العنوان العيد والآلام
الكاتب سلمان بن فهد العودة
تاريخ النشر السبت 10-سبتمبر-2011
مشاهدات 60
نشر في العدد 1968
نشر في الصفحة 42
السبت 10-سبتمبر-2011
- الفرح جزء من تكويننا الفطري وعلينا أن نفرح باعتدال.
- النبي ﷺ كان يفرح في كل الأحوال ولم ينقل أن المسلمين حولوا عيدا من الأعياد إلى حزن.
- على الخطباء والشعراء وقادة الرأي مسؤولية زرع الأمل والتفاؤل واللغة الإيجابية عند المتلقين.
- القدرة على الجمع بين الفرح والسرور مع الجد في الحياة واحتمال المسؤوليات أساس الأمر.
الأسوة والقدوة بالرسول صلى الله عليه وسلم مشروعة في شؤون الحياة العامة تأمل قوله تعالى: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ ( الشرح:1 ) ، متى نزلت هذه السورة نزلت في مكة، وفي فترة معاناة وألم وحرب وعدوان، ومع ذلك امتنَّ عليه بقوله: ﴿ أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾( الشرح:1 ) إِذا كان منشرح الصدر، ﴿ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الذي أنقَضَ ظَهْرَك﴾ ( الشرح:2:3 ) ، وأوزاره ليست ذنوبا ، وإنما وضع الله تعالى عنه الهم والغم والثقل ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم يستعيذ من الهم والغم ، فهذا الذي أثقل ظهره.
إن هم الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى إذا تعدى حد الاعتدال تحوّل إلى كابوس يثقل المسير، ولا يحقق الهدف، وقد عالجت السورة هذا المعنى بالوعد الإلهي الكريم: ﴿فَإِنّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح:5:6)، فهو وعد صادق للمستقبل، وهو حديث عن الحاضر بقوله: «مَعَ الْعُسْرِ»، ولم يقل: «بعد العسر»، فثَمَّ يسر كان قبل العسر، ثم يسر معه، كما في هذه الآية، وهو مضاعف، ثم يسر ،بعده، كما في قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللهُ بَعْدَ عُسْرِ يُسْرًا ﴾ (الطلاق:7)؛ لأنه لا يستطيع أن يواصل طريقه، واعتدال الشخصية الإنسانية من أسباب المواصلة وعدم الانقطاع.
الفرح بالعيد
والنبي صلى الله عليه وسلم كـان يـفـرح فـي مـكـة، وفي المدينة، وفي الغزو وفي كل الأحوال، ولم يُنقل أن المسلمين حوّلوا عيدا من الأعياد إلى مأتم أو حزن، وإنما كانوا يفرحون بالعيد، والنبي صلى الله عليه وسلم يربي أصحابه ويعلمهم على الفرح بالعيد والاستبشار به.
والقدرة على الجمع بين الفرح والسرور والاغتباط مع الجد في الحياة واحتمال المسؤوليات، هي أساس الأمر وجوهره، وربما عبر بعضهم وقت الفرح بمعان تدل على المجافاة وإنكار الاستبشار، كما نجده في لغة الشعر كثيرًا .
تذكر الأحزان
والمتنبي شرع للشعراء - كما شعراء الجاهلية من قبل - تحويل العيد إلى مناسبة لتذكر الآلام والأحزان، وقصيدته مشهورة:
عيد بأيَّةِ حالِ عُدتَ يا عيد بما مَضى أم بأمر فيكَ تَجديد
أَمَا الأَحَبَّةُ فَالبَيدَاءُ دَونَهُمُ فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيد
أَصَخرَةُ أَنا مالي لا تُحَرِّكُني هذي المدامُ وَلا هَذِي الأَغاريد
وظل الشعراء من بعده ينسجون على منواله، مع أن ربنا سبحانه يقول: ﴿وَالشُّعَرَاءُ الْغَاوُونَ﴾ (الشعراء:٢٢٤)، فلم يكن يتبعهم جيدا أن يكون العيد فرصة لجلد الناس بالأخطاء والذنوب الموجودة عندهم، أو تكدير الفرحة باستدعاء ذكريات وآلام، وجمعها في هذه المناسبة، وإبعاد الصفاء والرضا عن الناس.
وثَمَّ شعراء بحماسة إسلامية أو عاطفية عروبية، ظلوا يضربون على هذا الوتر، كما في شعر عمر أبي ريشة، أو محمود غنيم، أو عمر بهاء الدين الأميري، أو البَرَدُّونِي، أو زكي مبارك، أو الرافعي، أو العقاد، وهؤلاء شعراء كبار حملوا هم الأمة وعبروا عن تطلعاتها على أي حال.
معان جميلة
وعوضًا عن أن يكون العيد فرصة لنتبادل مشاعر الفرح والسرور والمعاني الجميلة أصبحنا نتحدّث عن آلام ومعاناة.
أما عن معاناة الأمة وآلامها، فالأمة بقدر ما فيها من النقائص والعيوب، فيها من الخيرات والبركات والمعاني الجميلة التي يمكن للإنسان أن يستذكرها فليكن العيد فرصة لاستذكار ما يدعو إلى التفاؤل من صنوف الخير والبر والجود والكرم والإحسان.
يجب أن ندرك أن هذا لا يعني تقصير الإنسان في إحساسه بمعاناة الآخرين، لكن عليه ألا يقصر في حفظ حق نفسه، ومجرد اجترار الأحزان لا يغير من الواقع شيئا، لكن التعاطف والتفاعل بالقول أو بالفعل أو بالمشاركة العقلية أو الحضورية، هو ما نحتاج إليه.
الاعتدال في الفرح
والاعتدال في الفرح والضحك مطلوب، وقد تبسم النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.
وداعب أصحابه وأزواجه والكبار والصبيان والبدو والحضر، وهكذا كان أصحابه، بل من أصحابه مَن هو متخصص في الضحك والإضحاك وصناعة الابتسامة في مكانها الطبيعي.
أما المعنى الثاني، فهو المعاناة الخاصة والشخصية التي تحرم الإنسان من فرحة العيد.
والمؤمن إذا رضي وسلم، واستحضر القضاء والقدر؛ فإنه يحمد الله على أن المصيبة كانت أقل مما هو أعظم منها .
منح إلهية
وفي كل حال يجد المرء من الألطاف الخفيّة والمنح الإلهية ما لا يدركه إلا من عاش وجرّب، حتى إنه قد يأنس بالحال التي هو عليها، ولا يبتغي عنها حوّلا.
فقد يمر العيد بالإنسان وهو سجين، فيشعر بأنه معزول عن أهله وأطفاله، وأن الناس تفرح في العيد وهو محروم، كحال المُعْتَمد بن عَبَّاد، وهو حاكم آل به الأمر إلى السجن في أَغْمَاتَ، فقال قصيدة، منها :
فيما مضى كُنتَ بالأعياد مسرورًا فَجاءَكَ العيدُ في أَعْماتَ مَأسُورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة يغزلن للناس ما يملكن قطميرًا
برزن نحوك للتسليم خاشعةً أَبصارُهُنَّ حسيرات مَكاسِيرًا
يَطأنَ في الطِّين والأقدامُ حافيةٌ كَأَنَّها لَم تَطأ مسْكًا وكافورًا
مَن باتَ بَعدَكَ فِي مُلكِ يُسَرُّ بِهِ فإنما بات فِي الأَمالِ مَغْرُورًا
وقد يقع في السجن انعتاق للروح والعقل من أسر العادة والمألوف والسياق الذي مضى عليه الإنسان فيفرح بقربه من الله، ويشعر بحرية أهل الكهف الذين خرجوا من قصورهم قائلين ﴿ فأوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مِّن رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُم مَنْ أَمْركُم مَرْفقًا﴾ (الكهف:16)
أو يكون الإنسان مريضًا، وربما صحت الأبدان ،بالعلل، ومن المرض طهور وكفارة وزلفى إلى رب العباد .
لأنه منك حلو عندي المرضُ حاشا فلستُ على ما شئت أعترضُ
وقد أصاب المرضُ أيوب، فقال الله تعالى: ﴿ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابرًا نَعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَابٌ﴾ (ص: ٤٤).
المنهج النبوي
ويحسن بالمؤمنين الاعتبار بالمنهج النبوي؛ فالرسولﷺفي مكة كانت لديه آلام كافية وأحزان مستمرة وهناك عام يسمونه «عام الحزن»، لكن كان لديهم اثنا عشر عاما لم تكن أعوام أحزان، بل كان الغالب عليها السرور والرضا، وقرة العين بالوحي والرسالة والإسلام والنعم في النفس والأهل والمال والولد، واعتبار مواضع الحكمة في القضاء والقدر.
وهكذا الحال في المدينة، كانوا يذهبون في سرية أو في غزو أو في مواجهة عدو، ومع ذلك كانوا يتبادلون الأشعار ويتمازحون. وفي أول الهجرة عند بناء المسجد كانوا يرددون:
لئن قَعَدْنا والنَّبيُّ يَعملُ
ذاك إذاً لعملٌ مضلًل
لا يستوي مَن يَعْمُرُ المساجدا
يَدابُ فيها قائمًا وقاعدًا
ومَن يُرى عن الغبار حائدًا
وكان اسم أحد الصحابة «جُعيلاً» فغيّره النبي ﷺ وسماه «عمر»، فالتقط الصحابة وهم في عملهم ومزاحهم والأهازيج التي يرددونها هذه المبادرة الأبوية والتكرمة النبوية، وسبكوها ضمن نشيدهم، فقالوا:
سمَّاهُ مِنْ بَعْدِ جُعِيلِ عَمْرَا وكان للبائس يومًا ظَهْرَا
وكان النبي ﷺيردد معهم، فيقول: «عمرا»، «ظهرا».
وفي «السنن» أن النبي ﷺ سابق عائشة وهم في غزوة، فسبقته مرة، وسبقها أخرى، فهذا معناه أنه يمكن انتزاع الفرح من براثن الظروف الصعبة، والابتهاج بفضل الله ورحمته.
الفرح جزء من تكويننا الفطري، وجزء من الحياة، وعلينا أن نفرح باعتدال، وعلى الخطباء والشعراء وقادة الرأي والفكر والكُتّاب مسؤولية زرع الأمل والتفاؤل واللغة الإيجابية عند المتلقين.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل