ثقيل
إن هم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى إذا تعدى حد الاعتدال تحول إلى كابوس يثقل المسير، ولا يحقق الهدف، وقد عالجت السورة هذا المعنى بالوعد الإلهي الكريم ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)﴾ (الشرح)، فهو وعد صادق للمستقبل وهو حديث عن الحاضر بقوله: ﴿ مَعَ الْعُسْر ﴾ ولم يقل: (بعد العسر)، فتم يسر كان قبل العسر، ثم يسر معه، كما في هذه الآية، وهو مضاعف، ثم يسر بعده، كما في قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا (7)﴾ (الطلاق)؛ لأنه لا يستطيع أن يواصل طريقه، واعتدال الشخصية الإنسانية من أسباب المواصلة وعدم الانقطاع.
والنبي ﷺ كان يفرح في مكة، وفي المدينة، وفي الغزو، وفي كل الأحوال، ولم ينقل أن المسلمين حولوا عيدا من الأعياد إلى مأتم أو حزن، وإنما كانوا يفرحون بالعيد والنبي ﷺ: 3 ربي أصحابه ويعلمهم . يربي على الفرح بالعيد والاستبشار به.
أساس الأمر
والقدرة على الجمع بين الفرح والسرور والاغتباط، مع الجد في الحياة واحتمال المسؤوليات، هي أساس الأمر وجوهره، وربما عبر بعضهم وقت الفرح بمعان تدل على المجافاة وإنكار الاستبشار، كما نجده في لغة الشعر كثيرا .
والمتنبي شرع للشعراء - كما شعراء الجاهلية من قبل - تحويل العيد إلى مناسبة لتذكر الآلام والأحزان، وقصيدته مشهورة:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بمَا مَضَى أَمْ بِأَمْرِ فِيكَ تَجديد
أما الأحبة فالبيداء دُونَهم
فليت دونك بيدا دونها بيد
أصخرة أنا مالي لا تحركني
هذي المدام ولا هذي الأغاريد
وظل الشعراء من بعده ينسجون على منواله، مع أن ربنا سبحانه يقول: ﴿ وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) ﴾ (الشعراء).
فلم يكن جيدا أن يكون العيد فرصة لجلد الناس بالأخطاء والذنوب الموجودة عندهم أو تكدير الفرحة باستدعاء ذكريات وآلام وجمعها في هذه المناسبة، وإبعاد الصفاء والرضا عن الناس.
وثم شعراء بحماسة إسلامية أو عاطفية عروبية، ظلوا يضربون على هذا الوتر، كما في شعر عمر أبي ريشة، أو محمود غنيم، أو عمر بهاء الدين الأميري، أو البردوني، أو زكي مبارك، أو الرافعي، أو العقاد، وهؤلاء شعراء كبار حملوا هم الأمة وعبروا عن تطلعاتها على أي حال.
معان جميلة
وعوضا عن أن يكون العيد فرصة لنتبادل مشاعر الفرح والسرور والمعاني الجميلة أصبحنا نتحدث عن آلام ومعاناة.
أما عن معاناة الأمة وآلامها : فالأمة بقدر ما فيها من النقائص والعيوب فيها من الخيرات والبركات والمعاني الجميلة التي يمكن للإنسان أن يستذكرها، فليكن العيد فرصة لاستذكار ما يدعو إلى التفاؤل من صنوف الخير والبر والجود والكرم والإحسان.
يجب أن ندرك أن هذا لا يعني تقصير الإنسان في إحساسه بمعاناة الآخرين، لكن عليه ألا يقصر في حفظ حق نفسه، ومجرد اجترار الأحزان لا يغير من الواقع شيئا لكن التعاطف والتفاعل بالقول أو بالفعل أو بالمشاركة العقلية أو الحضورية هو ما نحتاج إليه. والاعتدال في الفرح والضحك مطلوب وقد تبسم النبي ﷺ حتى بدت نواجذه.
وداعب أصحابه وأزواجه والكبار والصبيان والبدو والحضر، وهكذا كان أصحابه، بل من أصحابه من هو متخصص في الضحك والإضحاك وصناعة الابتسامة في مكانها الطبيعي.
معاناة خاصة
أما المعنى الثاني فهو المعاناة الخاصة والشخصية التي تحرم الإنسان من فرحة العيد.
والمؤمن إذا رضي وسلم، واستحضر القضاء والقدر؛ فإنه يحمد الله على أن المصيبة كانت أقل مما هو أعظم منها .
وفي كل حال يجد المرء من الألطاف الخفية والمنح الإلهية، ما لا يدركه إلا من عاش وجرب، حتى إنه قد يأنس بالحال التي هو عليها، ولا يبتغي عنها حولا .
فقد يمر العيد بالإنسان وهو سجين فيشعر بأنه معزول عن أهله وأطفاله، وأن الناس تفرح في العيد وهو محروم كحال المعتمد بن عباد، وهو حاكم آل به الأمر إلى السجن في «أعْمَاتَ»، فقال قصيدة، منها :
فيما مضى كُنتَ بالأعياد مسرورا
فجاءك العيد في أَعْمَاتَ مَأْسُورًا
ترى بناتك في الأطمار جائعة
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
برزن نحوك للتسليم خاشعة
أبصارهن حسيرات مكاسيرا
يطان في الطين والأقدام حافية
كأنها لم تطأ مسكًا وكافورا
من بات بعدك في ملك يسر به
فَإِنَّما بات ، في الأمالَ مَغْرُورًا
انعتاق روحي
وقد يقع في السجن انعتاق للروح والعقل من أسر العادة والمألوف والسياق الذي مضى عليه الإنسان، فيفرح بقربه من الله ويشعر بحرية أهل الكهف الذين خرجوا من قصورهم قائلين: ﴿فَأَوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَّحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مِّنْ أَمْرِكُم مَرْفَقًا(16)﴾ ( الكهف(
أو يكون الإنسان مريضًا، وربما صحت الأبدان بالعلل، ومن المرض طهور وكفارة وزلفى إلى رب العباد .
لأنه منك حلو عندي المرض حاشا فلست على ما شئت أعترض وقد أصاب المرض أيوب، فقال الله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نَعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ﴾(ص: 44)
منهج نبوي
ويحسن بالمؤمنين الاعتبار بالمنهج النبوي فالرسول ﷺ في مكة كانت لديه آلام كافية وأحزان مستمرة، وهناك عام يسمونه (عام الحزن)، لكن كان لديهم اثنا عشر عاما لم تكن أعوام أحزان، بل كان الغالب عليها السرور، والرضا، وقرة العين بالوحي والرسالة والإسلام، والنعم في النفس والأهل والمال والولد، واعتبار مواضع الحكمة في القضاء والقدر.
وهكذا الحال في المدينة، كانوا يذهبون في سرية، أو في غزو، أو في مواجهة عدو ومع ذلك كانوا يتبادلون الأشعار ويتمازحون. وفي أول الهجرة عند بناء المسجد كانوا يرددون:
لئِن فَعَدْنَا وَالنَّبِيُّ يَعمل
ذاك إذا لعمل مضلل
لا يستوي من يعمر المساجدا
يذاب فيها قائما وقاعدًا
ومن يرى عن الغبار حائدًا
وكان اسم أحد الصحابة: «جميل» فغيره النبي ﷺ وسماه: «عمرا»، فالتقط الصحابة وهم في عملهم ومزاحهم والأهازيج التي يرددونها هذه المبادرة الأبوية والتكرمة
النبوية، وسبكوها ضمن نشيدهم، فقالوا : سماة من بَعْدِ جُعِيل عَمْرًا
وكان للبائس يوما ظهرا وكان النبي ﷺ يردد معهم، فيقول:
«عمرا»، «ظهرا». وفي «السنن» أن النبي ﷺ سابق عائشة وهما في غزوة، فسبقته مرة، وسبقها أخرى.
انتزاع الفرح
فهذا معناه أنه يمكن انتزاع الفرح من براثن الظروف الصعبة، والابتهاج بفضل الله ورحمته.
الفرح جزء من تكويننا الفطري، وجزء من الحياة، وعلينا أن نفرح باعتدال، وعلى الخطباء والشعراء وقادة الرأي والفكر والكتاب مسؤولية زرع الأمل والتفاؤل واللغة الإيجابية عند المتلقين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل